عاتكة بنت زيد

عاتكة بنت زيد
صاحبة الحديقة

تو 41هــ

أخت سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلمت وهاجرت وعُرفت بالجمال والكمال خَلْقًا وخلُقا وعقلا ورأيًا. تزوجت أربعة من الصحابة، استشهدوا جميعًا فى سبيل الله حتى إن عبد الله بن عمر كان يخبر أنه من أراد أن يموت شهيدًا فليتزوجها، إنها الصحابية الجليلة عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل القرشية.

تزوجت من عبد اللَّه بن أبى بكر الصديق، فشغلته يومًا عن الصلاة والتجارة والمعاش فأمره أبو بكر أن يطلقها، فطلَّقَها عبد اللَّه تطليقة، فتحولت إلى ناحية، فبينما أبو بكر يصلِّى على سطح له فى الليل إذ سمعه يذكرها بقوله:

لها خُلُق جَزْلٌ ورأى ومنطِــــقُ وخَلْقٌ مصـــونٌ فى حياءٍ ومُصَدَّقُ

فلم أر مثلى طلق اليوم مثلهـــا ولا مثلهــا فى غير شــيء تُطَلَّقُ

فجاء إليه ورَقَّ له، فقال: يا عبد الله، راجع عاتكة، فقال: أُشهدك أني قد راجعتُها، وأعتق غلامًا له اسمه “أيمن” لوجه اللَّه تعالى، وأعطى عاتكة حديقةً له حين راجعها على أن لا تتزوج بعده، فلما كان يوم الطائف أصابه سهم، فمات منه فأنشأت تقول:

فلِلَّهِ عَيْـنًا من رأى مِثْلَهُ فَـتَى أكَرَّ وأحمى فى الهياج وأصــبرا

إذا شُعَّت فيه الأسِنُّةَ خاضـها إلى الموت حتى يترك الرُّمح أحمرا

فأقسمـت لا تنفك عينى سَخينة عليــك ولا ينفكُّ جلدى أغْـبرا

ثم خطبها عمر بن الخطاب فقالت: قد كان أعطاني حديقة على أن لا أتزوج بعده، قال: فاستفتي، فاستفتت علي بن أبى طالب -رضى اللَّه عنه- فقال: رُدِّي الحديقة على أهله وتزوجي . فتزوجت عمر، فلما استشهد عمر -رضى اللَّه عنه- وانقضت عِدَّتُها خطبها الزبير بن العوام فتزوجها، وقال لها: يا عاتكة، لا تخرجي إلى المسجد، فقالت له: يا بن العوَّام، أتريد أن أدَع لغَيْرتك مُصَلَّي، صَلَّيتُ مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر؟ قال: فإنى لا أمنعك.

فلما قُتل الزبير قالت فيه شعرًا ترثيه، فلما انقضت عِدَّتها تزوجها الحسين بن علي بن أبي طالب -رضى اللَّه عنهما-، فاستشهد -أيضًا- فكانت أول من رفع خده عن التراب، وقالت ترثيه:

وحُسَيْـنًا فلا نَسِيتُ حُـسَـيْـنًا أقصدتْهُ أسِـنَّـةُ الأعْـــــدَاء

غَـادَرُوهُ بِكَرْبِـلاءَ صَـرِيعًا جَادَتِ الْمُزْنُ فِى ذُرَى كَرْبِـلاء

ثم تأيَّمتْ، ويقال: إن مروان خطبها بعد الحسين -عليه السلام- فامتنعت عليه، وقالت: ما كنت لأتَّخذ حِمى بعد ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفيت -رحمها اللَّه- سنة أربعين من الهجرة.

جاء في كتاب “أسد الغابة في معرفة الصحابة” لابن الأثير المؤرخ:

” عاتِكَة بِنْت زيد بن عَمْرو بن نُفيل القُرَشِيَّة العدوية. تقدم نسبها عند أخيها سعيد بن زيد. وهي ابنة عم عُمر بن الخطاب، يجتمعان في نفيل.

