أبو النصر علي

أبو النصر علي
توفي 1881

اشتهر في مصر في هذه الحقبة الأديب المصري أبو النصر علي ولد في منفلوط وفيها كانت وفاته سنة  (1880 – 1881). نظم الشعر في مقتبل الشباب وأصبح من فرسان ميدانه. فلما خبره إلى خديوي مصر إسماعيل باشا فقدمه وأجازه.

لأبي النصر عدة قصائد غراء فيه وفي أمراء الدولة الخديوية وقد وافق إسماعيل باشا لما رحل إلى الآستانة ثم مدح بعده الحضرة التوفيقية. ولأبي النصر ديوان كبير طبع في مطبعة بولاق سنة 1300 ضمنه أقوالاً منتخبة في كل أبواب البلاغة ومعاني الشعر فمما استحسناه قوله في الخمر وقد نحا في وصفه طريقة الصوفيين:

بنتُ كرمٍ دونهـا بـنـتُ الـكـرامْ

 

وهي بكرٌ زفَّها ساقهـا الـمُـدامُ

شمسُ راحٍ في اصطباحٍ أشرقـت

 

في سماء الكأس كالبدر التـمـامْ

كم تجلى كـأسُـهـا عـن لـؤلـؤ

 

من حُبابٍ كالدراري في انتظـامْ

إنَّ لـي عـنـهـا حـديثـاً سـرَّهُ

 

لا يُضاهَي وهي لي أقصى المرامْ

لو درى أهلُ التـقـى أسـرارَهـا

 

لَسقَوا أبناءَهم قـبـل الـفِـطـامْ

لا تسَلْني عن مـعـانـيهـا وسَـلْ

 

عن حُلاها وسناها بـاحـتـشـامْ

قال صفْها قلـتُ دَعـنْـي أنـهـا

 

صورةٌ كالجسم عندي والـسـلامْ

قال زدني قلتُ ما المسـئول عـن

 

ها بأَدْرى منها يا هـذا الـغـلامْ

قال قلْ في كرْمهـا مـخـلـوقةٌ

 

نزهةٌ النـاس مـن سـامٍ وحـامْ

ما رآهـا عـابـدٌ إلا انـثـنــى

 

عن سـجـود وركـوعٍ وقــيامْ

راحةُ الأرواحِ فـي أقـداحـهــا

 

أنبأَتنا إنَّهـا تُـبـري الـسـقـامْ

وهي طويلة. ومن حسن شعره قوله يصف سفرة الحضرة التوفيقية إلى الصعيد سنة 1287م:

زار في موكبٍ كعقد اللآلـي

 

فازدهى بالقدوم صفو الليالي

فازدهى رونقُ الصعيد جـمـالاً

 

وتحلّت أرجـاؤهُ بـالـحـلالِ

وروى النيلُ عـن رُواهُ حـديثـاً

 

يشرحُ الصدر شرحهُ في المقالِ

حيث دُقّت بالشاطـئَينِ طـبـولٌ

 

والأهالي تفوقُ عـدَّ الـرمـالِ

وتلافوا بضُمَّـير سـابـقـاتٍ

 

فترى الليث فوق ظهر الغزال

وتوالَوْا في سَيْرِهم فـأضـاءت

 

حليةُ البيض بين سُمْر العوالي

وجميعُ الـبـلادِ أيدت سـروراً

 

ناشراتٍ أعلامها بابـتـهـالِ

نسألُ الله عصـمةً ونـجـاحـاً

 

وبقـاء لـهُ وحـسـنَ مـآل

ومن أقوالهِ الحماسية قوله:

أرى دولة الأَيام خـائنة الـعـهــد

 

مراوغةً تصبو إلى الخُلف في الوعدِ

وما بالها تجني علـى كـلّ مـاجـدٍ

 

كأنَّ لها ثاراً على دولة الـمـجـدِ

ترينا محبّاً باسم الـثـغـر ظـاهـراً

 

ولكن لها قلبٌ مصرٌّ على الحـقـدِ

تمرُّ فتحلو لـلـغـبّـي ومَـن درى

 

تُجرّعه كأس المرار على عـمـدِ

أعدَّت لحربي جندَها فـلـقـيتُـهـا

 

بقوَّةِ جأش دونها قـوَّة الـصَـلْـدٍ

واستقبل الأخطار بالـبـشـر لاهـياً

 

بدون اكتراثٍ مازجَ الهزل بالـجـدِّ

وإن ضاق ميدانُ المخاوف لـم أكـن

 

حريصاً على حبّ الحياة ولا أفـدي

ولأبي النصر رحلتان إلى القسطنطينية كانت الأولى في أيام السلطان عبد المجيد موفداً من محمد عليّ الكبير وأنشد حينئذٍ شيخ الإسلام قوله يمدح القسطنطينية:

وكنَّا نرى مصر السعيدة جَّـنةً

 

ونحسُبها دون البلاد هي العليا

فلمَّا رأى دار الخلافة عينُـنـا

 

علمنا يقيناً أنها لَهيَ الـدنـيا

وكانت رحلتنه الثانية مع الخديوي إسماعيل باشا وصادف دخولهما الآستانة يوم عيد جلوس السلطان عبد العزيز سنة (1872) فقال أبو النصر يمدح الحضرة السلطانية بقصيدة مطلعها:

تبسَّمتِ الأزهار عن لؤلؤ القطـرِ

 

ففاح شذاها في الحدائق كالعطرِ

 تاريخ الآداب العربية :الاب لويس شيخو