ياقوت الحموي

يـاقوت الحـموي
1179- 1229م

وُلِدَ ياقوت سنة 575 للهجرة في ديار الروم ومن هنا جاءت تسميته بالرّومي أحيانًا. وقد أُسِرَ وهو حدث، وحُمِلَ إلى سوق الرّقيق ببغداد حيث اشتراه تاجر بغدادي حمويّ الأصل. فغلب عليه لقب “الحموي”. رأى هذا التاجر أن يفيد من هذا الحدث في حساباته وتجارته، فوضعه في مدرسةٍ حيث تعلّم الكتابة؛ وقد اهتمّ ياقوت أثناء ذلك بالأدب والنحو. ثم أرسله سيدّه في تجاراتٍ له، حملته إلى جزيرة كشم (أو قسم) في الخليج العربي وإلى عمان وديار الشام، فأعزم ياقوت بالرحلة والتعرف إلى البلاد التي يزورها. حرّر ياقوت، فتعاطى النّسخ ليعيش منه. ويبدو أنّ نُفورًا قد حدث بين ياقوت وسيدّه القديم، لكن الأمر لم يلبث أن سُوِّيَ بينهما، فعاد ياقوت يرحل في التجارة له. وقد مات هذا التاجر أثناء غياب ياقوت في تجارة، ويبدو أنه أوصى لياقوت ببعض ثروته، فتعاطى عندها التجارة لحسابه الخاص. أخد ينتقّل من بلدٍ إلى آخر؛ فيومًا في تبريز ويومًا في مصر وفي يومٍ ثالث في مَرْوَ، حيث قضى سنتين يلتهم ما في خزائنها من الكتب الكثيرة جدًا. وهناك بدأ في وضع كتابه “معجم البلدان“. رحل بعد ذلك إلى خوارزم حيث أقام بعض الوقت.

من الصّفات التي يتمتّع بها ياقوت في عمله أنه كان أمينًا في نقله عن غيره؛ فهو ينسب كل قول إلى صاحبه. يضاف إلى هذا أنه تحدّث في المقدمة عن مصادره المكتوبة حديثًا علميًا. وكان يعرف قيمة عمله والجهد الذي بذله فيه.

يبدأ ياقوت معجمه بخمسة فصول، يتناول فيها صورة الأرض ومعنى الإقليم وإصطلاحات جغرافية لازمة معرفتها مثل البريد والفرسخ، وحُكم الأرضييّن من حيث الفتح والخراج والشّرع في ذلك، وجُمَلاً من أخبار البلدان. ثم يبدأ ترتيب معجم البلدان على حروف الهجاء. والمعجم بالذّات مَعينٌ لا ينضب للمعرفة الجغرافية البلدانية والاقتصادية والبشرية، ومََثل للعِلْم المُنَظم. ولم يقتصر على العالم الإسلامي فحسب بل تناول مناطق أخرى مجاورة له.

ومن طريف ما جاء في معجم البلدان أنّ ياقوت كان يرى أن معجمه يجب أن لا يختصر قط، ودفاعه عن وجهة نظره ووصيته للخلف طريفة حقًا. فيقول في ذلك: “ولقد التمس مني الطّلاب اختصار هذا الكتاب مرارًا، فأبيتُ ولم أجد في قُصر هممهم أولياء ولا أنصارًا، فما انقدْتُ لهم ولا إرْعَوَيْت، ولي على ناقل هذا الكتاب والمستفيد منه أن لا يضيع نصبي، ونصب نفسي وله وتعبي، بتبديد ما جمعتُ وتشتيت ما لفّقتُ، وتفريق ملتئم محاسنه، ونفي كل علق نفيس عن معادنه ومكامنه، باقتضابه واختصاره، وتعطيل جيّده من حليه وأنواره، وغصبه إعلان فضله وأسراره؛ فرُبّ راغب عن كلمة غيره متهالك عليها، وزاهد عن نكتة غيره مشغوف بها ينضي الركاب إليها. فإذا أجبتني فقد برّرتني، وجعلك الله من الأبرار، وإن خالَفتَني فقد عقّقتني، والله حسيبك في عقبى الدار”.

