رشيد الدين علي بن خليفة

رشيد الدين علي بن خليفة
579- – 616 هـ

العالم الطبيب المتصوف أبو الحسن علي بن خليفة بن يونس بن أبي القاسم بن خليفة عم الطبيب ابن أبي أصيبعة صاحب “عيون الأنباء في طبقات الأطباء“.

أرّخ عنه ابن أخيه ابن أبي أصيبعة في “عيون الأنباء في طبقات الأطباء“: ((هو أبو الحسن علي بن خليفة بن يونس بن أبي القاسم بن خليفة، من الخزرج من ولد سعد بن عبادة، مولده بحلب في سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وكان مولد أبي قبله في سنة خمس وسبعين وخمسمائة بالقاهرة المعزية، ونشأ أيضاً بالقاهرة واشتغلا بها وذلك أن جدي رحمه اللَّه كانت له همة عالية ومحبة للفضائل وأهلها، وله نظر في العلوم، ويعرف بابن أبي أصيبعة، وكان قد توجه إلى الديار المصرية عندما فتحها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكان في خدمته وخدمة أولاده، وكان من جملة معارف جدي وأصدقائه من دمشق جمال الدين أبي الحوافر الطبيب، وشهاب الدين أبو الحجاج يوسف الكحال وذلك أن مولد جدي كان بدمشق، ونشأ بها وأقام سنين كثيرة، فلما اجتمع بجمال الدين بن أبي الحوافر بمصر وبأبي الحجاج يوسف، وكان قد ترعرع أبي وعمي، وقصد إلى تعليمهما صناعة الطب لمعرفته بشرفها، وكثرة احتياج الناس إليها، وأن صاحبها الملتزم لما يحب من حقوقها يكون مبجلاً حظياً في الدنيا، وله الدرجة العليا في الآخرة، وترك أبي وعمي يلازمان ذينك الشيخين ويغتنمانهما، فلازم أبي أبا الحجاج يوسف واشتغل بصناعة الكحل، وباشر معه أعمالها، وكان أبوالحجاج يكحل في البيمارستان ذلك الوقت في السقطين أسفل القاهرة، وكان جدي يسكن إلى جانبه، فبقي أبي ملازماً لأبي الحجاج يوسف ومتعلماً منه إلى أن أتقن صناعته، وقرأ أيضاً على غيره من أعيان المشايخ الأطباء في ذلك الوقت بمصر مثل الرئيس موسى القرطبي صاحب التصانيف المشهورة ومن هو في طبقته، ولازم عمي لجمال الدين ابن أبي الحوافر واشتغل عليه بصناعة الطب، وأول اشتغال عمي بالعلم أنه كان عند تقي المعلم، وهو أبو التقي صالح بن أحمد إبراهيم بن الحسن بن سليمان العرشي المقدسي، وكان هذا تقي يعرف علوماً كثيرة، وكانت له سيرة حسنة في التعليم في الكتب، وسياسة مشهورة عنه لم يكن أحد يقدر عليها إلا هو، ولما أتقن عمي رحمه اللّه حفظ القرآن عند تقي وعلم الحساب، وشرع في تعلم صناعة الطب والنظر فيه لازم جمال الدين بن أبي الحوافر، وكان في ذلك الوقت رئيس الأطباء بالديار المصرية، وصاحبها الملك العزيز عثمان بن عبد الملك الناصر صلاح الدين، وقرأ عليه شيئاً من كتب جالينوس الستة عشر، وحفظ منها الكتب الأولية في أسرع وقت.

