أبو العباس السفاح

أبو العباس السفاح
727- 754 م

ولد عبد الله الأول بن محمد بن علي بالحميمة من ناحية البلقاء ونشأ بها وبويع بالكوفة وأمه ريطة الحارثية.

حدث عن أخيه إبراهيم بن محمد الإمام وروى عنه عمه عيسى بن علي وكان أصغر من أخيه المنصور.

استخلف و هو ابن سبع و عشرون سنة ، بويع له بالخلافة بالكوفة يوم الجمعة لأربع عشر خلت من ربيع الأول سنة اثنين وثلاثين و مئة .

سكن أبو العباس في الكوفة، ثم تركها وأقام بالحيرة، ثم اختار مدينة “الأنبار” فبنى بها قصورًا وأحب الإقامة بها، وظل فيها حتى توفى . وعادت من جديد في عهده خراسان. وسيطر جيشه في عصره من جديد على بلاد ما وراء النهر، وهي المنطقة الواقعة في حوض نهرى جيحون وسيحون مما يعرف الآن بالجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى التي أستقلت عن الإتحاد السوفيتي مؤخرًا.

ولم يخل عهده من ثورات قام بها بعض الأمويين في أول عهده بالخلافة وفى آخره، فقضى على ثورة “أبى الورد” الذي انضم إليه أهل “قنسرين”، و”حمص”، و”دمشق”، وكان ذلك عام تولّيه الحكم. وفى آخر عهده، أعلن أهل دمشق تمردهم على خلافة العباسيين سنة 136 هـ، 754م، وبايعوا أحد الأمويين، ولكنهم ما لبثوا أن هربوا أمام الجيش العباسي الذي داهمهم وطاردهم.

مات السفاح بالجدري في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة وكان قد عهد إلى أخيه أبي جعفر وكان في سنة أربع وثلاثين قد انتقل إلى الأنبار وصيرها دار الخلافة.

ومن أخبار السفاح قال الصولي: من كلامه إذا عظمت القدرة قلت الشهوة وقل تبرع إلا معه حق مضاع وقال: إن من أدنياء الناس ووضعائهم من عد البخل حزماً والحلم ذلا وقال إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة والصبر حسن إلا على ما أوقع الدين وأوهن السلطان والأناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة.

وكان السفاح أسخى الناس ما وعد عدة فأخرها عن وقتها ولا قام من مجلسه حتى يقضيه وقال له عبد الله بن حسن مرة سمعت بألف ألف درهم وما رأيتها قط فأمر بها فأحضرت وأمر بحملها معه إلى منزله.

ورد في “سير أعلام النبلاء” للذهبي:

” الخليفة أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن حبر الأمة عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي العباسي أول الخلفاء من بني العباس.

كان شاباً مليحا مهيبا أبيض طويلا وقورا هرب السفاح وأهله من جيش مروان الحمار وأتوا الكوفة لما استفحل لهم الأمر بخراسان ثم بويع في ثالث ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومئة ثم جهز عمه عبد الله بن علي في الجيش فالتقى هو ومروان الحمار على كشاف فكانت وقعة عظيمة ثم تفلل جمع مروان وانطوت سعادته.

ولكن لم تطل أيام السفاح ومات في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومئة وعاش ثمانيا وعشرين سنة في قول.

وقال الهيثم بن عدي وابن الكلبي عاش ثلاثاً وثلاثين سنة وقام بعده المنصور أخوه.

وقيل بل مولده سنة خمس ومئة وقيل خرج آل العباس هاربين إلى الكوفة فنزلوا على أبي سلمة الخلال فآواهم في سرب في داره وكان أبو مسلم قد استولى على خراسان وعين لهم يوماً يخرجون فيه فخرجوا في جمع كثيف من الخيالة والحمارة والرجالة فنزل الخلال إلى السرداب وصاح يا عبد الله مد يدك فتبارى إليه الأخوان فقال أيكما الذي معه العلامة؟.

قال المنصور فعلمت أني أخرت لأني لم يكن معي علامة فتلا أخي العلامة وهي “ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة” الآية القصص فبايعه أبو سلمة وخرجوا جميعاً إلى جامع الكوفة فبويع وخطب في الناس وهو يقول فأملى الله لبني أمية حينا فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا فأنا السفاح المبيح والثائر المبير…

وكان موعوكاً فجلس على المنبر فنهض عمه داود من بين يديه فقال إنا والله ما خرجنا لنحفر نهراً ولا لنبني قصرا ولا لنكثر مالاً وإنما خرجنا أنفة من ابتزازهم حقنا ولقد كانت أموركم تتصل بنا لكم ذمة الله وذمة رسوله وذمة العباس أن نحكم فيكم بما أنزل الله ونسير فيكم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج عنا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم. فقام السيد الحميري وقال قصيدة ثم نزل السفاح ودخل القصر وأجلس أخاه يأخذ بيعة العامة.

