أبو البختري

أبو البختري
توفي 82 هـ

جاء في كتاب “سير أعلام النبلاء” للذهبي:

” أبو البختري الطائي مولاهم الكوفي الفقيه أحد العباد اسمه سعيد بن فيروز. حدث عن أبي برزة الأسلمي وابن عباس وابن عمر وأبي سعيد الخدري وطائفة وأرسل عن علي وابن مسعود وروى عنه عمرو بن مرة وعطاء بن السائب ويونس بن خباب ويزيد ابن أبي زياد وحبيب بن أبي ثابت. وثقه يحيى بن معين وكان مقدم الصالحين القراء الذين قاموا على الحجاج في فتنة ابن الأشعث فقتل أبو البختري في وقعة الجماجم سنة اثنين وثمانين.

قال حبيب بن أبي ثابت اجتمعت أنا وسعيد بن جبير وأبو البختري فكان أبو البختري أعلمنا وأفقهنا”.

وورد في “وفيات الأعيان” لابن خلكان:

“أبو البختري وهب بن وهب بن وهب بن كثير بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، القرشي الأسدي المدني، حدث عن عبيد الله بن عمر العمري وهشام بن عروة بن الزبير وجعفر بن محمد الصادق وغيرهم، وروى عنه رجاء بن سهل الصاغاني وأبو القاسم بن سعيد بن المسيب وغيرهما. وكان متروك الحديث مشهوراً بوضعه، انتقل من المدينة إلى بغداد في خلافة هارون الرشيد، فولاه القضاء بعسكر المهدي في شرقي بغداد – وقد تقدم الكلام على هذا الموضع في ترجمة الواقدي في حرف الميم – ثم عزله وولاه القضاء بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد بكار بن عبد الله الزبيري، وجعل إليه ولاية حربها مع القضاء، ثم عزله فقدم بغداد وأقام بها إلى أن توفي.

وذكر الخطيب في ” تاريخ بغداد ” في ترجمة القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحنفي أنه كان قاضي القضاة في بغداد، فلما مات ولي الرشيد مكانه أبا البختري وهب بن وهب القرشي.

وكان فقيهاً أخبارياً ناسباً جواداً سرياً سخياً يحب المديح ويثيب عليه العطاء الجزيل، وكان إذا أعطى قليلاً أو كثيراً أتبعه عذراً إلى صاحبه، وكان يتهلل عند طلب الحاجة إليه حتى لو رآه من لا يعرفه لقال هذا الذي قضيت حاجته، وكان جعفر الصادق بن محمد الباقر – المقدم ذكره – قد تزوج بأمه بالمدينة، وله عنه روايات وأسانيد، واسم أمه عبدة بنت علي بن يزيد بن بركة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت عقيل بن أبي طالب.

وقد ذكره الخطيب في ” تاريخ بغداد ” وبالغ في تقريظه والثناء عليه، وقال: دخل عليه شاعر فأنشده:

إذا افتر وهب خلته برق عارض

تبعق في الأرضين أسعده السكب

وما ضر وهباً ذم من خالف الملا

 كما لا يضر البدر ينبحه الكلـب

لكل أناسٍ مـن أبـيهـم ذخـيرة

 وذخر بني فهرٍ عقيد الندى وهب

قال: فاستهل أبو البختري ضاحكاً وسر سروراً شديداً، ثم دعا عوناً له فأسر إليه شيئاً، فأتاه بصرة فيها خمسمائة دينار، فدفعها إليه.

وحكى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب ” الأغاني ” في ترجمة أبي دلف العجلي، قال: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: كنا عند أبي العباس المبرد يوماً وعنده فتى من ولد أبي البختري وهب بن وهب القاضي أمرد حسن الوجه، وفتى من ولد أبي دلف العجلي شبيه به في الجمال، فقال المبرد لابن أبي البختري: أعرف لجدك قصة طريفة من الكرم حسنة لم يسبق إليها، فقال: وما هي؟ قال: دعي رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع فسقوه نبيذاً غير الذي كانوا يشربون منه، فقال فيهم:

 نبيذان في مجلـس واحـد

 لإيثار مثر على مـقـتـر

فلو كان فعلك ذا في الطعام

 لزمت قياسك في المسكر

ولو كنت تطلب شأو الكرام

 صنعت صنيعٍ أبي البختري

تتبع إخوانه فـي الـبـلاد

 فأغنى المقل عن المكثـر

فبلغت الأبيات أبا البختري فبعث إليه بثلثمائة دينار، قال ابن عمار: فقلت له: قد فعل جد هذا الفتى في مثل هذا المعنى ما هو أحسن من هذا، قال: وما فعل؟ قلت: بلغه أن رجلاً افتقر بعد ثروة، فقالت له امرأته: افترض في الجند، فقال:

 إليك عني فقد كلفتني شـطـطـاً

 حمل السلاح وقول الدار عين قف

أمن رجال المنايا خلتنـي رجـلاً

 أمسي وأصبح مشتاقاً إلى التلـف

تمشي المنايا إلى غيري فأكرههـا

 فكيف أمشي إليها بارز الكـتـف

حسبت أن نزال القرن من خلقـي

 أو أن قلبي في جنبي أبـي دلـف

فأحضره أبو دلف ثم قال: كم أملت امرأتك أن يكون رزقك؟ قال: مائة دينار، قال: وكم أملت أن تعيش؟ قال: عشرين سنة، قال: فذلك على ما أملت امرأتك في مالنا دون مال السلطان، وأمر بإعطائه إياه، قال: فرأيت وجه ابن أبي دلف يتهلل، وانكسر ابن أبي البختري انكساراً شديداً، انتهى كلام صاحب الأغاني في هذا الفصل، وقد سبق في ترجمة أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي ذكر هذه الأبيات وقائلها وصورة الحال، وبينها وبين هذه الرواية اختلاف يسير.