ثم باحث الأطباء ولازم مشاهدة المرضى بالبيمارستان، ومعرفة أمراضهم، وما يصف الأطباء لهم، وكان فيه جماعة من أعيان الأطباء، ثم قرأ في أثناء ذلك علم صناعة الكحل، وباشر أعمالها عند القاضي نفيس الدين الزبير،وكان المتولي للكحل في ذلك الوقت في البيمارستان، وكذلك أيضاً باشر معه في البيمارستان أعمال الجراح، وكان الشيخ موفق الدين عبد اللطيف بن يوسف البغدادي يومئذ في القاهرة، وكان صديقاً لجدي وبينهما مودة أكيدة فاشتغل عمي عليه بشيء من العربية والحكمة، وكان يبحث معه في كتب أرسطوطاليس ويناقشه في المواضع المشكلة منها وكان يجتمع أيضاً بسديد الدين، وهو علامة في العلوم الحكمية، ويشتغل عليه. وكان أيضاً قبل ذلك قد اشتغل بعلم النجوم على أبي محمد بن الجعدي، وكان هذا الشيخ فاضلاً في علم النجوم متميزاً في أحكامه، وكان لحق الخلفاء المصريين، ويعد من الخواص عندهم، وكان أبوه من أعيان الأمراء في دولتهم، وأما صناعة الموسيقا فكان قد أخذها عن ابن الديجور المصري، وعن صفي الدين أبي علي بن التبان، ثم بعد ذلك أيضاً اجتمع بأعيان المصنفين في هذا الفن مثل البهاء المصلح الكبير وشهاب الدين النقجوني وشجاع الدين بن الحصن البغدادي ومن هو في طبقتهم وأخذ عنهم كثيراً من تصانيف العرب والعجم، ولم يكن لعمي دأب في سائر أوقاته من صغره إلا النظر في العلوم والاشتغال، وتكميل نفسه بالفضائل، ولما عاد جدي إلى الشام وانتقل إليها، وذلك في سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وكان لعمي في ذلك الوقت من العمر نحو العشرين سنة، شرع عمي في معالجة المرضى والتزيد في صناعة الطب، وكان في دمشق الشيخ رضي الدين يوسف بن حيدرة الرحبي، وكان كثير الصداقة لجدي من السنين الكثيرة، وسمع بعمي ولما شاهده ورأى تحصيله فرح به، وبقي عمي يحضر مجلسه ويقرأ عليه، ويبحث معه في صناعة الطب، وباشر المرضى في البيمارستان الذي أنشأه الملك العادل نور الدين ابن زنكي وكان فيه من الأطباء موفق الدين بن الصرف، والشيخ مهذب الدين عبد الرحيم ابن علي.

واشتغل أيضاً بالحكمة في ذلك الوقت على موفق الدين عبد اللطيف بن يوسف البغدادي، لأنه كان أيضاً قد عاد إلى الشام، وكان بدمشق أيضاً جماعة من أهل الأدب ومعرفة العربية مثل زين الدين بن معطي فلازمه واشتغل عليه، مثل تاج الدين بن حسن الكندي أبي اليمن، وكان صديقاً لجدي، وبينهما مودة سالفة من عند عز الدين فرخشاه، فلازمه عمي أيضاً واشتغل عليه بالعربية، وأتقن عمي هذه العلوم بأسرها، وصار شيخاً يقتدى به في صناعة الطب، ويشتغل عليه بها، وله من العمر دون الخمس وعشرين سنة وكان أيضاً يشعر ويترسل، وكان يتكلم بالفارسية ويعرف تصاريف لغة الفرس وينظم شعراً بالفارسي، وكان أيضا يتكلم بالتركي، ولما كان في يوم الجمعة خامس عشر شهر رمضان سنة خمس وستمائة، استدعاه السلطان الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي بكر ابن أيوب وسمع كلامه، وحسن موقعه عنده وأنعم عليه، وأمر أن ينتظم في خدمته فاتفقت تعاويق من حركات السلطان، وبعد ذلك بأيام سمع به صاحب بعلبك، وهو الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه ابن عز الدين فرخشاه بن شاهان شاه بن أيوب، فبعث إليه يستدعيه ويستدعي جدي لأنه كان يعرفه من عهد أبيه، فلما وصلا إليه تلقاهما وأحسن إليهما غاية الإحسان، وأطلق لهما الجامكية، والجراية والرتب، وحسن موقع عمي عنده جداً حتى كان لا يفارقه في أكثر أوقاته، ولما رأى علمه بالحساب، وجودة تصرفه فيه، طلب منه يريه شيئاً من الحساب فامتثل أمره، وعرفه جملة منه، وألف له كتاباً في الحساب يحتوي على أربع مقالات، وكان للملك الأمجد رحمه اللَّه نظر في الفضائل، ورغبة في أهلها، وينظم شعراً جيداً وله ديوان مشهور.

