مثل الذئب ووتر القوس

مثل الذئب ووتر القوس

قال الرجل: خرج رجل من القناصين غادياً بقوصه ونشّابه يبتغي الصيد والقنص، فلم يجاوز بعيداً حتى رمى ظبياً فصرعه واحتمله، ورجع به إلى أهله. فعرض له في طريقه خنزير فحمل خنزير فحمل الخنزير على الرجل حين نظر إليه. فوضع الرجل الظبي وأخذ قوسه، فرمى الخنزير رمية نفذت من وسطه. وأدرك الخنزير الرجل فضربه بنابه ضربة أطارت منه القوس والنشابة عن يده، ووقعا جميعاً ميّتين. فأتى عليهما ذئب جائع، فلما رأى الرجل والظبي والخنزير وثق بالخصب في نفسه فقال: ينبغي أن أذّخر ما استطعت، فأنا جاعل ما وجدت ذخراً وكنزاً، ومكتف يومي هذا بوتر القوس. ثم دنا من القوس ليأكل وترها. فلما قطع اوتر اضطربت القوس وانقلبت فأصابت المقتل من حلقه فمات.

وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلمي أن الحرص على الجمع وخيم العاقبة.

قالت المرأة: نِعم ما قلت، وعندنا من الأرزّ والسمسم ما فيه طعام لستة رهط أو سبعة، فأنا غادية على صنع الطعام، فادع من أحببت عند الغداء. فأصبحت المرأة وأخذت السمسم فقشرته ثم بسطته في الشمس ليجف، وقالت لزوجها: اطرد عن هذا السمسم الطير والكلاب. وذهبت المرأة لبعض شأنها وصنعتها، فغفل الرجل، فذهب كلب إلى ذلك السمسم فجعل يأكل منه. فبصرت به المرأة فقذّرته وكرهت أن تطعمه أحداً من زوارها، فانطلقت به إلى السوق فأبدلته بسمسم غير مقشور مثلاً بمثل. ففعلت ذلك وأنا في السوق أرى ما تصنع، فسمعت رجلاً يقول: لأمر ما أعطت هذه سمسماً مقشوراً بسمسم غير مقشور.

وكذلك قولي في هذا الجرذ الذي تذكر أنه يثب إلى السلة حيث وضعتها. فالأمر ما يقوى على ذلك دون أصحابه، فالتمس لي فأساً. فأتى بها الضيف وأنا حينئذ في جحر غير جحري أسمع كلامهما، وكان جحري في موضع فيه ألف دينار ولا أدري من وضعها، فكنت أفترشها وأفرح بها وأعز بمكانها كلما ذكرتها. وإن الضيف احتقر جحري حتى انتهى إلى الدنانير فأخذها وقال للناسك: هذه كانت تقوّي ذلك الجرذ للوثوب حين كان يثب، لأن المال جُعل زيادة للقوة والرأي، وسترى أن الجرذ لن يعود بعد اليوم قادراً على ما كان يقدر عليه فيما مضى. فسمعتُ قول الضيف فعرفت في نفسيَ الانكسار، وتقاصر إعجابي بنفسي وانتقلت من جحري إلى جحر غيره، وأصبحت أعرف انحطاط منزلتي عند الجرذان وقلة توقيرهنّ إياي، بعد أن كلفنني ما عودتهنّ من الوثوب إلى السلة فعجزت عند ذلك، فزهدن فيّ وجعلن يقلن فيما بينهن: “هلك أخو الدهر ويوشك أن يحتاج إلى أن يعوله بعضكن”، فرفضنني بأجمعهن ولحقن بأعدائي وأخذن في عيبي وانتقاصي عند كل من ذكرنني عنده، فقلت في نفسي: ما التبع والإخوان والأهل والصديق والأعوان إلا تبعاً للمال. وما أرى المروءة يظهرها إلا المال. ولا الرأي ولا القوة إلا بالمال. ووجدت من لا مال له إذا أراد أن يتناول أمراً قعد به الفقر عما يريد، فانقطع عن بلوغ غايته كما ينقطع ماء أمطار الصيف في الأودية، فلا يصل إلى البحر ولا إلى نهر حتى تنشّفه الأرض.

