علي مشرفة

علي مشرفة
1898- 1950

ولد الدكتور علي مشرفة في دمياط بمصر. كان والده من مشايخ الدين ومن مدرسة الإمام جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده. كان لأبويه اليسر المادي والجاه الاجتماعي. فنشأ على الشعور المرهف بالجمال الذي لم يفقده حبه للخير ومصادقة الضعفاء والمساكين.

حصل عام 1907 على الشهادة الابتدائية. توفي والده في العام نفسه تاركًا عليًّا الذي لم يتجاوز الاثنى عشر ربيعًا ربًّا لأسرته المكونة من أمه وإخوته الأربعة.. ولعل هذا هو السر فيما يُعرف عن شخصية الدكتور علي مشرفة بالجلد والصبر وحب الكفاح وارتفاع الحس التربوي في شخصيته.

التحق علي مشرفة عام 1914 بمدرسة المعلمين العليا، واختير عام 1917 لبعثة علمية لأول مرة إلى إنكلترا حيث قرر علي السفر بعدما اطمأن على إخوته بزواج شقيقته وبالتحاق أشقائه بالمدارس . التحق بكلية نوتنغهام ثم بكلية “الملك” بلندن حيث حصل منها على بكالوريوس علوم مع مرتبة الشرف في عام 1923. ثم حصل على شهادة دكتوراه الفلسفة من جامعة لندن في أقصر مدة تسمح بها قوانين الجامعة.

عُين لدى عودته مدرسًا بمدرسة المعلمين العليا. إلا أنه وفي أول فرصة سنحت له، سافر ثانية إلى إنكلترا، وحصل على درجة دكتوراه العلوم فكان بذلك أول مصري يحصل عليها. في عام 1925 رجع إلى مصر، وعين أستاذًا للرياضيات التطبيقية بكلية العلوم بجامعة القاهرة، ثم مُنح درجة “أستاذ” في عام 1926 رغم اعتراض قانون الجامعة على منح اللقب لمن هو أدنى من الثلاثين. اعتُمد الدكتور علي عميدًا للكلية في عام 1936 وانتخب للعمادة أربع مرات متتاليات، كما انتخب في 1945 وكيلاً للجامعة.

بدأت أبحاث الدكتور علي مشرفة تأخذ مكانها في الدوريات العلمية. فنشر أول خمسة أبحاث حول النظرية الكمية التي نال من أجلها درجتي دكتوراه الفلسفة ودكتوراة العلوم.

دارت أبحاث الدكتور مشرفة حول تطبيقه الشروط الكمية بصورة معدلة تسمح بإيجاد تفسير لظاهرتي شتارك وزيمان. وكان أول من قام ببحوث علمية حول إيجاد مقياس للفراغ، حيث كانت هندسة الفراغ المبنية على نظرية “أينشتين” تتعرض فقط لحركة الجسيم المتحرك في مجال الجاذبية. وأضاف نظريات جديدة في تفسير الإشعاع الصادر من الشمس. وعُدّت نظريته في الإشعاع والسرعة من أهم نظرياته وسببًا في شهرته وعالميته، حيث أثبت أن المادة إشعاع في أصلها، ويمكن اعتبار المادة والإشعاع صورتين لشيء واحد يتحول إحداهما للآخر. ومهدت هذه النظرية العالم ليحول المواد الذرية إلى إشعاعات.

كان الدكتور علي أحد القلائل الذين عرفوا سر تفتت الذرة وأحد العلماء الذين حاربوا استخدامها في الحرب. بل كان أول من أضاف فكرة جديدة وهي أن الهيدروجين يمكن أن تصنع منه مثل هذه القنبلة. إلا أنه لم يكن يتمنى أن تصنع القنبلة الهيدروجينية. وهو ما حدث بعد وفاته بسنوات في الولايات المتحدة وروسيا.

تقدر أبحاث الدكتور علي مشرفة المتميزة في نظريات الكم، الذرة والإشعاع، الميكانيكا والديناميكا بنحو خمسة عشر بحثًا. وبلغت مسودات أبحاثه العلمية قبل وفاته إلى حوالى مائتين. ولعل الدكتور علي كان ينوي جمعها ليحصل بها على جائزة نوبل في العلوم الرياضية.

نشر الدكتور مشرفة كتبًا عديدة منها: النظرية النسبية، الذرة والقنابل، نحن والعلم، العلم والحياة. واهتم خاصة بمجال الذرة والإشعاع وكان يقول: “إن الحكومة التي تهمل دراسة الذرة إنما تهمل الدفاع عن وطنها”.

تمتعت كلية العلوم المصرية في عصره بشهرة عالمية واسعة، حيث عني عناية تامة بالبحث العلمي وإمكاناته، فوفر كل الفرص المتاحة للباحثين الشباب لإتمام بحوثهم. ووصل به الاهتمام إلى مراسلة أعضاء البعثات الخارجية، وسمح لأول مرة بدخول الطلبة العرب إلى الكلية لأنه كان يرى أن “القيود القومية والفواصل الجنسية ما هي إلا حبال الشيطان يبث بها العداوة والبغضاء بين القلوب المتآلفة”.

أنشأ قسمًا للغة الإنجليزية والترجمة بالكلية. كما حوّل الدراسة في الرياضة البحتية إلى اللغة العربية وصنف قاموسًا لمفردات الكلمات العلمية من الإنكليزية إلى العربية.

كان مشرفة حافظًا للشعر ملمًّا بقواعد اللغة العربية، عضوًا بالمجمع المصري للثقافة العلمية باللغة العربية، حيث ترجم مباحث كثيرة إلى اللغة العربية. كان يحرص على حضور المناقشات والمؤتمرات والمناظرات، وله مناظرة شهيرة مع طه حسين حول “أيهما أنفع للمجتمع الآداب أم العلوم”. كما نشر ما يقرب من ثلاثين مقالاً منها: سياحة في فضاء العالمين، العلم والصوفية، اللغة العربية كأداة علمية، اصطدام حضارتين، مقام الإنسان في الكون.

كان الدكتور مشرفة عازفًا بارعًا على الكمان والبيانو مغرمًا بموسيقى غلبرت وسلفن. ألف الجمعية المصرية لهواة الموسيقى في سنة 1945. وكان من أغراضها العمل على تذليل الصعوبات التي تحول دون استخدام النغمات العربية في التأليف الحديث. كوّن لجنة لترجمة “الأوبرتات الأجنبية” إلى اللغة العربية.. وكتب كتابًا في الموسيقى المصرية توصل فيه إلى أن جميع النغمات الأخرى في السلم الموسيقي غير السيكا والعراق يمكن إلغاؤها أو الاستغناء عنها.

دُعيَ من قبل العالم الألماني الأصل ألبرت أينشتين للاشتراك في إلقاء أبحاث تتعلق بالذرة عام 1945 كأستاذ زائر لمدة عام، ولكنه اعتذر بقوله:

“في بلدي جيل يحتاج إلي” .