ولما كان في سنة تسع وستمائة مرضت عيني خادم يقال له سليطة للسطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب وهو يعزه كثيراً، وتفاقم المرض في عينيه حتى هلكت ويئس منها، ورآه المشايخ من الأطباء والكحالين، وكل عجز عن مداواته، وأجمعوا أنه قد عمي، وأن المداواة لم يبق لها فيه تأثير أصلاً، لما رآه أبي وتأمل عينيه قال أنا أداوي عيني هذا ويبصر بهما إن شاء اللّه تعالى، وشرع في مداواته وفي علاجه، وعيناه في كل وقت تصلح حتى كملت عافيته وبرأ برءاً تاماً، وركب وعاد إلى ما كان عليه أولاً حتى كان يتعجب منه، وظهرت منه في مداواته معجزة لم يسبق إليها فأحسن الملك العادل ظنه به كثيراً، وأكرمه غاية الإكرام من الخلع وغيرها، وكان له قبل ذلك أيضاً تردد إلى الدور السلطانية بالقلعة بدمشق وداوى بها جماعة كانت في أعينهم أمراض صعبة فصلحوا في أسرع وقت. وعرف بذلك أيضاً الملك العادل وقال مثل هذا يجب أن يكون معي في السفر والحضر، وطلبه للخدمة فسأل أن يعفى، وأن يكون مقيماً بدمشق فلم يجبه إلى ذلك، وأطلق له جامكية وجراية، واستقرت خدمته له في خامس عشر ذي الحجة سنة تسع وستمائة، وكان حظياً عنده وعند جميع أولاده الملوك ويعتمدون عليه في المداواة وله منهم الإحسان الكثير والافتقاد التام، ولم يزل في الخدمة إلى أن توفي الملك العادل رحمه اللَّه وملك دمشق بعده الملك المعظم فأمر أن يستمر في خدمته، وكان له فيه أيضاً من حسن الاعتقاد والرأي مثل أبيه وأكثر وخدم الملك المعظم لاستقبال صفر سنة ست عشرة وستمائة، ولم يزل في خدمته إلى أن توفي الملك المعظم رحمه اللَّه، ورسم الملك الناصر داود ابن الملك المعظم بأن يستمر في خدمته، وأن يجري له ما كان مقرراً في أيام والده، فبقي معه إلى أن اتفق توجه الملك الناصر إلى الكرك، فأقام أبي بدمشق وصار يتردد إلى القلعة لخدمة الدور السلطانية لكل من ملك دمشق من أولاد الملك العادل وغيرهم، وكلهم يرون له ويعتمدون عليه في المداواة، وله الجامكية والجراية والإنعام الكثير، ويتردد أيضاً إلى بيمارستان نور الدين الكبير وله الجامكية والجراية، والناس يقصدونه من كل ناحية لما يجدون في مداواته من سرعة البرء، وأن أمراضاً كثيرة مما تكون مداواتها بالحديد يبرئها بذلك على أجود ما يمكن ومنها ما يعالجها بالأدوية ويبرئها بها ويستغني أصحابها عن الحديد، وهذا المعنى قد مدحه جالينوس في كتابه في محنة الطبيب الفاضل وقال رأيت طبيباً يبرئ بالأدوية الأدواء التي يبرئها المعالجون بالحديد بالقطع فعد ذلك على أن له علماً ودربة وحذقاً، قال وأحمد أيضاً من رأيته يبرئ بالأدوية وحدها من أدواء العين ما يعالجه غيره بالقطع، مثل الظفرة والجرب والبرد والماء والغلظ والشعر وزيادة اللحم الذي في المآقي ونقصانه، وأحمد أيضاً من رأيته حلل من العين مادة محتقنة فيها بسرعة، أو رد الطبقة التي يقال لها العنابية بعد أن نتأت نتوءاً كثيراً إلى موضعها حتى لطئت، أو ظهر منه غير ذلك مما هو شبيه في علاج العين بغير حديد، هذا نص جالينوس، وقد رأيت كثيراً من ذلك وأمثاله قد تأتى لأبي في المداواة وكثيراً أيضاً من أمراض العين التي قد يئس من برئها قد صلحت بمداواته، كما قال فيه بعض من عالجه وبرأ على يديه وهو شمس العرب البغدادي :

