مثل الناسك والعريض واللصوص

مثل الناسك والعريض واللصوص

قال: زعموا أن ناسكاً اشترى عريضاً ضخماً سميناً ليجلعه قرباناً، فانطلق به يقوده فبصر به نفر مكرة فائتمروا ليخدعنوه، فعرض له أحدهم فقال: أيها الناسك ما هذا الكلب الذي معك؟ ثم عرض له آخر فقال: أيها الناسك أظنك تريد الصيد بهذا الكلب. ثم عرض له ثالث فقال: إن هذا الرجل الذي عليه لباس الناسك ليس بناسك. فإن الناسك لا يقود كلباً. فقال الناسك: لعل الذي باعني سحر عينيّ. فخلّى العريض وتركه فأخذه النفر واقتسموه بينهم.

وإنما ضربت لك هذا المثل لما رجوت أن نصيب من حاجتنا بالمكر. فأنا أرى أن يغضب الملك عليّ فيأمر بي على رؤوس جنده فأضرب وأنقر حتى أتخضّب بالدماء، ثم ينتف ريشي وذنبي ثم أطرح في اصل الشجرة التي نحن عليها، ويرتحل الملك وجنوده إلى مكان كذا وكذا، حتى أمكر مكري وأحتال على البومة بحيلة يكون فيها هلاكهن. ثم آتي الأمر على علم وأطلعك على أحوالهن فننال غرضنا منهن إن شاء الله.

ففعل ذلك وارتحل مع غربانه إلى المكان الذي وُصف له. ثم إن البوم جاءت من ليلتها فلم تجد الغربان ولم تفطن للغراب في أصل الشجرة. فأشفق أن ينصرفن من قبل أن يروه فيكون تعذيبه نفسه باطلاً، فجعل يئنّ ويهمس حتى سمعته بعض البوم. فلما رأينه أخبرن به ملكهن فعمد نحوه في بومات ليسأله عن الغربان. فلما دنا منه أمر بومة أن تسأله من هو وأين الغربان؟

قال الغراب: أنا فلان ابن فلان، وأما ما سألتني عنه في أمر الغربان فلا أحسبكن ترينني في حال من لا يعلم الأسرار.

قال ملك البوم: هذا وزير ملك الغربان، وصاحب رأيه، فاسألوه بأي ذنب صنع به ما صنع؟

قال الغربان: سفّهوا رأيي وصنعوا فيّ هذا.

قال الملك: وما هذا السفه؟
قال الغراب: إنه لما كان من إيقاعكنّ بنا ما كان، استشارنا ملكنا فقال: أيها الغربان ما ترون؟ وكنت من الأمر بمكان فقلت: “أرى أنه لا طاقة لكم لقتال البوم فإنهن أشد بطشاً منكم وأجرأ قلوباً، ولكن الرأي لكم أمران: نلتمس الصلح ونعرض الفدية. فإن قبلن ذلك منكم وإلا هربتم في البلاد. وأخبرت الغربان أن قتالهم إياكن خير لكن وشرّ لهم، وأن الصلح أفضل ما هم مصيبون منكنّ وأمرتهم بالخضوع. وضربت لهم مثلاً في ذلك فقلت: إن العدو الشديد لا يرد بأسه وغضبه مثل الخضوع له. ألا ترون الحشيش إنما يسلم من الريح العاصفة بلينه وانثنائه حيث مالت. فغضبوا من قولي وزعموا أنهم يريدون القتال واتهموني وقالوا: إنك قد ملأت البوم علينا. وردّوا رأيي ونصيحتي وعذّبوني هذا العذاب”.

فلما سمع ملك البوم ما قال الغراب قال لأحد وزرائه: ما ترى في هذا الغراب. قال: “ليس لك في أمره نظرٌ إلا المعالجة بالقتل. فإن هذا من أعز أصحاب ملك الغربان وأقرب إليه محلاً وأفضل عنده رأياً وأشد منه خداعاً، وفي قتله لنا فتح عظيم وراحة لنا من رأيه ومكيدته، وفقده على الغربان شديد. وكان يقال: من استمكن من الأمر الجسيم فأضاعه لم يقدر عليه ثانية، ومن التمس فرصة العمل فأمكنته فأغفل عمله فاته الأمر ولم تعد إليه الفرصة. ومن وجد عدوّه ضعيفاً معوزاً فلم يسترح منه أصابته الندامة حين يبغي العدوّ ويستعد فلا يقوى عليه”.

قال الملك لآخر من وزرائه: ما ترى في هذا الغراب. قال: “أرى ألا تقتله. فإن العدو الذليل الذي لا شوكة له أهل أن يرحم ويستبقى ويصفح عنه. والمستجير الخائف أهل أن يؤمّن ويجار مع أن الرجل ربما عطفه على عدوّه الأمر اليسير، كالسارق الذي عطف على التاجر امرأته بأمر لم يتعمّده”.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