مثل القملة والبرغوت

مثل القملة والبرغوت

قال دمنة: زعموا أن قملة لزمت فراش رجل من الأشراف زماناً وكانت تصيب من دمه وهو نائم وتدب عليه دبيباً رفيقاً، وإن برغوتاً ضافها ذات ليلة في فراش ذلك الشريف فلذعه لذعة أيقظته. فأمر الرجل بفراشه فنُظر فيه فطفر البرغوت فذهب وأخذت القملة ففصعت.

وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن صاحب السوءات لا يسلم من شره. وإن ضعف عن ذلك بنفسه جاءت المعاريض بسببه. فإن كنت لا تخاف الثور خفت عليك مع أني قد أعرف أن لا بدّ له من مناظرتك، وأنه لا يكل أمره إلى غير نفسه.

فوقع في نفس الأسد قول دمنة وقال له: ماذا تأمرني به؟
قال دمنة: إن الضرس المكسور المأكول لا يزال صاحبه منه في أذىً وألم حتى يفارقه، والطعام الذي غثت النفس عنه وقلقت منه فالراحة في قذفه، والعدو المخوف داؤه فقده.

قال الأسد: قد تركتني وأنا أكره مجاورة شتربة إياي. وإني مرسل إليه فذاكرٌ له ما وقع في نفسي من أمره ثم آمره بالانصراف حيث أحب.

فكره دمنة ذلك وعرف أنه إن كلم الأسد والثور وسمع منه جوابه وعذره عرف كذبه ولم يخف عليه أمره.

فقال دمنة للأسد: أما إرسالك إلى الثور ومذاكرتك إياه ما كان من ذنبه فلا أراه حزما. فانظر أيها الملك في ذلك. فإنه لا يزال لك من أمرك الخيار ما لم تكشف ما وقع في نفسك منه، لأني أخاف إن كشفت له ذلك أن يعالجك بالمكابرة. فإن قاتلك قاتلك مستعداً، وإن فارقك له عليك فصل في الغدر، مع أن أهل الحزم من الملوك لا يعلنون عقوبة من لم يعلن ذنبه ولكن لكل ذنب عقوبة. فلذنب السر عقوبة السر ولذنب العلانية عقوبة العلانية.

قال الأسد: إن الملك إذا عاقب أحداً أو أهانه على ظنة يظنها وعلى غير استيقان بجرمه فنفسه عاقب وإياها أهان.

قال دمنة: أما إذا كان هذا فلا يدخلن عليك إلا وأنت مستعد، ولا يصبن منك غرة فإني لا أحسبك لو نظرت إليه حين يدخل عليك إلا ستعرف أنه قد هم بعظيمة. ومن علامة ذلك أنك ترى لونه متغيراً وترى أوصاله ترعد وتراه يلتفت يميناً وشمالاً وترى قرنيه قد هيّأهما، فعل الذي يهم بالنطح.

قال الأسد: سأكون منه على حذر. وإن أنا رأيت منه هذه العلامات التي ذكرت وعلمت أن ليس في امره شك.

فلما فرغ دمنة من الأسد وعرف أنه قد أوقع في نفسه ما طلب، وأن الأسد سيحذر الثور ويتهيّأ له، أراد أن يأتي الثور فيعرفه بالأسد. ثم أحب أن يكون انطلاقه بأمر الأسد لئلا يبلغه من غيره فيتهمه. فقال للأسد: هل آتي الثور فأطلع عليه وأنظر ما حاله وأسمع من كلامه، ولعلي أتسقّط منه شيئاً أعلمك به. فإذن له الأسد في ذلك.

فانطلق دمنة حتى دخل على الثور شبيهاً بالمكتئب. فلما رآه الثور رحّب به وقال له: لم أرك منذ أيام فما حبسك؟ أسلام؟

قال دمنة: ومتى كمان من أهل السلام من لا يملك نفسه ومن كان أمره بيد غيره ممن لا يوثق به ولا ينفك على خوف وخطر فلا يأتي عليه ساعة إلا وهو خائف على نفسه ودمه.