لسديد الدين في الطب يد لـم

 

تزل تنقذ طرفاً مـن قـذى

كم جلت عن مقلة من ظلمة

 

وأماطت عن جفون من أذى

لا يعاني طب عين في الورى

 

قط إلا حـاذق كـان كـذا

يا مسيح الوقت كم من أكمـه

 

بك أضحى مبصراً ذاك وذا

فبآرائك للداء دوا وبـألـفـا

 

ظك لـلــروح غـــذا

لك عندي منـن لـو أنـنـي

 

شاكر أيسـرهـا يا حـبـذا

وشمس العرب هو أبو محمد عبد العزيز بن النفيس بن هبة اللّه بن وهبان السلمي، ولم يزل أبي متردداً إلى الخدمة بقلعة دمشق وإلى البيمارستان الكبير النوري إلى أن توفي رحمه اللّه، وكانت وفاته في ليلة الخميس الثاني والعشرين من ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وستمائة، ودفن ظاهر باب الفريدس في طريق جبل قاسيون، وذلك في أيام الملك الناصر يوسف بن محمد صاحب دمشق، ولما كان عمي عند الملك الأمجد، وأتى إلى بعلبك الملك المعظم لنجدة الملك الأمجد عند عداوته الإسبتار، واجتمعوا كان عمي يجتمع معهم، ولم يكن في زمانه من يعرف الموسيقا واللعب بالعود مثله، ولا أطيب صوتاً منه، حتى أنه شوهد من تأثر الأنفس عند سماعه مثل ما يحكى عن الفارابي، فكثر إعجاب الملك المعظم به جداً وبعد ذلك أخذه إليه واستمر في خدمته من أول جمادى سنة عشر وستمائة، وأطلق له الجامكية والجراية، ولم يزل يواصله بالافتقاد والإنعام، ولا يفارقه في أكثر أوقاته، وكان يعتمد عليه في صناعة الطب، وكذلك كان الملك الكامل محمد والملك الأشرف يعتمدان عليه، وإذا حضر أحدهما عند أخيه الملك المعظم لا يزال عندهما، وكان له منهما الإنعام الكثير،وأعرف مرة قد حضر الملك الكامل عند أخيه الملك المعظم، وكان عمي معهما، وكانوا في مجلس الأنس فأعطى الملك الكامل له في تلك الليلة خلعة كاملة، وخمسمائة دينار مصرية، ولما كان الملك المعظم بدمشق ندبه أن يتولى كتابة الجيش، وأكد عليه في ذلك، فلم يسعه إلا امتثال أمره، وقعد في الديوان وحضر عنده الجماعة والنواب، وشرع في الكتابة أياماً، ثم رأى أن أوقاته تمر بأسرها في الكتابة والحساب، ولم يبق له وقت لنفسه، ولاشتغاله في العلوم العقلية وغيرها، فطلب من السلطان أن يعفيه من ذلك، وتشفع إليه بجماعة من خواصه حتى أقاله.