قال عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان: ((أو عبد الله ياقوت بن عبد الله، الرومي الجنس والمولد الحموي المولى البغدادي الدار، الملقب شهاب الدين، أسر من بلاده صغيراً، وابتاعه ببغداد رجل تاجر يعرف بعسكر بن أبي نصر إبراهيم الحموي، وجعله في الكتاب، لينتفع به في ضبط تجائره، وكان مولاه عسكر لا يحسن الخط ولا يعلم شيئاً سوى التجارة، وكان ساكناً ببغداد، وتزوج بها وأولد عدة أولاد، ولما كبر ياقوت المذكور قرأ شيئاً من النحو واللغة، وشغله مولاه بالأسفار في متاجره فكان يتردد إلى كيش وعمان وتلك النواحي ويعود إلى الشام. ثم جرت بينه وبين مولاه نبوة أوجبت عتقه فأبعده عنه، وذلك في سنة ست وتسعين وخمسمائة، فاشتغل بالنسخ بالأجرة، وحصلت له بالمطالعة فوائد، ثم إن مولاه بعد مديدة ألوى وأعطاه شيئاً وسفره إلى كيش، ولما عاد كان مولاه قد مات، فحصل شيئاً مما كان في يده وأعطى أولاد مولاه وزوجته ما أرضاهم به، وبقيت بيده بقية جعلها رأس ماله، وسافر بها وجعل بعض تجارته كتباً.

وكان متعصباً على علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وكان قد طالع شيئاً من كتب الخوارج، فاشتبك في ذهنه منه طرف قوي، وتوجه إلى دمشق في سنة ثلاث عشرة وستمائة وقعد في بعض أسواقها، وناظر بعض من يتعصب لعلي رضي الله عنه، وجرى بينهما كلام أدى إلى ذكره علياً، رضي الله عنه، بما لا يسوغ، فثار الناس عليه ثورة كادوا يقتلونه، فسلم منهم، وخرج من دمشق منهزماً بعد أن بلغت القضية إلى والي البلد، فطلبه فلم يقدر عليه، ووصل إلى حلب خائفاً يترقب، وخرج عنها في العشر الأول أو الثاني من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وستمائة، وتوصل إلى الموصل. ثم انتقل إلى إربل وسلك منها إلى خراسان وتحامى دخول بغداد، لأن المناظر له بدمش كان بغدادياً، وخشي أن ينقل قوله فيقتل فلما انتهى أمره إلى خراسان أقام بها يتجر في بلادها، واستوطن مدينة مرو مدة، وخرج عنها إلى أن نسا ومضى إلى خوارزم، وصادفه وهو بخوارزم خروج التتر، وذلك في سنة ست عشرة وستمائة، فانهزم بنفسه كبعثه يوم الحشر من رمسه، وقاسى في طريقه من المضايقة والتعب ما كان يكل عن شرحه إذا ذكره، ووصل إلى الموصل وقد تقطعت به الأسباب، وأعوزه دنيء المأكل وخشن الثياب، أقام بالموصل مدة مديدة، ثم انتقل إلى سنجار وارتحل منها إلى حلب، وأقام بظاهرها في الخان، إلى أن مات في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.

ونقلت من ” تاريخ إربل ” الذي عني بجمعه أبو البركات ابن المستوفي – المقدم ذكره – أن ياقوتاً المذكور قدم إربل في رجب سنة سبع عشرة وستمائة، وكان مقيماً بخوارزم، وفارقها للواقعة التي جري فيها بين التتر والسلطان محمد بن تكش خوارزم شاه.

وكان قد تتبع التواريخ، وصنف كتاباً سماه ” إرشاد الألباء إلى معرفة الأدباء ” يدخل في أربعة جلود كبار، ذكر في أوله قال: ” وجمعت في هذا الكتاب ما وقع إلي من أخبار النحويين واللغويين والنسابين والقراء المشهورين، والأخباريين والمؤرخين والوراقين العروفين والكتاب المشهورين وأصحاب الرسائل المدونة، وأرباب الخطوط المنسوبة المعينة، وكل من صنف في الأدب تصنيفاً أو جمع فيه تأليفاً، مع إيثار الاختصار والإعجاز في نهاية الإيجاز، ولم آل جهداً في إثبات الوفيات، وتبيين المواليد والأوقات، وذكر تصانيفهم ومستحسن أخبارهم، والإخبار بأنسابهم وشيء من أشعارهم، في تردادي إلى البلاد ومخالطتي للعباد، وحفت الأسانيد إلا ما قل رجاله وقرب مناله، مع الاستطاعة إثباتها سماعاً وإجازة، إلا أنني قصدت صغر الحجم وكبر النفع، وأثبت مواضع نقلي ومواطن أخذي من كتب العلماء المعول في هذا الشأن عليهم، والرجوع في صحة النقل إليهم “.