ووجددت أن من لا مال له من الإخوان لا أهل له ولا ولد له، ولا ذكر له. بل يعتبر كمن لا عقل له عند الناس ولا دنيا ولا آخرة. وإذا أصابت الرجل الفقير الحاجة نبذه إخوانه، وهان على ذوي قرابته، فربما اضطرّته المعيشة وما يحتاج إليه لنفسه وعياله إلى طلب ذلك بما يغرر فيه بدينه، فيهلك، فإذا هو قد خسر الدنيا والآخرة. فالفقر رأس كل بلاء وداعٍ صاحبه إلى مقت الناسن وهو مع ذلك مسلبة للعقل والمروءة، ومذهب للعلم والأدب، ومطيّة للتهمة، ومقطعة للحياء. ومن انقطع حياؤه ذهب سروره ومقت. ومن مقت أودى، ومن أودى حزن، ومن حزن فقد عقله واستنكر حفظه وفهمه. ومن أصيب في عقله وحفظه وفهمه كان أكثر قوله فيما يكون عليه لا له.

ووجدت الرجل إذا افتقر اتهمه من كان له مؤتمناً وأساء به الظن من كان يظن به حسناً. وليس من خلة هي للغني مدح ولا هي للفقير عيب. فإن كان شجاعاً سمي أهوج، وإن كان جواداً سمي مفسداً، وإن كان حليماً سمي ضعيفاً، وإن كان وقوراً سمي بليداً، وإن كان لسناً سمي مهذاراً، وإن كان صموتاً سمي غبياً..

فالموت أهون من الفاقة التي تضطر صاحبها إلى المسألة لا سيما مسألة الأشحاء اللؤماء. فإن الكريم لو كلّف أن يدخل يده فاه التين فيستخرج سمّا ثم يبتلعه كان ينبغي أن يعدّ ذلك أخف عليه من مسألة اللئيم البخيل. وقد قيل إنه من ابتلي بمرض في جسده لا يفارقه أو بفراق الأحبة والإخوان أو بالغربة حيث لا يعرف مبيتاً ولا مقيلاً، ولا يرجو إياباً، أو بفاقة تضطرّه إلى المسألة، فالحياة له موت والموت له راحة. وربما كره الرجل المسألة وبه حاجة فحملته على السرقة والنهب والظلم. والسرقة والنهب والظلم شرّ من الفاقة التي راغ عنها. فإنه قد قيل: الخرس خير من اللسان بالكذب، والغبن خيرٌ من القهر والظلم، والفاقة خير من السعة والنعمة من أموال الناس.

ثم إني كنت قد رأيت الضيف حين أخرج دنانيري قاسمها الناسك، وجعل الناسك نصيبه في خريطة يضعها بالليل عند رأسه، فطمعت أن أصيب منها دنانير فأردها إلى جحري، ورجوت أن أردّ إلي بذلك بعض قوتي ويراجعني بعض أصدقائي. فانطلقت والناسك نائم حتى كبتّ رأسه ووجدت الضيف مستيقظاً، ومعه قضيب فضربني به على رأسي ضربة موجعة، فسعيت إلى جحري. فلما سكن عني الوجع قادني الحرص والشره وغلباني على عقلي فخرجت بمثل طمعي الأول حتى دنوت والضيف يرصدني، فعاد لي بالقضيب على رأسي ضربة أسالت منه الدماء وتقلبت على ظهري وبطني حتى دخلت الجحر، فخرزت فيه مغشياً عليّ فأصابني من الوجع فوق ما أصابني على المال حتى إني لا أسمع اليوم بذكر المال إلاّ يدخلني منه ذعر.