كانت من المهاجرات إلى المدينة، وكانت امْرَأَة عَبْد الله بن أبي بكر الصديق، وكانت حسناء جميلة، فأحبها حباً شديداً حتى غلبت عليه وشغلته عن مغازيه وغيرها، فامره أبوه بطلاقها، فقال:

يقولون: طلِّقْها وخيِّمْ مكانـهـا          مُقيماً، تُمَنّي النفسَ أحلام نائمِ

وإنَّ فِراقي أهلَ بيتٍ جمعْتُهـم                      على كِبَرٍ منّي لإحدى العظائمِ

أراني وأهلي كالعَجولِ تروّجَتْ          إلى بَوِّها قبل العِشارِ الـروائمِ

فعزم عليه أبوه حتى طلقها، فتبعتها نفسه، فسمعه أبو بكر يوماً وهو يقول:

أعاتِكُ لا أنساكَ مـا ذرَّ شـارِقٌ          وما ناحَ قُمْريُّ الحَمام المُطَوَّقُ

أعاتكُ، قلبـي كـلَّ يوم ولـيلةٍ                        إليكَ بما تخفي النفوسُ مُعَلَّـقُ

ولم أر مثلي طلَّقَ اليومَ مثلَـهـا        ولا مثلَها في غير جُرْمٍ تُطلَّـقُ

لها خُلُقٌ جَزْلٌ، ورأي ومَنْصِبٌ           وخَلْقٌ سَويٍّ في الحياء ومَصْدَقُ

فرقّ له أبوه وأمره فارتجعها، ثم شهد عَبْد الله الطائف مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرُمي بسهم فمات منه بالمدينة، فقالت عاتِكَة ترثيه:

رُزِئتُ بخيرِ الناسِ بعـد نـبـيِّهـمْ         وبعد أبي بكرٍ، وما كان قَـصَّـرا

فآليتُ لا تنـفـكُّ عـينِـي حـزينةً         عليكَ، ولا ينفكُّ جِـلـدي أغـبـرا

فلله عيناً منْ رأى مثـلَـه فـتـىً        أكَرَّ وأحمى في الهَياج وأصـبـرا

إذا شُرِعَتْ فيه الأسِنَّةُ خـاضـهـا        إلى الموت حتى يتركَ الرُّمحَ أحمرا

فتزوجها زيد بن الخطاب، وقيل: لم يتزوجها، وقتل عنها يوم اليمامة شهيداً، فتزوجها عُمر بن الخطاب سنة اثنتي عشرة، فأولم عليها، فدعا جمعاً فيهم علي بن أبي طالب، فقال: يا أمير المؤمنين، دعني أكلم عاتِكَة. قال: فافعل. فأخذ بجانبي الباب وقال: يا عُدَيَّة نفسها، أين قولك:

فآليتُ لا تنفكُّ عينِي حـزينةً                        عليكَ، ولا ينفكُّ جِلدي أغبرا

فبكت، فقال عُمر: ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن؟ كل النساء يفعلن هذا. فقال: قال الله تعالى: “يا أيها الذين أمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كَبُرَ مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون” فقتل عنها عُمر، فقالت ترثيه:

عينُ، جودي بعبـرةٍ ونـحـيبِ             لا تَمَلّي على الامام النّـحـيبِ

قل لأهل الضَّرَّاءِ والبؤسِ: موتوا         قد سقَتْهُ المَنونُ كأسَ شَعـوبِ

ثم تزوجها الزبير بن العوام، فقتل عنها، فقالت ترثيه:

غدر ابنُ جُرْموزٍ بفارسِ بُهْـمَةٍ           يومَ اللقاءِ وكان غـير مُـعَـرِّدِ

يا عَمْرو، لو نبهته لـوجـدتـه             لا طائشاً رَعْشَ الجِنانِ ولا الـيدِ

كم غمرةٍ قد خاضها لـم يثـنـهِ                      عنها طِرادُكَ يا ابن فَقْعِ القَرْدَدِ

ثكلتكَ أمكَ إنْ ظَفِرْتَ بمـثـلـه                       ممن مضى، ممن يروح ويغتدي

واللهِ ربِّكَ إنْ قتلْتَ لمسـلـمـاً                       حلَّتْ عليكَ عقوبةُ المُتَـعَـمِّـدِ

ثم خطبها علي بن أبي طالب، فقالت: يا أمير المؤمنين، أنت بقية الناس وسيد المسلمين، وإني أنفس بك عن الموت. فلم يتزوجها، وكانت تحضر صلاة الجماعة في المسجد، فلما خطبها عُمر شرطت عليه أنه لا يمنعها عن المسجد ولا يضربها، فأجابها على كره منه، فلما خطبها الزبير ذكرت له ذلك، فأجابها إليه أيضاً. فلما أرادت الخروج إلى المسجد للعشاء الآخرة شق ذلك عليه ولم يمنعها، فلما عيل صبره خرج ليلة إلى العشاء وسبقها، وقعد لها على الطريق بحيث لا تراه، فلما مرت ضرب بيده على عجزها، فنفرت من ذلك ولم تخرج بعد.

أخرجها الثلاثة”.