ولما كان في سنة إحدى عشرة وستمائة حج الملك المعظم، وحج عمي معه، ولم يزل في خدمته إلى أن اتفقت نوبة عمنا في نصف شعبان سنة أربع عشرة وستمائة، وتقدمت الفرنج وتخالف الطريق بين السلطان الكبير الملك العادل وولده المعظم، فمضى عمي صحبة الملك العادل نحو دمشق، ومضى الملك المعظم نحو نابلس، ثم خرج عمي من دمشق صحبة الملك الناصر داود ابن الملك المعظم، ولما وصلوا عجـلون أمر برجوع ولده فرجعوا، وبعد ذلك مرض عمي مرضاً وطال إلى آخر السنة المذكورة فرأى أن الحركة تضره، وهو بالطبع يميل إلى الانفراد والاشتغال بالكتب، استدعاه الملك العادل أبو بكر بن أيوب لما سمع بتحصيله وسيرته، وذلك في الخامس من المحرم سنة خمس عشرة وستمائة وولاه طب البيمارستانين بدمشق اللذين وقفهما الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، فكان يتردد إليهما وإلى القلعة، وقرر له جامكية وجراية، وأطلقت له أيضاً ست الشام أخت الملك العادل جامكية في الطب، وكان يتردد إلى دارها.

