مظاهر " العولمة " في رأس بيروت

مظاهر ” العولمة ” في رأس بيروت

اعداد : ريا جبارة – هبة عريس

الانترناشونال كولدج , بيروت

الصف : الثالث الثانوي – فرع الاجتماع والاقتصاد (ESF)

المادّة : اللغة العربية وآدابها
النّوع : مقالة موسّعة

العولمة ظاهرة سياسية ، إيديولوجية ، إقتصادية ، وثقافية . شاع هذا المصطلح بعد انتهاء الحرب الباردة وانتصار الرأسمالية على الشيوعية أوائل تسعينات القرن الماضي . العولمة هي العملية التي يتمّ فيها تحويل الظواهر المحليّة والإقليمية إلى ظواهر عالمية . ويمكن في المقابل توصيف العولمة على أنها ظاهرة يتمّ من خلالها تعزيز الروابط بين شعوب العالم لكي تتضافر جهودهم نحو الأفضل . وبشكل عام تعني العولمة تكثيف المجال العالمي وتحويله إلى قرية كونية صغيرة من خلال تسهيل عمليات الانتقال للسلع والأموال والأشخاص والأفكار والأعراف السلوكية بين مختلف الدول ، بما يؤمّن توحيد العالم . وهذا هو المفهوم النظري للعولمة .

أما في مجال التطبيق ، فيرى كثيرون انها أصبحت قدراً مفروضاً على العالم ، ترعاها القوة المهيمنة التي تعمل على إعادة برمجة النظام العالمي بما يخدم مصالحها . وعلى الرغم من انتشار مفهوم العولمة ، فإن العالم يفتقر إلى وجود وعي عالمي ؛ أي إدراك الأفراد لهويتهم الكونية أكثر من الهويات المحلية . لا زالت الهويات المحلية – في الواقع- تتصارع مع تلك الهوية العالمية التي تهيمن عليها القوى الكبرى إقتصادياً ، ونموذجاً حياتيّاً . ويرى بعض الباحثين أن الإشكالية في العلاقة بين العالمي والمحلّي تتفاقم حين تحاول القوى العالمية الكبرى أن تعطي الطابع العالمي لما هو محلّي لديها من أجل تحقيق مصالحها الخاصة .

تظهر العولمة أينما كان في العالم ، ولكن سوف نركّز في هذا البحث القصير على منطقة رأس بيروت بلبنان ؛ هذه المنطقة التي تقع غربي بيروت القديمة قبالة الشاطئ وجزء منها يشبه الرأسَ ويدخل البحر . إذا تشمل منطقة رأس بيروت المساحة الممتدّة من كلية الحقوق شرقاً إلى البحر غرباً ، ومن شارع بلس إلى منطقة فردان صعوداً ، أي بما يوازي في الإجمال ثلث مساحة بيروت الإدارية . كانت منطقة مقفرة ولكنّها تطوّرت بعد بناء الكلية الإنجيلية عام 1856م وهي الجامعة الأميركية اليوم .

كيف تظهر العولمة في رأس بيروت ؟ وما مظاهرها ؟ وما تأثيراتها السلبية والإيجابية ؟

هدفت العولمة إلى إزالة الحدود التي تعرقل التجارة بين الدول سعياً وراء زيادة معدّلات الرخاء الاقتصادي . وأسهمت التكنولوجيا في تسهيل نشر العولمة ، فقلّت تكاليف التجارة وقلّت الحواجز بين الدول . وتظهر للعولمة عدّة آثار على المستويين الاجتماعي والثقافي في العالم كلّه ، وفي لبنان فقد استقطبت منطقة رأس بيروت أهم المدارس والجامعات : ” الانترناشونال كولدج ، الجامعة الأمركية ، ACS وغيرها … فأصبح هناك اندماج ثقافي باستعارة الثقافة اللبنانية العديد من العناصر الجديدة من الثقافات الأخرى ؛ الأميركية منها خصوصاً .

أما المستويات الأخرى للعولمة والتي تظهر في رأس بيروت فهي تتلخّص بالآتي :

أ- المستوى المالي من خلال استعمال السكان للعملات الأجنبية ، والإدّخار في البنوك بهذه العملات أيضاً . والمتسوق في منطقة رأس بيروت يستطيع الدفع – مثلاً – بالدولار الأميركي بسهولة مطلقة ، وقد لا نجد هذا الأمر شائعاً في بلدان أخرى .

ب- المستوى الثقافي من خلال استعمال السكان للغات الأجنبية ( الانجليزية والفرنسية ) ، ونلاحظ أحياناً تداخلاً بين هاتين اللغتين واللغة العربية ، فتسمع اللبناني يقول : ” Hi ، كيفك؟ ca va? ” . وتجدر الإشارة أن اللغة المميزة لأي مجتمع من المجتمعات أصبحت في إطار العولمة ، لغة ثانوية بالمقارنة مع اللغة ” الخارقة ” والعابرة للحدود : اللغة الإنجليزية .

ج- المستوى المعلوماتي من خلال ازدياد الطلب على تكنولوجيا الاتصالات ، ويكاد لا يخلو بيت من بيوت رأس بيروت من ” الانترنت ” هذا بالإضافة إلى المقاهي التي تقدم خدمات مشابهة وتستقطب عدداً كبيراً من سكّان المنطقة .

