زينون والرواقية

زينون والرواقية

تو نحو 264 ق، م

الرواقية مذهب فكري وضع أسسه الفيلسوف الفينيقي زينون القيسيوني أو السيتي المولود في قبرص (توفي نحو 264 ق.م.) . وبلغ المذهب ذروته في روما مع شيشرون وسنيك وأبيكتات.

لهذا المذهب آراء منطقية وما ورائية وطبيعية، لكن الأخلاق كان هدفه الأسمى. فشدد على أن ليس للموضوعات الأخرى من قيمة إلا بقدر ما تتعلق بالأخلاق.

يفرق الرواقيون بين الظن والمعرفة. والمعرفة في رأيهم ليست معرفة المعقولات التي يمكن الوصول إليها بالعقل ولا بالتذكر إنما هي معطيات الحواس. فالإحساس هو الأساس في المعرفة. وهذا الإحساس هو إدراك وحكم وتأكيد.

يقول الرواقيون إن جميع ما في الكون دقيق التركيب، وإن الظاهرات الطبيعية تسير وفق قوانين عجيبة، وإن آلات الحياة تعمل بنظام لحفظ الأشخاص والأنواع. وهنا يدخل دور العقل، إذ هو العامل الفعال الذي يؤمن الانسجام في الطبيعة. وهذا العقل، في رأي الرواقية، هو الله. فالله ليس خارجاً عن الكون، بل هو حالٌّ فيه متغلغل في جميع أجزائه. ومن هنا جاء تأكيدهم على أن الله والعالم والطبيعة شيء واحد. فمن خضع لقوانين الطبيعة فقد أطاع الله وسار وفاقاً لمقتضيات العقل. والعقل عندهم نار لطيفة إلهية حكيمة تلتهم العالم في نهاية “السنة الكبرى” ثم تعمل على تكوين عالم جديد، وهكذا دواليك..

الكائن الحي في مفهوم الرواقية مؤلف من عنصرين: المادة الكلية الموجودة في جسده، والنار الكلية العاقلة الموجودة في نفسه. أما الإنسان فيفوق جميع الكائنات الحية لأنه يتميز بالعقل، وهو قبس من الطبيعة الإلهية.

أما مذهب زينون الخلقي فيقوم على قواعد محددة. القاعدة الأولى هي أن يعيش الإنسان وفاقاً للطبيعة. وبما أن الطبيعة والعقل شيء واحد، فغاية الأخلاق أن يجعل الإنسان العقل مسيطراً على سلوكه. فالشهوات تنافي العقل، لذلك يجب محاربتها واستئصالها.

أما السعادة فتكون في الطمأنينة والسلام الداخلي والصفاء التام وعدم الاضطراب النفسي. وللاضطراب سببان: ان نُحرم ما نشتهيه وأن يحدث ما نخشاه. وعلينا أن نزيل هذين السببين لنعيش سعداء. ويتحقق هذا الأمر بأن ننزع، أولاً من قلوبنا الشهوات وبعدها ننتقل إلى النظر في الأمور التي تتعلق بنا وتلك التي هي مستقلة عنا. المتعلق بنا هو ما يخضع لإرادتنا. أما المستقل فهو ما يسميه زينون بالخيرات كالصحة والحياة والثروة والجاه. فسر السعادة في أن لا نبالي بهذه الخيرات. عندها تصبح اللامبالاة الفضيلة الأولى في نظر الرواقيين: لا مبالاة تجاه الألم والموت، وتجاه اللذة والحياة. فإذا توصل الإنسان الحكيم إلى هذه الدرجة ملك الخيرات كلها وأصبح في غاية الغنى والقدرة والحركة والسعادة.

ظلت الرواقية نشيطة عدة قرون في سورية ومصر واليونان ولكن لم ينبغ فيها فلاسفة كبار، بل بعض المفكرين الذين شرحوا أفكار زينون وعلقوا عليها. وكان من بين الذين تبنوا بعض أفكارها من المفكرين المعاصرين مارك أوريل.