ولما أقام بدمشق وجعل له مجلساً عاماً لتدريس صناعة الطب، واشتغل عليه جماعة، وكلهم تميزوا في الطب، وكان يجتمع في ذلك الوقت مع علم الدين قيصر بن أبي القاسم بن عبد الغني، وهو علامة وقته في العلوم الرياضية فقرأ عليه علم الهيئة، وأتقنها في أسرع وقت، ولقد كان علم الدين يوماً عنده،وهو يريه أشكالاً في علم الهيئة وقال له وأنا أسمع واللّه يا رشيد الدين هذا الذي قد علمته في نحو شهر دأب غيرك في خمس سنين حتى يعلمه، واجتمع أيضاً عمي في دمشق بالسيد الإمام العالم شيخ الشيوخ صدر الدين بن حمويه، وألبسه خرقة التصوف، وذلك في العشرين من شهر رمضان سنة خمس عشرة وستمائة، وهذه نسخة ما كتبه له معها بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما أنعم به المولى السيد الأجل، الإمام العالم، شيخ الشيوخ، صدر الدين، حجة الإسلام، علم الموحدين، أبو الحسن محمد ابن الإمام السيد الأجل العالم، شيخ الشيوخ عماد الدين أبي حفص عمر بن أبي الحسن بن محمد بن حموية، أدام اللّه تأييده، من إلباس خرقة التصوف على مريده علي بن خليفة بن يونس الخزرجي الدمشقي وفقه اللّه على الطاعات، ألبسه وأخبره أنه أخذها عن والده المذكور رحمه اللّه، وأن والده أخذها عن أبيه شيخ الإسلام معين الدين أبي عبد اللّه محمد بن حموية رحمه اللّه، وأنه أخذها عن الخضر عليه السلام، والخضر عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وأخذها جده أيضاً عن الشيخ أبي علي الفارندي الطوسي، وأخذها المذكور عن شيخ وقته أبي القاسم الكركاني وأخذها أبو القاسم عن الأستاذ الإمام أبي عثمان المغربي، وأخذها أبو عثمان عن شيخ الحرم أبي عمرو الزجاجي، وأخذها المذكور عن سيد الطائفة الجنيد بن محمد، وأخذها الجنيد عن خاله سري السقطي، عن معروف الكرخي، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام، وصحيه وتأدب به، وخدمه، وأخذ علي عن أبيه موسى بن جعفر الكاظم، عن أبيه جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه محمد بن علي الباقر، عن أبيه علي بن الحسين زين العابدين، عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام، وأخذها علي كرم اللّه رجهه عن سيد المرسلين وإمام المتقين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، وأخذ معروف أيضاً عن داود الطائي، عن حبيب العجمي عن سيد التابعين الحسن البصري عن علي عليه السلام، عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وكان لباسه الخرقة أعاد اللّه عليه من بركاتها، وعلى جميع من تشرف بها في العشرين من شهر رمضان سنة خمس عشرة وستمائة بدمشق المحروسة. وبين الأسطر بخط المولى صدر الدين شيخ الشيوخ ما هذا مثاله ألبست الخرقة للمذكور وفقه اللّه تعالى، وكتب ابن حمويه أبو الحسن بن عمر بن أبي الحسن بن محمد في شهر رمضان سنة خمس عشرة وستمائة، حامداً لربه ومصلياً على رسوله، ومستغفراً من ذنوبه، ولما كان في سنة ست عشرة وستمائة ، وصل إلى عمي كتاب من الملك الصالح إسماعيل ابن الملك العادل بخطه، وهو يطلب منه أن يتوجه إليه إلى مدينة بصرى ليعالج والدته، ومرضى أُخر عنده ويعود، وكان قد عرض في بصرى وباء عظيم فتوجه إليه وعالج والدته، فصلحت في مدة يسيرة، وأنعموا عليه بالذهب والخلع، وعرضت لعمي حمى حادة فعاد إلى دمشق، ولم يزل المرض يتزايد به، وأعيان الأطباء ومشايخهم يلازمونه إلى أن انقضت مدة حياته، وكانت وفاته رحمه اللّه في الساعة الثانية من يوم الاثنين سابع عشر شعبان سنة ست عشرة وستمائة، وله من العمر ثمان وثلاثون سنة، ودفن عند أبيه وأخيه في ظاهر باب الفراديس، ومن كلامه في الحكمة، مما سمعته منه، رحمه اللّه، فمن ذلك وصية أول النهار قال قد أقبل هذا النهار وأنت فيه مهيأ لكل فعل، فاختر لنفسك أفضلها لتوصلك إلى أفضل الرتب، وعليك بالخير فإنه يقربك من اللّه ويحببك إلى الناس، وإياك والشر فإنه يبعدك عن اللّه ويبغضك إلى الناس، وافعل ما تحاسب نفسك عليه عند انقضاء هذا النهار، والحذر من أن يغلب شرك على خيرك، وليس الفاضل من بقي على حالة الطبيعية مع عدم المؤذيات بل الفاضل من بقي عليها مع وجود المؤذيات، والانقطاع عن الناس أكبر مانع للأذى، واقبل وصايا الأنبياء، واقتد بأفعال الحكماء، وعليك بالصدق فإن الكذب يصغر الإنسان عند نفسه فضلاً عن غيره، واحلم تشكر، وتفضل فإن الحقد يعجل الهم، ويوقع في العداوات والشرور، وكذلك الحسد، وتجنب الأشرار تكفَ الأذى، وابعد عن أرباب الدنبا تكفَ الأشرار، واقنع من دنياك بما تدفع به ضرورة بدنك، واعلم أن نهارك هذا قطعة تذهب من حياتك، فأنفقها فيما يعود عليك نفعه، وإذا اندفعت ضرورة بدنك اقض باقي نهارك في مصلحة نفسك، وافعل بالناس ما تشتهي أن يفعلوه بك، وإياك والغضب والمبادرة إلى الانتقام من المغضب أو الانفصال عنه، فإنه ربما أوقع في الندم، وعليك بالصبر فإنه رأس كل حكمة.