قال الثور: وما الذي حدث؟

قال دمنة: حدث الذي قدّر. فمن ذا يغالب القدر؟

ومن ذا بلغ جسيماً فلم يبصر؟ ومن ذا اتبع الهوى فلم يعطب؟ ومن ذا جاور النساء فلم يفتن؟ ومن ذا طلب إلى الناس فلم يهن؟ ومن ذا واصل الأشرار فسلم؟ ومن ذا صحب السلطان فلم يغتب؟ ولقد أصاب القائل الذي قال: إنما مثل السلطان في قلة وفائه لمن صحبه وسخاء نفسه عن من فقد منهم كمثل صاحب فندق كلما ذهب واحد جاء آخر.

قال شتربة: أسمع كلاماً وأخاف أن يكون قد أرابك من الأسد ريب.

قال دمنة: لقد رابني منه ريب وليس ذلك لنفسي. قد علمت حقك علي وود ما بيني وبينك وما كنت جعلت لك من نفسي وذمتي أيام أرسلني إليك الأسد. ولا أجد بداً من حقك وإطلاعك على ما اطلعت عليه مما أخاف عليك.

قال شتربة: وما ذلك.

قال دمنة: أخبرني الصادق المؤتمن أن الأسد قال لبعض أصدقائه وأصحابه: لقد أعجبني سمن الثور وليس بي إليه حاجة ولا أراني إلا أن آكله وأطعم من لحمه. فلما بلغتني مقالته هذه عرفت كفره وسوء عهده وأقبلت إليك لأعلمك بذلك فأقضي الذي يجب لك عليّ، فتحتال رفقاً لأمرك.

فلما سمع شتربة كلام دمنة وتذكّر ما كان من دمنة لما جعل له من العهد والمثاق وفكّر في أمر الأسد ظن أن دمنة قد صدقه ونصح له.

فقال شتربة لدمنة: ما كان ينبغي للأسد أن يغدر بي وما أذنبت إليه ذنباً ولا إلى أحد من جنده ولكنه حمل عليّ بالكذب وشبّه عليه. فإن الأسد قد صحبه قوم سوء وجرت منهم أمور تصدّق عنده ما بلغه من غيرهم. وكذلك صحبة الأشرار ربما أورثت حزناّ كثيراً طويلاً وسوء ظنٍّ بالأخيار حتى تدعوه التجربة في ذلك إلى الخطإ كخطإ البطة التي رأت في الماء ضوء الكوكب فظنته سمكة فحاولت أن تصيدها. فلما حرمت ذلك مراراً عرفت أنه ليس بشيء. ثم جازت مسال الغدير في تلك الليلة فرأت في ذلك المكان سمكة فظنت أنها مثل التي قبلها فلم تصدها ولم تطلبها.

فإن كان الأسد بلغه عني شيء فصدق به فهلاّ جرّب واختبر فيجري عليّ ما اختبر من غيري. وإن كان لم يبلغه عني شيء فأراد بي سوءاً من غير علية فذلك العجب. وقد كان يقال إن من العجب أن تطلب رضا صاحبك وتشتهي رضاه فلا يرضى. وأعجب من ذلك أن تستتمّ رضاه ثم يسخط. وإذا كان السخط من غير علة انقطع الرجاء لأن العلة إذا كانت موجودة في ورودها كان الرضا مأمولاً في صدورها. وقد تذكرت فلا أعلم مما بيني وبين الأسد جرماً إن كان إلا صغيراً. فلعمري ما يستطيع أحد أطال صحبة صاحب أن يتحفظ في كل شيء ويحترس حتى لا تكون منه فارطة صغيرة ولا كبيرة يكرهها صاحبه. ولكن ذا العقل وذا الوفاء إذا سقط صاحبه وأذنب نظر في سقطته وذنبه بقدر مبلغ ما كان منه وخطره، أعمداً كان ذلك أم خطأ. وهل في الصفح عنه أمر يخاف ضرره وشينه أم لا. ثم لا يؤاخذ صاحبه بشيء يجد إلى الصفح عنه سبيلاً. فإن كان الأسد تعنت عليّ ذنباً فإني لا أعلمه. إلا أني ربما خالفت عليه في بعض رأيه نظراً مني ونصيحة، فعسى أن يكون أنزل ذلك مني على الجرأة عليه وعلى مخالفته إذ يقول “لا” فأقول “نعم” أو أن يقول “نعم” فأقول “لا”. ولست أجدني مخصوصاً في هذه المقالة لأني لم أخالفه في شيء من ذلك قط على رؤوس جنده ولا عند خاصته، ولكن كنت أخلو به فألتمس ما أكلمه من ذلك كلام القانت لربه الموقن له. وعرفت أنه من طلب الرخص من النصحاء عند المشاورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء في الشبهة أخط منافع الرأي وازداد في الرأي المريض وجعل الوزر في الدين.

