محمد عبده

الشيخ محمد عبده
1849- 1905 م

هو الشيخ محمد عبده. عاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقضى حياته في مصر، إلاّ سنوات النفي التي بلغت ست سنوات. أما سنوات نفيه، فقد صرف أكثرها في بيروت وبعضها في باريس ولندن. ومعنى هذا أنّ محمد عبده كان يعيش في جوٍّ عرف الآراء الغربية والأفكار الحديثة وتمتع ببعض آثارها. وبالتّالي لم يكن باستطاعته أن ينكرها أو ينفر منها أو يبتعد عنها.

كانت شخصية محمد عبده نتيجة تفاعل كبير بين تعليمٍ تقليديٍّ تلقاه في بيئته ثم في الأزهر، وتأثّر بالسيد جمال الدين الأفغاني، وبالإنفتاح على الفكر الغربي، خاصة في الفلسفة والتشريع.

تعلّم القراءة والكتابة في منزل والده، ثم انتقل إلى دار لحفظ القرآن. بعد ذلك جلس في دروس العلم وبدأ بتلقي شرح الكفراوي على الأجرومية في المسجد الحمديّ بِطَنطا. وقضى سنة ونصف لا يفهم شيئا لرداءة طريقة التعليم، فهرب من الدروس حتى عثر عليه أخاه وأخذه إلى المسجد الأحمدي وأراد إكراهه على طلب العلم، فأبى. لكن محمد عبده عاد إلى طلب العلم بتأثير أحد أخواله الشيخ درويش، وانتقل من المسجد الأحمدي إلى الأزهر ونال الشّهادة العالمية منه.

والمناصب التي شغلها محمد عبده متعدّدة متنّوعة. فمن العمل في تحرير “الوقائع المصرية” إلى التدريس في دار العلوم في مدارس بيروت الخاصة والرّسمية، إلى القضاء وعضوية مجلس شورى القوانين، إلى إفتاء الديار المصرية. والمنصب الذي كان يحبه وحُرِمَ منه لأسبابٍ متعددةٍ هو مشيخة الأزهر. وهو بحكم منصبه كان يفتي كثيرًا، وله تفسير للقرآن الكريم بدأه ولم يتمّه. وقد سار فيه بعده السيد رشيد رضا، وسُمّي “تفسير المنار”. وهذا التّفسير كان يقوم به تدريسًا قبل أن يبدأ بوضعه مؤلفًا.

عمل عبده في الحقل السياسي، وتأرجحت أعماله بعض الشيء. لكن أبقى آثاره كان في مجلس الشورى الذي عُيِّن فيه سنة 1899. وكان بين أهل الحل والعقد في الحكومة وبين رجال مجلس الشّورى شيء أشبه بالخلاف في الرّأي أدّى إلى أن الحكومة نفذت كثيرًا من المشروعات التي كان المجلس يُخالفها أساساً، وصرفت النظر عن كل أوجه التعديل في المشروعات التي كان يرى أن الصلاح والنّفع للأمة في تعديلها.

لم ينجح الشيخ في إصلاح الأزهر، ولكن الخطط التي وضعها هي التي اتُّبِعَت بعد وفاته بسنواتٍ للنهوض بالأزهر.

لم يكن الشيخ محمد عبده يدعو إلى الاصلاح نظريًا من طريق التأليف أو الخطب والمقالات فقط، بل كان يحاول دائمًا أن يُحِّول إصلاحه إلى عملٍ وينغمس في الحياة الواقعية ليتمكّن من تنفيذ برامجه. وكان يأخذ الأمور بالروية ويترفع عن إيذاء الناس مهما أذوه، حتى إن الأفغاني قال فيه يوما: “أيُّ ملاكٍ أنتَ!”