وصية أول الليل قد انقضى نهارك بما فيه، وأقبل عليك هذا الليل، وليس لك فيه فعل بدني ضروري، فاعطف على مصلحة نفسك بالاشتغال في العلم، والفكر في الاطلاع على الحقائق، ومهما استطعت اليقظة في ذلك فافعل، فإذا أردت النوم فاجعل في نفسك ملازمة ما أنت فيه لتكون رؤياك من هذا الجنس، وافعل ما تحاسب نفسك عليه عند الصباح، واحرص أن تكون في غدك أفضل من يومك المنقضي، وإياك أن تجدبك الطباع إلى الفكر فيما عاينته في نهارك من أحوال أرباب الدنيا فتضيع وقتك، وتنفتح لك أبواب الخداع والحيل والمكر في تحصيل أمور الدنيا، وتظلم نفسك، وتفسد حالك، وتبعد عن الحقائق، وتكتسب الأخلاق المذمومة، ويعسر تخلصك منها، لكن اعلم أن هذه أعراض زائلة لا فائدة فيها، وإن ضرورات الإنسان قليلة جداً، وفكر فيما يعود على نفسك نفعه، وتهيأ للقاء اللّه فإن علمك بموتك متى يكون، مستوراً عنك، وما جاؤوك في أن يأتي يوم آخر عليك أقوى من وهمك أن تموت في هذه الليلة، فودع بالثبات على ما تنتفع به بعد المفارقة، والسلام.

وقال احترم المشايخ ولو سكتوا عن جواب سؤالك، فلعل ذلك لبعد العهد وكلال القوى، أو لأنك سألت عما لا يعنيك، أو معرفتهم بعجز فهمك عن الجواب، واعلم أن فوائدك منهم أكثر من ذلك.

وقال اشتغل بكلام المشهورين الجامعة أولاً، فإذا حصلت الصناعة، فاشتغل بالكتب الجزئية من كلام كل قائل عارياً عن محبة أو بغضة، ثم زنه بالقياس، وامتحنه إن أمكن بالتجربة، وحينئذ اقبل الصحيح، وإن أشكل فأشرك غيرك فيه، فإن لكل ذهن خاصية بمعان دون معان.

وقال إذا أقدمك الأفاضل تقدم، وإلا تأخرت.

وقال اطلب الحق دائماً تحظ بالعلم لنفسك، وبالمحبة من الناس.

وقال طابق أعمالك الجزئية ما في ذهنك من القانون الكلي يتيقن علمك، وتجود تجربتك، وتتأكد تقدمة معرفتك، وتكثر منافعك من الناس. وقال اشتغل من الكلام بما قصد قائله التعليم، فإذا حصلت الصناعة فأكدها بالاشتغال بكلام محبي الحق مبطلي الباطل، فإذا تبرهن علمك وتيقن بحيث لا تقدح فيه الشكوك، لا يضرك حينئذ في بعض أوقاتك مطالعة كتب المتشككين والجدليين، فإن قصدهم إظهار قوتهم فيما يدعونه، سواء كانوا يعلمونه علماً يقينا أم لا، وسواء كان ما يدعونه حقاً أم باطلاً .

وقال إذا تطببت فاتق اللّه، واجتهد أن تعمل بحسب ما تعلمه علماً يقيناً، فإن لم تجد فاجتهد أن تقرب منه.

وقال إذا وصلت إلى رتبة المعلمين فلا تمنع مستحقاً وهو العاقل الذكي الخير الحكيم النفس، وامنع من سواه.

وقال إذا رأيت أدوية كثيرة لمرض واحد فاختر أوفقها في حال حال.