فإن لم يكن هذا فعسى ذلك أن يكون من بعض سكرات السلطان. فإن من سكراته أن يرضى عن من استوجب السخط، ويسخط على من استوجب الرضا من غير سبب معلوم. وكذلك قالت العلماء: خاطر من لجج وأشد منه مخاطرة صاحب السلطان، فإن هو صحبه بالوفاء والاستقامة والمودّة والنصيحة فهو خليق لأن يعثر فلا ينتعش أو يعود وقد أشفى على الهلة إن انتعش.

وإن لم يكن هذا فلعل بعض ما أعطيته من الفضل جعل فيه هلاكي. وبعض المحاسن آفة لصاحبها. فإن الشجرة الحسنة ربما كان فسادها في طيب ثمرتها إذا تدلت أغصانها فتجذب حتى تكسر وتفسد، وإن الطاووس ربما صار ذنبه الذي هو حسنه وجماله وبالاً عليه. فإذا احتال إلى الخفة والنجاة ممن يطلبه شغله عن ذلك ذنبه، والفرس الجواد القوي ربما أهلكه ذلك فجُهد وأتعب واستعمل لما عنده من الفضل حتى يهلك. وكذا الرجل ذول الفضل، ربما كان فضله سبب هلاكه لكثرة من يحسده ويبغي عليه من أهل الشر. وأهل الشر أكثر من أهل الخير بكل مكان. فإذا عادوه وكثروا عليه أوشكوا أن يهلكوه.

فإن لم يكن هذا، فهو إذا القدر الذي يسلب الأسد شدته وقوته حتى يدخلوه القبر. وهو الذي يحمل الضعيف على ظهر الفيل. وهو الذي يسلط الحوّاء على الحية فينزع حمتها فيلعب بها كيف شاء. وهو الذي يعجز الأريب ويحزّم العاجز ويثبّط الشهم ويشهّم الثبط ويوسع على المقتر ويقتر على الموسر ويشجع الجبان ويجبن الشجاع عندما تعتريه المقادير من معاريض العلل.

قال دمنة: إن إرادة الأسد لما يريد بك ليست بشيء مما ذكرت من إغراء الأشرار ولا غير ذلك، ولكنه للغدر والفجور. فإنه جبار غدار أول طعامه حلاوة وآخره مرارة، بل أكثره سم مميت قاتل.

قال شتربة: صدقت، لعمري لقد طعمت طعاماً فاستلذذته فأراني قد انتهيت إلى الذي فيه الموت. وما كان لولا الجبر مقامي مع الأسد فهو آكل لحم وأنا آكل عشب. فقبحاً للحرص وقبحاً للأمل، فهما قذفاني في هذه الورطة واحتبساني عن مذهبي كاحتباس النحل فوق النيلوفر إذا وجدت ريحه واستلذت به وأغفلت منهاجها الذي ينبغي لها أن تطير فيه قبل انضمام النيلوفر فتلج فيه فتموت. ومن لم يرض بالكفاف من الدنيا وطمحت نفسه إلى الفضول والاستكثار، ولم ينظر في ما يتخوّف أمام كان كالذباب الذي ليس يرضى بالشجر والرياحين حتى يطلب المال الذي يسيل من أذن الفيل الهائج فيضربه الفيل بأذنيه فيقتله. ومن بذل نصيحته واجتهاده لمن لا يشكر له هو كمن بذر بذره في السباخ أو أشار على الميت أو سارّ الأصم.

قال دمنة: بأي شيء أحتال لنفسي إن أراد الأسد قتلي. فما أعرفني بأخلاق الأسد ورأيه فأعرفني بأنه لو لم يرد إلا الخير ثم أراد أصحابه بمكرهم وفجورهم هلاكي عنده لقدروا على ذلك. فإنه لو اجتمع المكرة الظلمة على البريء الصحيح كانوا خلقاء أن يهلكوه، وإن كانوا ضعفاء وكان قوياً، كما أهلك الذئب الغراب وابن آوى والجمل حين اجتمعوا عليه بالمكر والخِلابة.

قال دمنة: وكيف كان ذلك؟