مثل النجار المخدوع وحميه

مثل النجار المخدوع وحميه

قال الوزير: زعموا أن نجاراً كان له امرأة يحبها، وكان قد بلغه عنها أنه إذا غاب يأتيها أبوها فتفتح له بمفتاح مغشوش خزانة زوجها فيأخذ من صندوقه ما شاء من المال. فأحب أن يتيقّن ذلك فقال لامرأته: إني أريد الذهاب إلى قرية منا على فراسخ لبغض أعمال الإمارة، وأنا ماكث هناك أياماً فأعدي لي زاداً. ففرحت المرأة بذلك وهيّأت له زاداً. فلما أمسى قال لها: استوثقي من باب دارك واحتفظي ببيتك حتى أرجع إليك بعد أيام. وخرج وهي تنظر حتى جاوز الباب. ثم عطف وعاد إلى البيت من باب آخر ودخل الخزانة فاختفى تحت سرير زوجته. وأرسلت المرأة إلى أبيها أن ائتنا فقد انطلق النجار في حاجة سيغيب فيها أياماً. فأتاها أبوها فأطعمته وسقته وفتحت له صندوق زوجها فأخذ ما بدا له، وبقيا في حديثهما إلى منتصف الليل. فغلب النعاس على النجار فنام وخرجت رجلاه من تحت السرير، فرأتهما امرأته فأيقنت بالشر فسارّت أباها أن ارفع صوتك فسلني: أنا أحب إليك أم زوجك؟ ففعل أبوها كما قالت وردّت عليك: “يا أبت ما يضرّك إلى هذه المسألة؟ ألست تعلم أنا معشر النساء يوم ندخل بيت زوجنا نفضله على كل من سواه حتى الأخ والوالد؟ فلحى الله امرأة لا يكون زوجها عندها كعدل نفسها، فلا سمعتك تذكره مرة أخرى”. فسمع النجار لهذه المقالة من امرأته ورقّ لها وأخذته العبرة والرحمة لها ووثق منها بالمودة، فلم يبرح مكانه كراهة أن يؤذيها، ولم يزل هناك حتى أصبح وعلم أن حماه قد خرج فخرج من تحت السرير، فوجد امرأته نائمة فقعد عند رأسها يذبّ عنها حتى إذا انتبهت قال لها: سرني جوابك لأبيك، ولولا كراهة ما يسوؤك لكان بيني وبينك صخب وأمر شديد.
وإنما ضربت لك هذا المثل إرادة ألا تكون كذلك النجار والمكذّب بصره المصدّق بما سمع من امرأته. فلا تصدقوا الغراب بمقالته واذكروا أن كثيراً من العدو لا لا يستطيع ضرّ عدوه بالمباعدة حتى يلتمسه بالمقاربة والمماسحة. وإني لم أخف الغربان قط خوفهم منذ رأيت هذا الغراب وسمعت مقالتكم فيه.

فلم يلتفت ملك البوم وسائر وزرائه إلى كلامه وأمر ملك البوم بالغراب أن يُحمل إلى مكانهن ويوصى به خيراً ويكرم.

فقال الوزير الذي كان يشير بقتله: “إذا لم يقتل هذا الغراب فلتكن منزلته على ذلك منزلة العدو المخوف شره، المحترس منه. فإن الغراب ذو إرب ومكايد ولا أراه لجأ إلى هاهنا إلا لما يصلح له ويفسدنا”. فلم يرفع الملك بقوله رأساً ولم يمنعه من إكرام الغراب والإحسان إليه، وجعل الغراب يكلمه إذا دخل عليه بألطف ما يجد ويكلم البوم إذا خلا بهنّ كلاماً يزددن في كل يوم به ثقة، وإليه استرسالاً وبه أنساً وله تصديقاً. ثم إنه قال يوماً وعنده جماعة من البوم فيهن الوزير الذي كان يشير بقتله: “ليبلّغنّ عني بعضكم الملك بأن الغربان وترتني وترةً عظيمة بما فضحتني وعذبتني، وأنه لا يستريح قلبي أبداً حتى أدرك منهم بغيتي، وإني قد نظرت في الأمر فلم أجدني أستطيع ذلك وأنا غراب. وقد بلغني عن بعض أهل العلم أنهم قالوا: من طابت نفسه عن نفسه فأحرقها بالنار إنما يقرّب إلى الله قرباناً عظيماً ولا يدعو عند ذلك بدعوة إلى استجيبت له. فإن رأى ا لملك أن يأمرني فأحرق لأدعو ربي أن يحولني يومياً لأنتقم من عدوي وأشفي غليلي إذا تحوّلت في خلق البوم”.

قال الوزير الذي كان يشير بقتله: “ما أشبّهك با غراب في حسن ما تبدي وسوء ما تخفي إلا بالخمر الطيبة الريح، الحسنة اللون المنقع فيها السم. أرأيت لو أحرقناك بالنار كان جوهرك وطباعك يحرقان معا؟ أليس تدور حيث ما درت فتصير إلى أصلك وطباعك كالفأرة التي وجدت من الأزواج الشمس والسحاب والريح والجبل، وتركت ذلك كله وتزوجت جرذاً”.

قيل له: وكيف كان ذلك؟