د- المستوى الاجتماعي من خلال الانجذاب إلى العادات والأزياء الغربية ، وتظهر هذه النزعة من خلال الملابس التي تكون أحياناً رافضة للتقاليد والأعراف كما هو الحال في ملابس : ” الفونكي ، الستريب ، وجنجسترز … ” .

كانت منطقة رأس بيروت في الماضي هادئة ، وكان سكانها يعيشون في بيوت صغيرة مرتفعة سقوفها . يعتاشون من محاصيل بساتينهم الزراعية الواقعة خلف منازلهم . لم تتطوّر منطقة رأس بيروت إلا بعد بناء الكلية الإنجيلية عام 1865م وبعدها مستشفى الجامعة الأميركية ومدارس الإرساليات التي أشرنا إليها سابقاً . هذا بالإضافة إلى عدد كبير من البنوك الأجنبية التي ساهمت في تنشيط الدورة الاقتصادية في المنطقة . أما أبرز ملامح العولمة الواضحة في رأس بيروت فتتمثّل بانتشار المحلات التجارية الكبرى ك : ” Monoprix ” وهي شركة أجنبية كبرى استثمرت في لبنان واستقطبت عدداً كبيراً من المستهلكين مّما أدى إلى انخفاض أرباح المحال الصغيرة التي يورثها الأب للإبن . كما استقطبت رأس بيروت الكثير من الشركات المتعددة الجنسيات ، والمعروفة عالمياً .

وأهم ما نجده في منطقة رأس بيروت المطاعم الأجنبية ك : ” ماكدونالدز ، برغر كينغ ، هارديز ، ستاربكس وغيرها .. ” . وكان لانتشار هذه المطاعم تأثير كبير على المطاعم التقليدية الموجودة في المنطقة ؛ والتي بدأت تفقد دورها مع مرور الأيام وابتعاد الجيل الشاب عنها .

للعولمة نتائج إيجابية وأخرى سلبية . النتائج الايجابية كما يراها المؤيدون للعولمة في رأس بيروت تتلخّص في أنها تسمح بحدوث تطوّر هائل في التكنولوجيا وتدفّق المعلومات ، بالإضافة إلى تدفّق رؤوس الأموال وفتح الأسواق على العالم وتضاعف حجم المبادلات التجارية وتطوّر القطاعات الانتاجية وتحقيق التنمية الاقتصادية . ويرى هؤلاء أن العولمة تعزز القيم العالمية المشتركة كالديموقراطية ، الحرية واحترام حقوق الإنسان . ويرون أن هذه القيم تؤدي إلى تقريب مستويات العيش وصولاً إلى التكامل الإيجابي .

أما معارضو العولمة فيرون أنها تؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء ، ويدعمون هذا الطرح من خلال اختلاف الأبنية بين فخمة ومتواضعة في منطقة رأس بيروت . بالإضافة إلى الفرز الاجتماعي الذي تسببه العولمة ؛ فأبناء المنطقة باتوا عاجزين عن تأمين منازل لأبنائهم ما يدفع بهم إلى النزوح إلى مناطق أخرى أقل رفاهية و” عولمة ” ! ولا يخفي معارضو العولمة تذمّرهم من العادات الغريبة التي تنتشر في منطقتهم والتي لم يألفوها سابقاً .

إذا يدعو مؤيدو العولمة إلى التعامل معها دون قلق أو خوف ، لأنها ستساند الدول الفقيرة ، وستخلق فرص عمل جديدة ، وتعمّم سياسات الإنفتاح . ويرى المتأثرون بهذه الدعوة أن هناك ضرورة للحاق بما تفرضه العولمة على المستويات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية ، حتى لا نبقى خارج العصر أو يسبقنا قطار التقدّم . أما المعترضون على ظاهرة العولمة والمشككون في فوائدها المزعومة ، فيتسلّحون بنتائج العولمة السلبية على الشعوب إقتصادياً وثقافياً .

في المحصّلة ، واستناداً إلى ما سبق ، تتمتّع العولمة بإيجابيات عديدة تقرّب شعوب العالم بعضهم من بعض خصوصاً في مجال نشر القيم الإنسانية الشاملة كحقوق الإنسان ، مفهوم العدالة الإجتماعية ، الحرية ، المساواة وغيرها … إلخ . ولكن على اللبنانيين عموماً وأهل رأس بيروت خصوصاً أن لا ينسوا عاداتهم وتقاليدهم التي تميّزهم عن باقي البلدان . وأن يميّزوا بين المفيد والمضرّ ، فيأخذوا المفيد لهم ويهملون المسيء إليهم .

قيل : ” إنّ حرية الفرد تقف عند حدود حرية الآخر ” .

وللعولمة الإيجابية حدود لا تتخطّاها وإلاّ انقلبت وبالاً علينا وأفقدتنا تراثنا وقيمنا ، فنتراجع ونتقهقر بدل أن نتقدّم ونتطوّر .
فهل ستغيّر العولمة وجه رأس بيروت بالكامل في المستقبل ؟