ثم تذكرت فوجدت البلايا في الدنيا إنما يسوقها إلى أهلها الحرص والشره. فلا يزال صاحب الدنيا يتقلب في بليّة وتعب لأنه لا يزال يداخله الشره والحرص. ورأيت اختلاف السخاء والشحّ شديداً. ووجدت ركوب الأهوال وتجشّم الأسفار البعيدة في طلب المال أهون عليّ من بسط اليد إلى السّخيّ بالمال، فكيف بالشحيح به، ولم أر كالرضا شيئاً. وسمعت العلماء قد قالوا: لا عقل كالتدبير ولا ورع كحسن الخلق، ولا غنى كالرضا، وأحق ما صُبر عليه ما لم يكن إلى تغيّره سبيل. وكان يقال: أفضل البرّ الرحمة، ورأس المودة الاسترسال، ورأس العقل المعرفة بما يكون وملا لا يكون، وطيب النفس وحسن الانصراف عما لا سبيل له. فصار أمري إلى أن رضيت وقنعت وانتقلت من بيت الناسك إلى البرية.

وقال الجرذ صاحب الغراب للسلحفاة: وكان لي صديق من الحمام قد سبقت إليّ صداقته قبل صداقة الغراب، ثم ذكر لي الغراب ما بينك وبينه وأخبرني أنه يريد أن يأتيك فأحببت أن آتيك معه، وكرهت الوحدة. فإنه ليس من سرور الدنيا سرور يعدل صحبة الإخوان، ولا فيها غمّ يعدل بعد الإخوان. وقد جرّبت فعلمت أنه لا ينبغي للعاقل أن يلتمس من الدنيا فوق الكفاف الذي يدفع به الحاجة والأذى عن نفسه. والذي يدفع ذلك عنه يسيراً، إنما هو المطعم والمأوى إذا أعين بصحة وسخاء منها إلا بالقليل الذي يدفع به الحاجة عن نفسه، فأما سوى ذلك ففي موضع لا يناله. فأقبلت مع الغراب على هذا الرأي وأنا لك أخ فكذلك فلتكن منزلتي في نفسك.

فلما فرغ الجرذ من كلامه أجابته السلحفاة بكلام رقيق لطيف وقالت: قد سمعت مقالتك يا حسن مقالة، إلا إني رأيتك تذكر بقايا هي في نفسك من حيث قلة مالك وسوء حالك واغترابك عن مواطنك، فاطرح ذلك من قلبك، واعلم أن حسن الكلام لا يتم إلا بالعمل. فإن المريض الذي قد علم دواء مرضه إن هو لا يتداو به لم يغنه علمه، ولا يجد راحة ولا خفّة. فاستعمل رأيك واعمل بعقلك، ولا تحزن لقلة المال، فإن الرجل ذا المروءة قد يكرم على غير مال كالأسد الذي يُهاب وإن كان رابضاً. والغنيّ الذي لا مروءة له قد يُهان وإن كثر ماله كالكلب الذي يهون على الناس وإن هو طوّق وخلخل بالذهب. ولا تكترث في نفسك لغربتك، إن العاقل لا غربة عليه ولا يغترب إلا ومعه ما يكتفي به من عقله، كالأسد الذي لا يتقلب إلا ومعه قوته التي يعيش بها حيثما توجه. ولتحسن تعاونك لنفسك بما تكون به للخير أهلا، فإنك إذا فعلت ذلك أتاك الخير يطلبك كما يطلب الماء الحدور، وطير الماء الماء. وإنما جعل الفضل للبصير الحازم المتفقد. فأما الكسلان المتردد المدافع فإن الفضل قلما يصحبه.

ولا يحزنك أن تقول: كنت ذا مال فأصبحت معدماً. فإن المال وسائر متاع الدنيا سريع أقباله إذا أقبل، وشيكٌ ذهابه إذا ذهب، كالكرة التي هي سريع ارتفاعها وسريع وقوعها. وقد قيل في أشياء ليس لها ثبات ولا بقاء: ظلّ الغمام، وخلّة الأشرار، وعشق النساء، والثناء الكاذب والمال الكثير. وليس يُفرح العاقل كثرة المال، ولا يحزنه قلته، لكن ماله عقله وما قدّم من صالح عمله، فهو واثق بأنه لا يسلب ما عمل، ولا يؤاخذ بشيء لم يعمله. وهو حقيق أن لا يغفل عن أمر آخرته والتزود لها، فإن الموت لا يأتي إلا بغتة وليس بينه وبين أحد وقت معلوم. وأنت عن موعظتي غنيّ بما عندك من العلم، بصير بالأمور، ولكن رأيت أن أقضي من حقك وأنت أخونا وما قبلنا بمذول لك.

