نبيهة ناصر

نبيهة ناصر
( 1890- 1951)

أسست المربية السيدة نبيهة ناصر سنة 1924 مدرسة للإناث في بير زيت، تحولت مع الزمن إلى جامعة كبرى. وهناك الكثيرات اللواتي أسسن مدارس وتفوقن في حقل التعليم، غير أن نبيهة ناصر كانت امرأة متميزة في شخصيتها الفذة، في إشرافها الدقيق على كل صغيرة وكبيرة، في التوازن لديها ما بين الإيمان والعقل والوجدان، وما بين الأهداف العليا والعمل اليومي.

في ذلك الزمن البعيد كانت من أول من أدخل مادة الموسيقى إلى منهاج مدرستها، وكانت من أول من أدخل النشاطات اللامنهجية كالتعلم الذاتي والمطالعة الخارجية. ولا تعرف أهمية هذا المنحى إلا حين نتذكر طبيعة المرحلة الذي جاء منه الطلاب والطالبات إلى مدرسة بير زيت، وقد شرحت ذلك سامة ناصر حين قالت:

” كان يرتادها (المدرسة) طلاب من مختلف القرى المحيطة بمدينة رام الله كدورا القرع، جفنا وعين سينيا، ويثابرون على الحضور حتى في في أيام البرد القارس وثيابهم مبتلة متجشمين عناء السفر ومخاطره من أجل الحصول على مستوى تعليمي مميز”.

أما رائدة التعليم المميز بتطبيق النهج الحديث البعيد كل البعد عن التلقي، والقائم على تنمية شخصية الطلاب بحرية وثقة بالنفس، فهي قد تميزت أيضاً باهتمامها بأصغر الأمور والأعمال اليومية التي لم تكن تكتفي بالاشراف عليها، بل تقوم بها بنفسها، بينما كان ممكناً لها أن توكل الطالبات بها، وكما روت سامية ناصر أيضاً لنادية حمدان في أثناء جولة لهما على المبنى القديم، بعد نصف قرن من وفاة المربية القديرة:

” هذه هي الطاولة التي كانت عمتي تضع عليها أنواعاً شتى من القناديل والفوانيس لاستخدامها للإنارة، وكانت تقوم بتنظيفها وتعبئتها بالكاز بنفسها”.

يوم حضرت نبيهة ناصر المؤتمر النسائي الشرقي برئاسة الرائدة السيدة هدى شعراوي في دار جمعية الاتحاد النسائي العربي بالقاهرة، سنة 1938، ألقت خطاباً تحدثت فيه عن العروبة والوحدة، وقد ركزت على أهمية التربية والتعليم، ونفت نفياً قاطعاً أي فوارق دينية بين أفراد الأمة العربية، ولما توقفت إزاء فقدان الأقطار العربية لحريتها السياسية إلى حد يحول دون تحقيق الوحدة فيما بينها، حتى لو أرادت هذه الأقطار ذلك، عادت لتجد الحل في الوحدة الاقتصادية أولاً، قائلة إن الخطوة الممهدة الأولى هي في وضع “أساس الوحدة العامة بتشييد وحدة اقتصادية وثقافية بأسرع ما يمكننا من الزمن وبدون أن ننتظر نضوج الوحدة السياسية”.

أما الوجه النسائي والوطني للسيدة نبيهة ناصر، فهو وجه يومي وليس في المناسبات، فهي يوم كان يحتاجها طالب أو طالبة أو اي إنسان، كان يجدها دوماً تلك الصديقة المعطاءة الحنون، ويوم كانت تقوم في البلاد ثورة، كانت دائماً بير زيت من معاقلها، ومؤسسة “مدرسة بير زيت” في المقدمة، وكانت هي الأستاذة المربية العاملة بنشاط وأدب دون انقطاع، وهي التي يردد عنها طلابها دوماً قولها: “لولا أن لجسمي حقاً علي في إراحته لما ارتحت”. وهي التي يتحدث كل من يعرفها عن إيمانها المطلق بالعدالة والمساواة والأمانة والصدق والعروبة.

لم تتخرج نبيهة ناصر من جامعة ما، لكنها تخرجت من جامعة الحياة، درست بداية في مدرسة بيت لحم الثانوية، واطلعت على علوم الطبيعيات على يد أستاذ بريطاني في أثناء إقامتها في الخرطوم للعمل هناك، وكما وصفتها تلميذتها وابنة أخيها ريما ناصر:

“إن مدرسة الحياة الزاخرة بالتجربة والمعرفة شكلت بالنسبة لعمتي أعظم مدرسة، تخرجت منهما بثورة هائلة من الثقة بالنفس، المقدرة على إدارة دفة الأمور، الوعي السياسي والكفاح العملي.

“…. ليس من قبيل المبالغة عندما أقول أنه بالرغم من كافة المعوقات التي كانت تقف كالصخرة المنيعة الصامدة أمام العمة، إلا أنها تبقى نشيطة، بشوشة، مدبرة، معطاءة، وتحاول دائماً إيجاد الحلول والتسهيلات التي يواجهها في إدارة مدرستها وسط هذه البيئة الريفية الفقيرة”.