ثم ذكر أنه جمع كتاباً في أخبار الشعراء المتأخرين والقدماء. ومن تصانيفه أيضاً كتاب ” معجم البلدان “، وكتاب “معجم الشعراء “، وكتاب ” معجم الأدباء “، وكتاب ” المشترك وضعاً المختلف صقعاً ” وهو من الكتب النافعة، وكتاب ” المبدأ والمآل ” في التاريخ، وكتاب ” الدول ” و” مجموع كلام أبي علي الفارسي ” و” عنوان كتاب الأغاني “، و” المقتضب في النسب ” يذكر فيه أنساب العرب، وكتاب ” أخبار المتنبي “.

وكانت له همة عالية في تحصيل المعارف.

وذكر القاضي الأكرم جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد الشيباني القفطي، وزير صاحب حلب كان رحمه الله تعالى، في كتابه الذي سماه ” إنباه الرواة على أنباه النحاة ” أن ياقوتاً المذكور كتب إليه رسالة من الموصل إليها هارباً من التتر، يصف فيها حاله وما جرى له معهم، وهي بعد البسملة والحمدلة: ” كان المملوك ياقوت بن عبد الله الحموي قد كتب هذه الرسالة من الموصل في سنة سبع عشرة وستمائة، وحين وصوله من خوارزم طريد التتر، أبادهم الله تعالى، إلى حضرة مالك رقه الوزير جمال الدين القاضي الأكرم أبي الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد الشيباني، ثم التيمي تيم بني شيبان بن ثعلبة بن عكابة، أسبغ الله عليه ظله، وأعلى في درج السيادة محله، وهو يومئذ وزير صاحب حلب والعواصم، شرحاً لأحوال خراسان وأحواله، وإيماء إلى بدء أمره بعد ما فارقه ومآله، وأحجم عن عرضها على رأيه الشريف إعظاماً وتهيباً، وفراراً من قصورها عن طوله وتجنباً، إلى أن وقف عليها جماعة من منتحلي النظم والنثر، فوجدهم مسارعين إلى كتبها، متهافتين على نقلها، وما يشك أن محاسن مالك الرق حلتها، وفي أعلى درج الإحسان أحلتها، فشجعه ذلك على عرضها على مولاه، وللآراء علوها في تصفحها، والصفح عن زللها، فليس كل من لمس درهماً صيرفياً، ولا كل من اقتنى داراً جوهرياً. وها هي ذه: ” بسم الله الرحمن الرحيم، أدام الله على العلم وأهليه، والإسلام وبني، ما سوغهم وحباهم، ومنحهم وأعطاهم، من سبوغ ظل المولى الوزير، أعز الله أنصاره، وضاعف مجده واقتداره، ونصر ألويته وأعلامه، وأجرى بإجراء الأرزاق في الآفاق أقلامه، وأطال بقاه، ورفع إلى عليين علاه، في نعمة لا يبلى جديدها، ولا يحصى عددها ولا عديدها، ولا ينتهي إلى غاية مديدها، ولا يفل حدها ولا حديدها، ولا يقل وادها ولا وديدها، وأدام دولته للدنيا والدين يلم شعثه، ويهزم كرثه، ويرفع مناره، ويحسن بحسن أثره آثاره، ويفتق نوره وأزهاره، وينير نواره، ويضاعف أنواره، وأسبغ ظله للعلوم وأهليها، والآداب ومنتحليها، والفضائل وحامليها، يشيد بمشيد فضله بنيانها، ويرصع بناصع مجده تيجانها، ويروض بيانع علأئه زمانها، ويعظم بعلو همته الشريفة بين البرية شأنها، ويمكن في أعلى درج الاستحقاق إمكانها ومكانها، ويرفع بنفاذ الأمر قدره للدول الإسلامية والقواعد الدينية، يسوس قواعدها، ويعز مساعدها، ويهين معاندها، ويعضد بحسن الإيالة معاضدها، وينهج بجميل المقاصد مقاصدها، حتى تعود بحسن تدبيره غرة في جبهة الزمان، وسنة يقتدي بها من طبع على العدل والإحسان، يكون له أجرها ما دام الملوان وكر الجديدان، وما أشرقت من الشرق شمس، وارتاحت إلى مناجاة حضرته الباهرة نفس “.