فلما سمع الغراب ردود السلحفاة على الجرذ وإلطافها إياه، وحسن مقالتها له سرّه ذلك وفرح به وقال: لقد سررتني وأنعمت، وأنت جديرة أن تسرّي نفسك بما سررتني به، فإن أولى أهل الدنيا بشدة السرور وكرم العيش وحسن الثناء من لا يزال ربعه موطوءاً من إخوانه واصدقائه الصالحين، ولا يزال عنده منهم زحام يسرهم ويسرّونه، ويكون من وراء حاجتهم وأمورهم. فإن الكريم إذا عثر لا يقيل عثرته إلا الكريم، كالفيل إذا وحل لم يستخرجه إلا الفيلة. ولا يرى العاقل معروفاً صنعه وإن كثر كثيراً وإن خاطر بنفسه أو عرضها في بعض وجوه المعروف لم ير ذلك عيباً، بل يعل أنما أخطر الفاني بالباقي واشترى العظيم بالصغير. وأغبط الناس أكثرهم مستجيراً أو سائلاً منجحاً، ولا يعد غنياً من لا يشارك في ماله.

فبينما الغراب في كلامه إذ أقبل نحوهم ظبي يسعى ففزع منه الغراب والجرذ والسلحفاة، فوثبت السلحفاة في الماء ودخل الجرذ في الجحر وطار الغراب فوقع على شجرة. وانتهى الظبي إلى الماء فشرب منه قليلاً ثم قام مذعوراً ينظر. فحلق الغراب في السماء ينظر هل يرى للظبي طالباً فنظر في كل ناحية فلم ير شيئاً، فنادى السلحفاة لتخرج من الماء، وقال للجرذ: اخرج فإنه ليس هاهنا شيء تخافه. فاجتمع الغراب والجرذ والسلحفاة في مكانهن، فقالت السلحفاة للظبي حين رأته ينظر إلى الماء ولا يشرب: اشرب إن كان بك عطش ولا تخف فلا خوف عليك. فدنا الظبي منهم ورحّبت به السلحفاة وحيّته وقالت له: من أين أقبلت؟ قال: كنت أرعى في هذه الصحارى ولم تزل الأساورة تطردني من مكان إلى مكان. ورأيت اليوم شيخاً فخفت أن يكون قانصاً فهربت منه.

قالت السلحفاة: لا تخف فإنا لم نر القناص هاهنا قط، ونحن نبذل لك مودتنا ومكاننا، والمرعى منا قريب. فرغب الظبي في صحبتهن وأقام معهن. وكان لهن عريش من الشجر فكنّ يأتينه كل يوم ويجتمعن فيه ويلهون بالحديث ويتذاكرنه. ثم إن الغراب والجرذ والسلحفاة وافين العريش ذات يوم لحينهن وغاب الظبي فتوقّعنه ساعة، فلما أبطأ عليهن أشفقن أن يكون أصابه عدوّ فقلن للغراب: طر فانظر هل ترى الظبي في شيء مما نحذره. فحلّق الغراب فنظر فإذا هو بالظبي في حبائل القانص، فأجفل مسرعاً حتى أخبر الجرذ والسلحفاة.

فقالت السلحفاة والغراب والجرذ: هذا الأمر لا يرجى فيه غيرك فأغث أخانا. فسعى الجرذ سريعاً حتى انتهى إلى الظبي فقال: كيف وقعت في هذه الورطة وأنت من الأكياس؟

قال الظبي: وهل يغنى الكيّس مع كوارث الدهر وأحواله التي لا ترى ولا تستدرك؟

فبينما هما على محاورتهما إذ وافتهما السلحفاة فقال لها الظبي: ما أصبت بمجيئك إلينا. فإن القانص إذا هو انتهى وقد فرغ الجرذ من قطع حبالي سبقته حضراً، وللجرذ جحره والغراب يطير وأنت بطيئة السعي فأخاف عليك القانص.