ومن كلامه من شدد نفر ومن لان تألف ويقال له هذان البيتان:

يا آل مروان أن الله مهلككم

 

ومبدل أمنكم خوفاً وتشريدا

لا عمر الله من أنسالكم أحداً

 

وبثكم في بلاد الله تبـديدا

ثم تحول إلى الأنبار وبها توفي.

وكان إذا علم بين اثنين تعاديا لم يقبل شهادة ذا على ذا ويقول العداوة تزيل العدالة.

ثم إن أبا مسلم جهز من قتل أبا سلمة الخلال الوزير بعد العتمة غيلة بعد أن قام من السمر عند السفاح فقالت العامة قتلته الخوارج فقال سليمان بن مهاجر البجلي:

 

إن المساءة قد تسـر وربـمـا

 

كان السرور بما كرهت جديرا

إن الوزير وزير آل محـمـد

 

أودى فمن يشناك كـان وزيرا

قتل بعد البيعة بأربعة أشهر.

وقيل وجه عبد الله بن علي عم السفاح مشيخة شاميين إلى السفاح ليعجبه منهم فحلفوا له إنهم ما علموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة يرثونه سوى بني أمية حتى وليتم.

وعن السفاح قال إذا عظمت القدرة قلت الشهوة قل تبرع إلا ومعه حق مضاع الصبر حسن إلا على ما أوتغ الدين وأوهن السلطان.

قال الصولي أحضر السفاح جوهرا من جواهر بني أمية فقسمه بينه وبين عبد الله بن حسن بن حسن وكان يضرب بجود السفاح المثل وكان إذا تعادى اثنان من خاصته لم يسمع من أحدهما في الآخر ويقول الضغائن تولد العداوة.

وكان يحضر الغناء من وراء ستارة كما كان يفعل أزدشير ويجزل العطاء.

ولما جيء برأس مروان الحمار سجد لله وقال أخذنا بثأر الحسين وآله وقتلنا مئتين من بني أمية بهم.

وقيل: إن السفاح أعطى عبد الله بن حسن بن حسن ألفي ألف درهم”.

وجاء في كتاب “المعارف” للدينوري

”  وبويع أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وأتاه أبو سلمة وبايعه وحمله حتى صلى بالناس الجمعة في مسجد الكوفة الأعظم وأمه ريطة حارثية. ولما ولي أبو العباس استعمل على الكوفة عمه داود بن علي وبعث جماعة من أهل بيته إلى القواد من أهل خراسان ببيعته واستعمل أخاه أبا جعفر على من بواسط من الناس مع الحسن بن قحطبة، فلم يزل محاصراً ليزيد بن عمر حتى افتتحها صلحاً في شوال سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وكان حصاره تسعة أشهر، ثم قتل أبو جعفر يزيد بن عمر وابنه داود بن يزيد، وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن علي يأمره بالمسير إلى مروان، فزحف إليه مروان بمن معه فاقتتلوا، فهزم مروان وفض جمعه واتبعه عبد الله بن علي حتى نزل بنهر أبي فطرس من أرض فلسطين، واجتمعت إليه بنو أمية حين نزل النهر فقتل منهم بضعة وثمانين رجلاً وخرج صالح بن علي بن عبد الله بعد مقتلهم في طلب مروان حتى لحقه في قرية من قرى الفيوم من أرض مصر يقال لها بوصير، فقتله وكان الذي تولى قتله عامر بن إسماعيل من أهل خراسان وكان على مقدمة صالح وذلك في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وكان مروان قد بلغ من السن تسعاً وخمسين سنة وكان له ابنان عبد الله وعبيد الله.

فأما عبيد الله فلا عقب له.

وأما عبد الله فكان أبوه جعله ولي عهده وأخذه أبو جعفر فمات ببغداد وله عقب، ثم تحول أبو العباس من الحيرة إلى الأنبار سنة أربع وثلاثين ومائة وتوفي بها في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، ويقال: إنه ولي الخلافة وهو ابن أربع وعشرين سنة، ويقال: ابن ثمان وعشرين سنة وكانت ولايته أربع سنين وثمانية أشهر منذ بويع، وكان له ابن يقال له محمد مات ببغداد ولم يعقب، وبنت يقال لها ريطة كانت عند المهدي”.