محمية أرز الباروك

محمية أرز الباروك

بقلم فيصل ماضي

الانترناشونال كولدج , بيروت

الصّف التّاسع 4th A

إنّها غابات لبنان الخضراء الّتي تذوب كالشّمعة الحزينة يوماً بعد يومٍ، تبتلعها الحرائق، ويقتلعها الانسان، وتنهشها المصانع، فينسى الانسان أنّ مستقبل أولاده مرتبطٌ بشكلٍ مباشرٍ بتلك الأشجار.

توقّف الباص أمام منطقةٍ خضراء داخل أراضي الشّوف. إنّها محميّة أرز الباروك في عقر دار لبنان، تشكّل عاموده الفقري وسط الشّوف العتيق. يا لجمال هذا المنظر! ورغم أنّنا في تشرين الثّاني إلّا أنّ الدّنيا الخضراء رفضت بعزمها الخضوع والاستسلام لجبروت الخريف، فانتصبت الأشجار، ورأسها مرتفعٌ لا ينحني إلّا للرّب. 

حطّت قدماي على أرض المحميّة الخضراء. وكأنّني غرست قلبي في ترابها الصّامد. تنشّقت ذاك الهواء المتوسّطيّ الرّطب، فاخترقتني رائحة التّراب الغالي، وشممت رائحة فخر الدّين، وجبران خليل جبران، وكلّ من مات عاشقاً للبنان ودفن تحت هذا التّراب المقدّس. تلمّست ذاك التّراب، فوجدته ناعماً كالحرير، أمّا لونه فكان يميل إلى الاحمرار، إذاً هو الّذي يُدفّئ تلك الأشجار الباسقة والحيوانات الصّامدة في الشّتاء القارس. 

مشينا حتّى وصلنا إلى نهرٍ عميق، لولا الأسماك لظننّاه مسلكاً بسبب لونه الشّفاف ومياهه العذبة. اقتربنا من النّهر، وسمعنا تدفّق المياه، فكأنّ المياه تتدفّق إلى الجنّة كي يشرب منها كلّ من تمنّى يوماً تذوّقها. تلك مياهٌ تنبع من جوف أرض الوطن لتنعش روح من يشرب منها. 

لم نكد نخطو نحو المسلك الرّئيسيّ حتّى ظهر أمامنا الذّئب الأسمر المفترس، ومن ورائه أفراد عائلته الكبيرة، هم يتواصلون، فأخذ الدّبّ الكبير يناديهم وكأنّه يأمرهم بالّلحاق به. نظرَت إلينا وكأنّنا غرباء الغابة، وبالفعل، كنّا غرباء داخل وطننا. بعد ذلك، جاء الصّقر المحلّق كطائر الفينيق في اسوداد الظّلام، ثمّ اخترق الهواء بعزمه كأنّه يواجه مصاعب الدّنيا كي يؤمّن الطّعام لأولاده حتّى يعيشوا براحة واطمئنان. هبط الصّقر على الأرض، وتأمّلنا كأنّنا مخلوقات غريبة، ثمّ أكمل سيره بعد ثوانٍ. أمّا الحشرات المتراكضة تحت أرجلنا في باطن الأرض فتتسارع وكأنّ كلّ دقيقة هي آخر دقيقة من حياتها. يا لجمال هذه الحشرات! ويا لروعة التّنوّع البيولوجي! خذ وتعلّم أيّها الانسان الجشع! 

أمّا الأشجار فمن أين البداية ومن أين النّهاية؟! أشجار باسقة رفضت الرّكوع أمام الخريف الطّاغي، فبقي رأسها شامخاً نحو السّماء. لونها الأخضر رفض الاصفرار فقال للخريف: ” لن تنال منّي، وسأبقى صامدة ، لن تنال منّي أيّها الخريف”. أغصانها المتنوّعة يداها ممدودتان كامتداد يدين عظيمتين تدعوان الله أن يحميها من هذا الانسان الشّرّير. أمّا الجذور فهي مغروسة في الأرض لا تستطيع أن تقتلعها إلّا شراسة شيطان لا يعرف الرّحمة. إنّها الأشجار زينة حياة الانسان ومصدر حياةٍ وقوّةٍ وعزم. 

انتهت النّزهة في الطّبيعة، فخرجنا من تلك الغابة. وحين تلفّتّ يميناً وشمالاً، رأيت جبلاً يشبه صخرةً كبيرةً أسقطتها يد الشّيطان على رؤوس النّاس بسبب تشوّهه، بعدما قصّه الانسان وجعل منه حجاراً وبيوتاً، فعاش هو بعزٍّ ونسي أنّ هناك أجيالاً مهدّدة من الطّبيعة اللاطبيعيّة.

حافظ أيّها الانسان على الطّبيعة، ولا ترم المسؤوليّة على سواك. تحمّل المسؤوليّة كي يعيش أولادك بخيرٍ وسلام.