فاطمة اليشرطية الحسنية

فاطمة اليشرطية الحسنية
(1890- 1979)

فاطمة اليشرطية امرأة رائدة في علم التصوف، قضت عمرها في العبادة والتأمل والصلاة والكتابة ومساعدة من حولها ومن يطرق بابها، غير أن لها سيرة انسانية وسيرة امرأة مشعة بالمعرفة وبالتواصل مع الآخرين، وبمتابعة الحياة اليومية والثقافة والفن الأصيل.

لم تمنعها واجباتها الدينية عن الاهتمام يومياً بمشاكل الناس، ومحاولة التخفيف عنهم، ولم تمنعها هالة الإيمان على وجهها من مناقشة ضيوفها وأصدقائها بكل الشؤون. وكانت امرأة متواضعة، تجالس الصغار كما تجالس الكبار، تعترف بما لا تعرف، وتعطي كل ما تعرف.

ولدت فاطمة ابنة الشيخ علي نور الدين اليشرطي، شيخ الطريقة الشاذلية، في مدينة عكا، في أول العقد الأخير من القرن التاسع عشر، وكان طبيعياً أن تستقي منه في طفولتها وحداثتها مبادئ الدين الحنيف، فكان والدها هو النافذة التي أطلت منها على الدنيا، ولما غادر الدنيا وهي ما زالت صغيرة السن، عاشت عمرها وهي تحاول السير على خطاه وخطى الأوائل، ومن أهم ما تذكره عن والدها الشيخ قوله لها: “يا ابنتي! كوني صادقة في كل شيء. ومتى كنت صادقة في كل شيء، فلا تخافي من شيء. فالصدق منجاة. كوني دائماً مع الحق”.

تركت العالمة المتصوفة عدة مؤلفات دينية وسيرة ذاتية، نختار منها عن مفهومها للشكر الصوفي، فهو مفهوم عملي وإنساني، تشرحه بقولها:

“والشكر الصوفي لا يكفي مجرد القول فقط، لأن التصوف يطالب أبناءه بأن يشكروا الله عز وجل، على آلائه ونعمه، وذلك بالأعمال الصالحة التي يقدمونها إلى عباده الآخرين. فالشكر الصوفي عملي، لا شكر قولي مجرد”.
وهي في سيرتها الذاتية تقول إنها ليست من أهل السياسة، لكنها تحب وطنها وأبناء أمتها، وهذا يذكرها بتلك الأيام التي “كنا نحلم فيها بقيام دولة عربية إسلامية واحدة”. كانت تناقش الأمور الفنية، وكانت معجبة بصوت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ومسرحيات نجيب الريحاني، وتحرص على حضور حفلاتهم أثناء زياراتها للقاهرة. وهي تقول: “وكنت أفعل ذلك، وأنا موقنة أنه لا يتعارض مع تمسكي بأمور ديني، فإذا قام الإنسان بما عليه نحو ربه، فلا بأس من مراعاة نفسه وترفيهها، ضمن حدود الشرع والأدب، لأنها تكون، عندئذ، نفساً مرضية مطمئنة. فالدين يسر، ليس فيه تزمت أو عسر”.

ما بعد الحرب الكبرى، وعودتها من دمشق إلى عكا، كان كبار القوم والعلماء يزورونها في منزلها، وكان اسمها بات معروفاً لكونها صاحبة الإيمان والتصوف والرأي السديد، وقد كتبت عن هذه المرحلة تقول:

“وكانت الأعوام التي تلت تلك الحروب العالمية الأولى، كفيلة بأن تفتح أعين الناس وبصائرهم، لمعرفة حقائق الأمور التي تمر بهم. فقد قامت الثورة في مصر، على عهد سعد زغلول؛ ثم كانت الثورة في دمشق وباقي الأنحاء السورية؛ كما اندلعت الثورات في فلسطين. ولهذا، لم نكن نشعر بالاستقرار، أينما كنا؛ وظهرت الحاجة إلى الظهور النسائي، وإلى أن تساهم المرأة العربية في تنظيم المجتمع العربي والتخطيط له…

” … أما من حيث المجتمع؛ فإن معرفتي بعلماء تلك الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى، واتصالي بهم، سواء أكان ذلك في عكا أو في القاهرة أو دمشق أو بيروت، وصداقتي لكل واحد منهم، جعلتهم لا ينقطعون عن زيارتي، أو مراسلتي، حتى أولائك الذين لم يكونوا من أبناء طريقتنا الشريفة. وكان لهذه الصحبة والود الأصيلين أبلغ الأثر في نفسي، لأنهم كانوا ينظرون إلي نظرة تقدير واحترام، لتعشقي مبادئ الإنسانية، وتهافتي على طلب العلم والمعرفة…”.

كان للعالمة الدينية حضور هادئ مشع في أي مجلس كانت، ما جعل كل من عرفها، ولو مرة واحدة، لا ينسى لقاءها ولا حديثها، وكان ذلك في أوائل السبعينات في بيروت، وكانت وهي التي أصبحت في عمر الشيخوخة ما زالت محدثة حاضرة الذهن والروح والوجدان لمناقشة الجالس أمامها قضايا العصر، وهموم الناس؛ كانت وهي العالمة المتصوفة، سرعان ما يشعر المرء في حضرتها أنها هي التي دخلت عالمه وقضاياه، وكثيراً ما تكون هي صاحبة المبادرة، وينتهي اللقاء دون أن تبدي من ناحيتها حتى إحياءً بأن على الآخرين هم أن يدخلوا عالمها. كانت من القلائل من بين نساء العرب ورجالهم، في تقديرها واحترامها للإنسان.