قالت السلحفاة: إنه لا يعد من العيش ما كان بعد فراق الأحبة. وأما المعونة على تسلية الهم وسكون النفس عند البلاء فبلقاء الأخ وبثّ كل واحد منهما شكواه إلى صاحبه. وإذا فرق بين الأليف وإلفه فقد سُلب فؤاده وحرم سروره وأغشي على بصره.

فلم تفرغ السلحفاة من كلامها حتى طلع القانص ووافق ذلك فراغ الجرذ من الحبائل فنجا الظبي وطار الغراب ودخل الجرذ جحره. فلما جاء القانص إلى حبائله فرآها قد قطّعت عجب وجعل ينظل فيما حوله فلم يرَ شيئاً غير السلحفاة فأخذها وأوثقها بالحبال.

ولم يلبث الظبي والغراب والجرذ أن اجتمعن فنظرن إلى القانص وقد أخذ السلحفاة وهو يربطها بالحبال، فاشتد حزنهن لذلك وقال الجرذ: ما ترانا نجاوز عقبة من البلاء إلا صرنا في أخرى أصعب منها؟ لقد صدق الذي قال: ” لا يزال الرجل في إقباله ما لم يعثر، فإذا عثر مرة في أرض خبارٍ لجّ به العثار وإن مشى في جدد”. وما كان جدي الذي فرّق بين وبين أهلي ومالي ووطني وبلادي ليرضيني حتى يفرّق بيني وبين كل ما كنت أعيش به من صحبة السلحفاة، خير الأصدقاء التي ليست خلتها للمجازاة ولا التماس المكافأة، لكن خلّتها خلة الكرم والوفاء. خلة هي أفضل من مودة الوالد لولده. خلة لا يزيلها إلا الموت. ويح لهذا الجسد الموكل به البلاء الذي لا يزال في تصرف وتقلب لا يدوم له شيء ولا يثبت معه، كما لا يدوم للطالع من النجوم طلوعه ولا لآفله أفوله، لكنهما في تقلب لا يزال الطالع يكون آفلاً والآفل طالعاً والمشرق غارباً والغارب مشرقاً. وهذا الحزن يذكّرني أحزاني كالجرح المندمل تصيبه الضربة فيجتمع على صاحبه ألمان: ألم الضربة وألم انتكاس الجرح. كذلك من خفّت كلومه بلقاء إخوانه ثم فقدهم.

فقال الغراب والظبي للجرذ: إن حزننا وحزنك وكلامك وإن كان بليغاً، لا يغني السلحفاة شيئا. فدع هذا وأقبل على التماس النجاة للسلحفاة، فإن قد كان يقال إنما يختبر ذوو البأس عند البلاء، وذوو الأمانة عند الأخذ والإعطاء، والأهل والولد عند الفاقة، والإخوان عند النوائب.

قال الجرذ: أرى من الحيلة أن تذهب أنت أيها الظبي حتى تكون بصدد من طريق القانص فتربص كأنك جريح مثبت ويقع عليك الغراب كأنه يأكل منك. وارقب القانص فكن منه قريبا. وإني لأرجو أنه لو نظر إليك يضع ما معه من قوسه ونشَّابه والسلحفاة ويسعى إليك. فإذا دنا إليك فتنفّر عنه متضالعاً حتى لا ينقطع طمعه منك، وأمكنه مراراً حتى يذنو منك، ثم مُدّ به على هذا النحو ما استطعت. فإني أرجو أن لا ينصرف القانص إلا وقد فرغت من قطع الحبل الذي السلحفاة مربوطة به فتتحول السلحفاة ونرجع إلى مكاننا.

ففعل الظبي والغراب ذلك، وتعاونا واتعبا القانص طويلاً ثم انصرف وقد قطع الجرذ حبال السلحفاة فنجوا معاً. فلما جاء القانص وجد الحبل مقطوعاً وفكّر في أمر الظبي المتضالع والغراب كأنه يأكل من الظبي وليس يأكل، وتقريض الجرذ لحباله قبل ذلك فاستوحش وقال: ما هذه الأرض إلا أرض سحرة أو أرض جن. فرجع لا يلتمس شيئاً وينظر إليه. فانطلق الغراب والظبي والسلحفاة والجرذ إلى عريشهن آمنات مطمئنات.

فهذا مثل تعاون الإخوان.