وبعد، فالمملوك ينهي إلى المقر العالي المولوي، والمحل الأكرم العلي – أدام الله سعادته مشرقة النور مبلغة السول، واضحة الغرر بادية الحجول – ما هو مكتف بالأريحية المولوية عن تبيانه، مستغن بما منحتها من صفاء الآراء عن إمضاء قلمه لإيضاحه وبيانه، قد أحسبه ما وصف به عليه الصلاة والسلام المؤمنين، وإن من أمتي لمكلمين، وهو شرح ما يعتقده من الولاء، ويفتخر به من التعبد للحضرة الشريفة والاعتزاء، قد كفته الألمعية، عن إظهار المشتبه بالملق مما تجنه الطوية، لأن دلائل غلو المملوك في دين ولائه في الآفاق واضحة، وطبعة سكة إخلاص الوداد باسمه الكريم على صفحات الدهر لائحة، وإيمانه بشرائع الفضل الذي طبق الآفاق حتى أصبح بها بناء المكارم متين، وتلاوته لأحاديث المجد القريبة الأسانيد بالمشاهدة لديه مبين، ودعاء أهل الآفاق إلى المغالاة في الإيمان بإمامة فضله الذي تلقاه باليمين، وتصديقه بملة سؤدده الذي تفرد بالتوخي لنظم شارده وضم متبدده بعرق الجبين، حتى لقد أصبح للفضل كعبة لم يفترض حجها على من استطاع إليها السبيل، ويقتصر بقصدها على ذوي القدرة دون المعتر وابن السبيل، فإن لكل منهم حظاً يستمده، ونصيباً يستعد به ويعتده، فللعظماء الشرف الضخم من معينه، وللعلماء اقتناء الفضائل من قطينه، وللفقراء توقيع الأمان من نوائب الدهر وغض جفونه، وفرضوا من مناسكه للجبهة الشريفة السلام والتبجيل، وللكف البسيطة الاستلام والتقبيل، وقد شهد الله تعالى للمملوك أنه في سفره وحضره، وسره وعلنه وخبره ومخبره، شعاره تعطير مجالس الفضلاء، ومحافل العلماء بفوائد حضرته، والفضائل المستفادة من فضلته، افتخاراً بذلك بين الأنام، وتطريزاً لما يأتي به في أثناء الكلام:

إذا أنا شرفت الورى بقصـائدي

 

على طمعٍ شرفت شعري بذكره

(يمنون عليك أن أسلموا، قل لا تمنوا علي إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) لا حرمنا الله معاشر أوليائه مواد فضائله المتتالية، ولا أخلانا كافة عبيده من أياديه المتوالية، اللهم رب الأرض المدحية، والسموات العلية، والبحار المسجرة، والرياح المسخرة، اسمع ندائي، واستجب دعائي، وبلغنا في معاليه، ما نؤمله ونرتجيه، بمحمد النبي وصحبه وذويه.

وقد كان المملوك لما فارق الجناب الشريف، وانفصل عن مقر العز اللباب والفضل المنيف، أراد استعتاب الدهر الكالح، واستدرار خلف الزمن الغشوم الجامح، اغتراراً بأن الحركة بركة، والاغتراب داعية الاكتساب، والمقام على الإقتار ذل وإسقام، وجلس البيت، في المحافل سكيت:

وقفت وقوف الشك ثم استمـر بـي

 

يقيني بأن الموت خير من الفـقـر

فودعت من أهلي وبالقلـب مـا بـه

 

وسرت عن الأوطان في طلب اليسر

وباكية للبين قلت لـهـا اصـبـري

 

فللموت خير من حياة على عـسـر

سأكسب مـالاً أو أمـوت بـبـلـدةٍ

 

يقل بها فيض الدموع على قـبـري

فامتطى غارب الأمل إلى الغربة، وركب مركب التطواف مع كل صحبة، قاطعاً الأغوار والأنجاد، حتى بلغ السد أو كاد، فلم يصحب له دهره الحرون، ولا رق له زمانه المفتون:

إن الليالي والأيام لو سـئلـت

 

عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا

فكأنه في جفن الدهر قذى، أو في حلقه شجاً، يدافعه نيل الأمنية، حتى أسلمه إلى ربقة المنية:

لا يستقر بأرضٍ أو يسـير إلـى

 

أخرى بشخصٍ قريب عزمه نائي

يوماً بحزوى ويوماً بالعقـيق ويو

 

ماً بالعذيب ويوماً بالخـلـيصـاء

وتارة ينـتـحـي نـجـداً وآونة

 

شعب الحزون قصـر تـيمـاء

وهيهات مع حرفة الأدب، بلوغ وطر أو إدراك أرب، ومع عبوس الحظ، ابتسام الدهر الفظ ولم أزل مع الزمان في تفنيد وعتاب، حتى رضيت من الغنيمة بالإياب، والمملوك مع ذلك يدافع الأيام ويزجيها، ويعلل المعيشة ويرجيها، متقنعا بالقناعة والعفاف، مشتملاً بالنزاهة والكفاف، غير راض بذلك السمل، ولكن مكره أخاك لا بطل، متسلياً بإخوان قد ارتضى خلائقهم، وأمن بوائقهم، عاشرهم بالألطاف، ورضي منهم بالكفاف، لا خيرهم يرتجى، ولا شرهم يتقى:

إن كان لابد من أهل ومن وطن

 

فحيث آمن من ألقى ويأمننـي

 

 قد زم نفسه أن يستعمل طرفاً طماحاً، وأن يركب طرفاً جماحاً وأن يلحف بيض طمع جناحاً، وأن يستقدح زنداً وارياً أو شحاحاً:

وأدبني الزمان فلا أبـالـي

 

هجرت فلا أزار ولا أزور

ولست بقائل ما عشت يومـاً

 

أسار الجند أم رحل الأمير

وكان المقام بمرو الشاهجان، المفسر عندهم بنفس السلطان، فوجد بها من كتب العلوم والآداب، وصحائف أولى الأفهام والألباب، ما شغله عن الأهل والوطن، وأذهله عن كل خل صفي وسكن، فظفر منها بضالته المنشودة، وبغية نفسه المفقودة، فأقبل عليها إقبال النهم الحريص، وقابلها بمقام لا مزمع عنها ولا محيص، فجعل يرتع في حدائقها، ويستمتع بحسن خلقها وخلائقها، ويسرح طرفه في طرفها، ويتلذذ بمبسوطها ونتفها، واعتقد المقام بذاك الجناب، إلى أن يجاور التراب:

إذا ما الدهر بيتني بجـيشٍ

 

طليعته اغتمام واغتـراب

شننت عليه من جهتي كميناً

 

أميراه الذبالة والكـتـاب

وبت أنص من شيم الليالـي

 

عجائب من حقائقها ارتياب

بها أجلو همومي مستريحاً

 