وأما الأبيات الأولى التي في أبي البختري، فهي لأبي عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عطية العطوي الشاعر المشهور، ونسبته – بالعطوي – إلى جده عطية المذكور، وهو من البصرة من موالي بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكان معتزلياً، وله ديوان شعر.

وروى الخطيب أيضاً في تاريخه أن أبا البختري، قال: لأن أكون في قوم أعلم مني أحب إلي من أن أكون في قوم أنا أعلم منهم لأني إن كنت أعلمهم لم أستفد وإن كنت مع من هم أعلم مني استفدت.

وروى أيضاً في تاريخه أن هارون الرشيد لما قدم المدينة أعظم أن يرقى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قباء ومنطقة، فقال أبو البختري: حدثني جعفر بن محمد، يعني جعفر الصادق، عن أبيه قال: نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم وعليه قباء ومنطقة مخنجراً بخنجر، فقال المعافى التميمي:

 ويل وغول لأبي البخـتـري

 إذا توافى الناس للمحـشـر

من قوله الـزور وإعـلانـه

 بالكذب في الناس على جعفر

والله ما جـالـسـه سـاعةً

 للفقه في بدوٍ ولا محـضـر

ولا رآه النـاس فـي دهـره

 يمر بين القبر والمـنـبـر

يا قاتل الله ابن وهـبٍ لـقـد

 أعلن بالزور وبالمـنـكـر

يزعم أن المصطفى أحـمـداً

 أتاه جبريل التقـي الـبـري

علـيه خـف وقـبـا أسـود

 مخنجراً في الحقو بالخنجـر

وحكى جعفر الطيالسي أن يحيى بن معين وقف على حلقته وهو يحدث بهذا الحديث عن جعفر الصادق، فقال له: كذبت يا عدو الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأخذني الشرط، فقلت لهم: هذا يزعم أن رسول رب العالمين جبريل نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه قباء، قال: فقالوا لي: هذا والله قاضٍ كذاب، وأفرجوا عني.

وقال ابن قتيبة في كتاب ” المعارف “: وكان أبو البختري ضعيفاً في الحديث، وقال الخطيب في تاريخه: قال إبراهيم الحربي: قيل لأحمد بن حنبل تعلم أحداً روى ” لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح “؟ فقال: ما روى هذا إلا ذاك الكذاب أبو البختري.

وله من التصانيف كتاب ” الروايات “. كتاب ” طعسم وجديس “. كتاب ” صفة النبي صلى الله عليه وسلم “. كتاب ” فضائل الأنصار “. كتاب ” الفضائل الكبير ” ويحتوي على جميع الفضائل. كتاب ” نسب ولد إسماعيل عليه السلام ” ويحتوي على قطعة من الأحاديث والقصص. وأخباره ومحاسنه كثيرة، وتوفي سنة مائتين للهجرة ببغداد، في خلافة المأمون، رحمه الله تعالى. وقد ذكره ابن قتيبة في كتاب ” المعارف ” في موضعين، عقد له أولاً ترجمة وتكلم على حاله، ثم ذكره في ثلاثة أسماء في نسق: أبو البختري وهب بن وهب بن وهب، وعد معه في ملوك الفرس بهرام بن بهرام بن بهرام، وفي الطالبين حسن بن حسن بن حسن، وفي غسان الحرث الأصغر بن الحرث الأعرج بن الحرث الأكبر، هؤلاء الذين ذكرهم ابن قتيبة، وقد جاء في المتأخرين أبو حامد الغزالي وهو محمد بن محمد بن محمد، وقد سبق ذكره في المحمدين.

وأبو البختري: بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها راء، وهو مأخوذ من البخترة التي هي الخيلاء، وهو يتصحف على كثير من الناس بالبحتري وهو الشاعر المقدم ذكره.

وزمعة: بفتح الزاي والميم والعين المهملة وبعدها هاء ساكنة، وهي في الأصل اسم للهنة الزائدة من وراء الظلف، وبها سمي.

وقد تقدم الكلام على الأسدي والمدني.

 قلت: وبعد الفراغ من هذه الترجمة ظفرت بنكتة ينبغي إلحاقها بها، وهي أن أبا البختري المذكور قال: كنت أدخل على هارون الرشيد وابنه القاسم الملقب بالمؤتمن بين يديه، فكنت أدمن النظر إليه عند دخولي وخروجي، فقال له بعض ندمائه: ما أرى أبا البختري إلا يحب رؤوس الحملان، ففطن الرشيد، فلما دخلت عليه قال: أراك تدمن النظر إلى أبي القاسم، تريد أن تجعل انقطاعك إليه، قلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن ترميني بما ليس في، وأما إدماني النظر إليه فلأن جعفراً الصادق رضي الله تعالى عنه روى بإسناده عن آبائه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ثلاث يزدن في قوة النظر ” النظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري، وإلى الوجه الحسن ” نقلتها من خط القاضي كمال الدين بن العديم من مسودة تاريخه، والله تعالى أعلم”.