سفانة بنت حاتم الطائي

سفانة بنت حاتم الطائي
الكريمة بنت الكريم

كان أبوها مضرب الأمثال في الكرم في الجاهلية، فلما ظهر الإسلام وانتشرت الفتوح، غزت خيلُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبيلتها “طَـيِّئ”، وأخذوها بين مَنْ أخذوا من السبايا. وكانت امرأة بليغة عاقلة، مرّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول اللَّه! امْـنُنْ عَلَي، مَنَّ اللَّه عليك، فقد هلك الوالد، وغاب الوافد (تَنَصَّرَ أخوها وفرّ حتى كان قريبًا من أرض الروم، وكان ذلك قبل أن يُسلم ويَحْسُنَ إسلامه) ولاتُشَمِّتْ بى أحياء العرب، فإنى بنتُ سيد قومي، كان أبى يفك الأسير ويحمى الضعيف، ويَقْرِى (يكرم) الضيف، ويشبع الجائع، ويفرّج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا بنت حاتم الطائي.

فقال لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: “يا جارية، هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك مسلمًا لترحمنا عليه”. ثم قال لأصحابه: “خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق”. ثم قال لها: “فلا تعجلي حتى تجدي ثقة يبلغك بلادك، ثم آذنيني” [ابن هشام].

فلما قدم ركب من أهلها، أرادت الخروج معهم، وذهبت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تستأذنه، فأذن لها وكساها من أحسن ما عنده من الثياب، وجعل لها ما تركبه، وأعطاها نفقة تكفيها مؤنة السفر وزيادة.

ثم قدمت على أخيها -عدى بن حاتم- وكان أكبر منها سنّا، وأرادت أن تدعوه إلى الإسلام، وتدله على الخير، بعدما رأت من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مارأت، وعلمت عن الإسلام وفضائله ما علمت، فسألها أخوها: ما ترين فى هذا الرجل؟ فانتهزتها فرصة، وهى الفصيحة العاقلة، تقدم الدين الجديد لأخيها وتدعوه، وتعرّفه برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى أسلوب حكيم، وعرض مؤثِّر، وسبيل مقنع، قالت: أرى أن تلحق به، فإن يكن الرجل نبيّا فاتبعْه؛ فللسابق إليه فضله، وإن يكن غير ذلك لم يُخَفْ عليك، وأنت من أنت عقلا وبصيرة، وإنى قد أسلمتُ. فقال عدي: والله إن هذا هو الرأى السليم. وخرج حتى قدم على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فدخل عليه وهو فى مسجده، فأسلم وحمد اللَّه. ونالت أخته بذلك ثواب هدايته إلى دين الحق.

إنها الصحابية الجليلة سفانة بنت حاتم الطائي وأبوها أشهر كرماء العرب الجاهليين، حتى ضرب به المثل فى الكرم.

اشتهرت سفانة بالكرم والسخاء مثل أبيها حاتم الطائي، فقد كان أبوها يُعطيها من إبله ما بين العشرة إلى الأربعين، فتهبها وتُعطيها الناس، فقال لها حاتم: يابنية! إنَّ القرينين إذا اجتمعا فى المال أتلفاه، فإما أن أعطي وتمسكي، وإما أن أُمسك وتعطي، فإنه لا يَـبْقَى على هذا شيءٌ. فقالت: والله لا أُمسك أبدًا. وقال أبوها: وأنا والله لا أمسك أبدًا. قالت: فلا نتجاور. فقاسمها ماله وتباينا.

فعاشت -رضى الله عنها- مثالا للكرم، ورجاحة العقل، وحسن الخلق.

جاء في كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة” لابن الأثير المؤرخ:

” سفانة بِنْت حاتم الطّائي. تقدم نسبها عند أخيها عَدي، وكان أبوها حاتم يكنى أبا سفَّانة.

أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس، عن مُحَمَّد بن إسحاق قال: أصابت خيل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ابنة حاتم، فقدم بها على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سبايا طيء، فجُعِلَت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد، فمرّ بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقامت إليه وكانت امْرَأَة جزلة فقالت: يا رسول الله: هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليّ منَّ الله عليك. قال: “مَن وافِدُكِ”؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: “الفارُّ من الله ورسوله”؟ ثم مضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتركني، حتى مرّ بي ثلاثاً، فأشار إلى رجل من خلفه أن قومي فكلميه. فقمت فقلت: يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليّ منَّ الله عليك. قال: ” قد فعلت فلا تعجَلي حتى تجدي ثقةً يبَلِّغُكِ بلادك، ثم آذنيني” فسألت عن الرجل الذي أشار إليّ، فقيل: علي بن أبي طالب. وقدم ركب من بَلِيّ، فأتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت: قدم رهط من قومي. قالت: فكساني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحملني، وأعطاني نفقة، فخرجت حتى قدمت الشام على أخي عدي بن حاتم، فقال لها عديّ: ما ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى أن تلحق به.

كذا رواه يونس، ولم يسم سفَّانة، وسماها غيره. ورواه عَبْد العزيز بن أبي روّاد نحوه، وزاد: وكانت أسلمت فحسن إسلامها”