كما جلى همومهم الشراب

إلى أن حدث بخراسان ما حدث من الخراب، والويل المبير والتباب، وكانت لعمر الله بلاداً مونقة الرجاء، رائقة الأنحاء، ذات رياض أريضة، وأهوية صحيحة مريضة، قد تغنت أطيارها، فتمايلت طرباً أشجارها، وبكت أنهارها، فتضاحكت أزهارها، وطاب روح نسيمها، فصح مزاج إقليمها، ولعهدي بتلك الرياض الأنيقة، والأشجار المتهدلة الوريقة، وقد ساقت إليها أرواح الجنائب، زقاق خمر السحائب، فسقت مروجها مدام الطل، فنشأ على أزهارها حباب كاللؤلؤ المنحل، فلما رويت من تلك الصهباء أشجاره، رنحها من النسيم خماره، فتدانت ولا تداني المحبين، وتعانقت ولا عناق العاشقين، يلوح من خلالها شقائق قد شابه اشتقاق الهوى بالعليل، فشابه شفتى غادتين دنتا للتقبيل، وربما اشتبه على التحرير بائتلاف الخمر، وقد انتابه رشاش القطر، ويريه بهاراً يبهر ناضره، فيرتاح إليه ناظره، كأنه صنوج من العسجد، أو دنانير من الإبريز تنقد، ويتخلل ذلك أقحوان تخاله ثغر المعشوق إذا عض خد عاشق، فلله درها من نزهة رامق ولون وامق، وجملة أمرها أنها كانت أنوذج الجنة بلا مين، فيها ما تشتهي النفس وتلذ العين قد اشتملت عليها المكارم، وارجحنت في أرجائها الخيرات الفائضة للعالم، فكم فيها من حبرٍ راقت حبره، ومن إمام توجت حياة الإسلام سيره، آثار علومهم على صفحات الدهر مكتوبة، وفضائلهم في محاسن الدنيا والدين محسوبة، وإلى كل قطرة مجلوبة، فما من متين علم وقويم رأي إلا ومن شرقهم مطلعه، ولا من مغربة فضل إلا وعندهم مغربه وإليهم منزعه، وما نشأ من كرم أخلاق بلا اختلاق إلا وجدته فيهم، ولا أعراق في طيب أعراق إلا اجتليته من معانيهم، أطفالهم رجال، وشبابهم أبطال، مشايخهم أبدال، شواهد مناقبهم باهرة، ودلائل مجدهم ظاهرة، ومن العجب العجاب أن سلطانهم المالك، هان عليه ترك تلك الممالك، وقال لتفسه الهوى لك، وإلا فأنت في الهوالك، وأجفل إجفال الرال، وطفق إذا رأى غير شيء ظنه رجلاً بل رجال (كم تركوا من جناتٍ وعيون وزروعٍ ومقامٍ كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين) لكنه عز وجل لم يورثها قوماً آخرين، تنزيهاً لأولئك الأبرار عن مقام المجرمين، بل ابتلاهم فوجدهم شاكرين، وبلاهم فألفاهم صابرين، فألحقهم بالشهداء الأبرار، ورفعهم إلى درجات المصطفين الأخبار (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون) البقرة: فجاس خلال تلك الديار أهل الكفر والإلحاد، وتحكم في تلك الأبشار أولو الزيغ والعناد، فأصبحت تلك القصور، كالممحو من السطور، وأمست تلك الأوطان مأوى الأصداء والغربان، تتجاوب في نواحيها البوم، وتتناوح في أراجيها الريح السموم، ويستوحش فيها الأنيس، ويرثي لمصابها إبليس:

كأن لم يكن فيها أوانس كالـدمـى

 

وأقيال ملك في بسالتـهـم أسـد

فمن حاتم في وجوده وابـن مـامة

 

ومن أحنف إن عد حلم ومن سعد

تداعى بهم صرف الزمان فأصبحوا

 

لنا عبرة تدم الحشا ولمـن بـعـد

فإنا لله وإنا إليه راجعون من حادثة تقصم الظهر، وتهدم العمر، وتفت في العضد، وتوهي الجلد، وتضاعف الكمد، وتشيب الوليد، وتنخب لب الجليد، وتسود القلب، وتذهل اللب، فحينئذ تقهقر المملوك على عقبه، ناكساً، ومن الأوبة إلى حيث تستقر في النفس بالأمن آيساً، بقلب واجب، ودمع ساكب، ولب عازب، وحلم غائب، وتوصل وما كاد حتى استقر بالموصل بعد مقاساة أخطار، وابتلاء واصطبار، وتمحيص الأوزار، وإشراف غير مرة على البوار والتبار، لأنه مر بين سيوف مسلولة، وعساكر مفلولة، ونظام عقود محلولة، ودماء مسكوبة مطلولة، وكان شعاره كلما علا قتبا، أو قطع سبسباً (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) الكهف: فالحمد لله الذي أقدرنا على الحمد، وأولانا نعماً تفوت الحصر والعد، وجملة الأمر أنه لولا فسحة في الأجل، لعز أن يقال سلم البائس أو وصل، ولصفق عليه أهل الوداد صفقة المغبون، وألحق بألف ألف ألف ألف ألف هالك بأيدي الكفار أو يزيدون، وخلف خلفه جل ذخيرته، ومستمد معيشته:

تنكر لي دهري ولم يدر أنـنـي

 

أعز وأحداث الزمـان تـهـون

وبات يريني الخطب كيف اعتداؤه

 

وبت أريه الصبر كـيف يكـون

وبعد، فليس للملوك ما يسلي به خاطره، ويعزي به قلبه وناظره، إلا التعلل بإزاحة العلل، إذا هو بالحضرة الشريفة مثل:

فاسلم ودم وتمل العيش فـي دعة

 

ففي بقائك ما يسلي عن السلـف

فأنت للمجد روح والورى جسـد

 

