أبو بكر الأخشيد

أبو بكر الأخشيد
268- 334 هـ

أبو بكر محمد بن أبي محمد طغج- وتفسيره عبد الرحمن – ابن جف بن يلتكين بن فوران بن فوري بن خالقان، الفرغاني الأصل، صاحب سرير الذهب المنعوت بالإخشيد، صاحب مصر والشام والحجاز؛ أصله من أولاد ملوك فرغانة.

كان المعتصم بالله بن هارون الشريد قد جلبوا إليه من فرغانة جماعة كثيرة، فوصفوا له جف وغيره بالشجاعة والتقدم في الحروب فوجه المعتصم من أحضرهم، فلما وصلوا إليه بالغ في إكرامهم وأقطعهم قطائع بسر من رأى، وقطائع جف إلى الآن معروفة هناك ولم يزل مقمياً بها، وجاءته الأولاد، وتوفي جف ببغداد في الليلة التي قتل فيها المتوكل، وكانت ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين.

فخرج أولاده إلى البلاد يتصرفون ويطلبون لهم معايش، فاتصل طغج بن جف بلؤلؤ غلام ابن طولون وهو إذ ذاك مقيم بديار مصر، فاستخدمه على ديار مصر، ثم انحاز طغج إلى جملة أصحاب إسحاق بن كنداج، فلم يزل معه إلى أن مات أحمد بن طولون، وجرى الصلح بين ولده أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون وبين إسحاق بن كنداج، ونظر أبو الجيش إلى طغج بن جف في جملة أصحاب إسحاق فأعجب به وأخذه من إسحاق وقدمه على جميع من معه، وقلده دمشق وطبرية، ولم يزل معه إلى أن قتل أبو الجيش فرجع طغج إلى الخليفة المكتفي بالله، فخلع عليه وعرف له ذلك، وكان وزير الخليفة يومئذ العباس بن الحسن، فسإم طغج أن يجري في التذلل له مجرى غيره، فكبرت نفس طغج عن ذلك، فأغرى به المكتفي، فقبض عليه وحبسه وابنه أبا بكر محمد بن طغج، فتوفي طغج في السجن.

وبقي له ولده أبو بكر بعده محبوساً مدة، ثم أطلق وخلع عليه، ولم يزل يراصد العباس بن الحسن الوزير حتى أخذ بثأر أبيه هو وأخوه عبيد الله في الوقت الذي قتله فيه الحسين بن حمدان. ثم خرج أبو بكر وأخوه عبيد الله في سنة ست وتسعين ومائتين، وهرب عبيد الله إلى ابن أبي الساج، وهرب أبو بكر على الشام، وأقام متغرباً في البادية سنة، ثم اتصل بأبي منصور تكين الخرزي، فكان أكبر أركانه.

ومما كبر به اسمه سريته إلى التنقيب على الجمع الذين تجمعوا على الحجاج لقطع الطريق عليهم، وذلك سنة ست وثلثمائة، وهو يومئذ يتقلد عمان وجبال الشراة من قبل تكين المذكور، وظفره بهم، ومجيء الحاج وقد فرغ من أمرهم بأسر من أسره وقتل من قتله وشرد الباقين. وكان قد حج في هذه السنة من دار الخليفة المقتدر بالله امرأة تعرف بعجوز، فحدثت المقتدر بالله بما شاهدت منه، فانفذ إليه خلعاً وزيادة في رزقه.

ولم يزل أبو بكر في صحبة تكين إلى سنة ست عشرة وثلثمائة، ثم فارقه بسبب اقتضى ذلك وسار إلى الرملة فوردت كتب المقتدر إليه بولاية الرملة، فأقام بها إلى سنة ثماني عشرة، فوردت كتب المقتدر إليه بولاية دمشق فسار إليها، ولم يزل بها إلى أن ولاه القاهرة بالله ولاية مصر في شهر رمضان سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، ودعي له بها مدة اثنتين وثلاثين يوماً ولم يدخلها، ثم ولي أبو العباس أحمد بن كيغلغ الولاية الثانية من قبل القاهرة أيضاً لتسع خلون من شوال سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، ثم أعيد إليها أبو بكر بن محمد بن الإخشيد من جهة الخليفة الراضي بالله بن المقتدر بعد خلع عمه القاهر عن الخلافة، وضم إليه البلاد الشامية والجزرية والحرمين وغير ذلك، ودخل مصر يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر رمضان المعظم سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة وقيل إنه لم يزل على مصر فقط إلى أن توفي الراضي بالله في سنة تسع وعشرين وثلثمائة، وتولى أخوه المقتفي لأمر الله فضم إليه الشام والحجاز وغير ذلك.

ثم إن الراضي لقبه بالإخشيد في شهر رمضان المعظم سنة سبع وعشرين وثلثمائة إنما لقبه بذلك لأنه لقب ملوك فرغانة، وهو من أولادهم وتفسيره بالعربي ملك الملوك، وكل من ملك تلك الناحية لقبوا بهذا اللقب، كما لقبوا كل من ملك بلاد فارس كسر، وملك الترك خاقان، وملك الروم قيصر، وملك الشام هرقل، وملك اليمن تبع، ملك الحبشة النجاشي، وغير ذلك.

ودعي له إخشيد على المنابر بهذا اللقب واشتهر به وصار كالعلم عليه؛ وكان ملكاً حازماً كثير التيقظ في حروبه ومصالح دولته، حسن التدبير، مكرماً للجنود شديد القوى لا يكاد يجر قوسه غيره.

ولم يزل على مملكته وسعادته إلى أن توفي في الساعة الرابعة من يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة بدمشق، وحمل تابوته إلى بيت المقدس فدفن به؛ وكانت ولادته ببغداد، بشارع باب الكوفة.

وهو أستاذ كافور الإخشيدي وفاتك الجنون.

المرجع: وفيات الأعيان