مثل الخادم والرجل

مثل الخادم والرجل

زعموا أن رجلاً تواطأ مع خادم في بيت لأحد الأغنياء على أن يأتي البيت في كل ليلة يغيب صاحبه فيعطيه شيئاً من متاع سيده فيبيعه ويتشاطرا ثمنه. فاتفق ذات يوم أن غاب أهل البيت وبقي الخادم وحده فأنفذ فأخبره الرجل فأقبل. وفيما هما يجمعان المال إذ قرع الباب وعاد رب البيت على بغتة. وكان للبيت باب آخر لم يكن يعلمه الرجل وبقربه جبّ ماء. فقال الخادم للرجل: أسرع واخرج من الباب الذي عند الجب.

فانطلق الرجل ووجد الباب لكنه لم يجد الجب فرجع إلى الخادم وقال له: أما الباب فوجدته، وأما الجب فلم أجده. فقال الخادم: ويحك انجُ بنفسك ولا تكترث للجبّ. قال الرجل: كيف أذهب وقد خلطت عليّ فذكرت الجب وليس هناك. قال الخادم: دع عنك الحمق والتردد وفرّ عاجلاً. فلم يزل ينازعه حتى دخل رب البيت فأخذه وأوجعه ضرباً ثم دفعه إلى السلطان.

فلما خفت من التردد والتجوال رأيت أن لا أتعرض لما خفت من ذلك وأن أقتصر على كل عمل تشهد الأنفس على أنه صحيح وتوافق عليه الأديان. فكففت يدي عن الضرب والقتل والغضب والسرفة والخيانة وحصّنت نفسي من الفجور وحفظت لساني من الكذب ومن كل كلام فيه ضرر على أحد، وكففت لساني عن الشتم والعضيهة والخنا والبهتان والغيبة والسخري.

والتمست من قلبي بأن لا أتمنى لأحد سوءاً ولا أكذب بالبعث والقيامة الثواب والعقاب. وزايلت الأشرار بقلبي ولزمت الصلحاء والأخيار جهدي. ورأيت الصلاح ليس كمثله صاحب ولا قرين ورأيت مكسبه إذا وفّق له وأعان عليه يسيراً ووجدته أحنّ على صاحبه وأبرّ من الآباء والأمهات. ووجدته يدل على الخير ويشير بالنصح فعل الصديق بالصديق، ووجدته لا ينقص إذا أنفق منه صاحبه بل يزداد على الاستعمال والابتذال جدة حسنة. ووجدته لا خوف عليه من السلطان أن يسلبه ولا من شيء من الآفات، لا من الماء أن يغرّقه ولا من النار أن تحرقه ولا من اللصوص أن تسرقه ولا من شيء من السباع وجوارح الطير أن تمزقه. ووجدت الرجل الذي يزهد في الصلاح وعاقبته ويلهيه عن بذلك قليل ما هون فيه من حلاوة العاجل، إنما مثله فيما أنفذ فيه أيامه ويلهيه على ما ينفعه كمثل التاجر والضارب بالصنج.