وأنت در فلا تأسى على الصدف

والمملوك الآن بالموصل مقيم، يعالج لما حزبه من هذا الأمر المقعد المقيم، يزجي وقته، ويمارس حرفته، وبخته يكاد يقول له باللسان القويم (تالله إنك لفي ضلالك القديم)(يوسف:) يذيب نفسه في تحصيل أغراض، هي لعمر الله أعراض، من صحف يكتبها، وأوراق يستصحبها، نصبه فيها طويل، واستمتاعه بها قليل، ثم الرحيل، وقد عزم بعد قضاء نهمته، وبلوغ بعض وطر قرونته، أن يستمد التوفيق، ويركب سنن الطريق، عساه أن يبلغ أمنيته، من المثول بالحضرة، وإتحاف بصره من خلالها ولو بنظرة، ويلقى عصا الترحال بفنائها الفسيح، ويقيم تحت ظل كنفها إلى أن يصادفه الأجل المريح، وينظم نفسه في سلك مماليكها بحضرتها، كما ينتمي إليها في غيبتها، إن مدت السعادة بضبعه، وسمح له الدهر بعد الخفض برفعه، فقد ضعفت قواه عن درك الآمال، وعجز عن معاركة الزمان والنزال، إذ ضمت البسيطة إخوانه، وحجب الجديدان أقرانه، ونزل المشيب بعذاره، وضعفت منة أوطاره، وانقض باز على غراب شبابه فقنصه، وأكب نهار الحلم على ليل الجهل فوقصه، وتبدلت محاسنه عند أحبابه مساوي وخصصه، واستعاض من حلة الشباب القشيب، خلق الكبر والمشيب:

وشباب بان مني وانقضى

 

قبل أن أقضي منه أربي

ما أرجى بعده إلا الـفـن

 

ضيق الشيب علي مطلبي

ولقد ندب المملوك أيام الشباب بهذه الأبيات، وما أقل غناء الباكي على من عد في الرفات:

تنكر لي مذ شبت دهري وأصبحت

 

معارفه عندي من الـنـكـرات

إذا ذكرتها النفس حنت صـبـابةً

 

وجادت شؤون العين بالعـبـرات

إلى أن أتى دهر يحسن ما مضى

 

ويوسعني تـذكـاره حـسـرات

فكيف ولم يبق من كاس مشربـي

 

سوى جرع في قعـره كـدرات

وكل إناء صفـوه فـي ابـتـدائه

 

وفي القعر مزجاً حمـأةٍ وقـذاة

والمملوك يتيقن أنه لا ينفق هذا الهذر الذي مضى، إلا النظر إليه بعين الرضا، ولرأي المولى الوزير الصاحب، كهف الورى في المشارق والمغارب، فيما يلاحظه منه بعادة مجده، مزيد مناقب ومراتب، والسلام.
ولقد طالت هذه الترجمة بسبب طول الرسالة، ولم يمكن قطعها.

وقال صاحبنا الكمال بن الشعار الموصلي في كتاب ” عقود الجمان “: أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي صاحب ” تاريخ بغداد ” قال: أنشدني ياقوت المذكور لنفسه في غلامٍ تركي قد رمدت عينه وعليها وقاية سوداء:

ومولدٍ للترك تحسب وجهـه

 

بدراً يضيء سناه بالإشـراق

أرخى على عينيه فضل وقاية

 

ليرد فتنتها عن الـعـشـاق

تالله لو أن السوابغ دونـهـا

 

نفذت فهل لوقايةٍ مـن واق

 وكانت ولادة ياقوت المذكور في سنة أربع أو خمس وسبعين وخمسمائة، ببلاد الروم، هكذا قاله. وتوفي يوم الأحد العشرين من شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة، في الخان بظاهر مدينة حلب، حسبما قدمنا ذكره في أول الترجمة، رحمه الله تعالى.

وكان قد وقف كتبه على مسجد الزيدي الذي بدرب دينار ببغداد، وسلمها إلى الشيخ عز الدين أبي الحسن علي بن الأثير صاحب التاريخ الكبير، فحملها إلى هناك. ولما تميز ياقوت المذكور واشتهر سمى نفسه ” يعقوب “.

وقدمت حلب للاشتغال بها في مستهل ذي القعدة سنة وفاته، ذلك عقيب موته والناس يثنون عليه ويذكرون فضله وأدبه. ولم يقد لي الاجتماع به)).

المراجع: وفيات الأعيان لابن خلكان