وقال الأمراض لها أعمار، والعلاج يحتاج إلى مساعدة الأقدار، وأكثر صناعة الطب حدس وتخمين، وقلما يقع فيه اليقين، وجزآها القياس والتجربة، لا السفسطة وحب الغلبة، ونتيجتها حفظ الصحة إذا كانت موجودة، وردها إذا كانت مفقودة، وفيهما يتبين سلامة الفطر، ودقة الفكر، ويتميز الفاعل عن الجاهل، والمجد في الطلب عن المتكاسل، والعمّال بمقتضى القياس والتجربة، عن المحتال على اقتناء المال وعلو المرتبة.وقال إن بالعلم من الطول وعسر الحصول، ولو سلك فيه الإيجاز والبيان جهد الإمكان، مع طول الأعمار ودقة الأفكار، وتعاون البشر وسلامةالفطر، ما يعجز الناظر ويذبذب الخطر.وقال انظر إلى أفعال الطبيعة إذا لم يعقها عائق، واقتد بها في أفعالك.وقال ما أحسن الصبر لولا أن النفقة عليه من العمر.وقال كلما انتظر الشيء استبعد زمانه، واستقل مقداره.وقال الخير منتظر، فالظن فيه قليل.وقال الظلم في الطباع، وإنمايترك خوف معاد، أو خوف سيف.وقال لا تتم مصلحة إلا بمفاسد. وقال القاصدون مصالحهم أكثر من المشفقين على مخلوقات اللّه تعالى بأضعاف مضاعفة.وقال إن شئت المقام بين الناس مظلوماً فاحترز منهم،أو غير مظلوم فاظلمهم، وأما الحال الوسطى فلا تطمع بها.وقال الانقطاع أفضل أوقات الحياة وقال الانقطاع أفضل السير، وقال الانقطاع نتيجة الحكمة.وقال الأردياء يطلبون مع من يفنون نهارهم في الحديث واللهو والبطالة، وأنهم متى خلوا بأنفسهم تألموا مما يجدونه في أنفسهم من الرداءة، والأخيار على خلاف ذلك لأنهم يأنسون بأنفسهم.وقال أصل كل بلية الرغبة في الدنيا، وقال طالما يلي الناس عن مصالحهم لتشبثهم بالدنيا ففاتتهم. وقال عجبي لمن لا يعلم متى يموت ويعتقد سعادة وشقاء على أي حال كانت كيف يركن إلى الدنيا ويهمل المهم من أمره، وقال ما أكثر الملتذين بالآمال من غير الشروعفي بلوغها.وقال الآمال أحلام اليقظان. وقال لكل وقت أشغال كثيرة فليفعل فيه أهمها. وقال كيف حال من يهمل مهماته في أوقاتها مؤملاً أن ستأتي أوقات أخرى لها مدافعاً من كل وقت إلى غيره، إلى أن يموت مؤملاً، وقال ما دمت في حال تقدر على تدبير جسدك ورياضة نفسك، بحسب استعدادهما، غير مقتر ولا مسرف فلا تنتقل إلى غيره، فإن لك محركاً لو رمت السكون لما أمكنك، وكم من متنقل إلى حال خالها أفضل ألفاها أخس، وقال لا تعاد السعيد فضد السعيد الشقي، وقال إن ألقى كلِّ من عدوين همته على الآخر أسعدهما جداً يقهر عدوه، ولذلك أمر بإجماع الهمم عند طلب الأمور العظيمة لتقوم مقام الهمة الواحدة المعانة بالتأييد السماوي، وقال احرص على اتخاذ الناس إخواناً، وإياك وسهام الهمم فإنها صائبة، وقال احذروا أذية العلماء فإنهم آل اللّه، وقال ما ظلم ذو علم حقيقي إلا كشف اللّه ظلامته ونره، وخذل ظالمه قريباً، وقال إن للّه أحباباً يحرسهم بعينه التي لا تنام هم العلماء، وقال العلماء هم السعداء على الحقيقة، وقال سعداء الدنيا على اصطلاح الجمهور، ما لم تصدر عنهم الخيرات فهم الأشرار، وقال قد ينطق إنسان في وقت ما بالحكمة، فإذا طلب من نفسه ذلك في وقت آخر لم يجده، وقال من صاحب الجهال على جهالتهم، وجذبه حب الدنيا إلى الحضور في مجالسهم فناله شرهم فليسلم نفسه، وقال أصلح الميزان ثم زن به، وقال إذا صرت ذا عقل هيولاني صرت إنساناً بالفعل بقول مطلق، وقال ثق بعلمك إذا لم يقدح فيه الاعتراض، وقال نعم الرأي الواحد، وقال نعم الرأي المتناسب، وقال العمل في الرأي بحسب غاية تصدر به، لا بحسب المصلحة المطلقة، وقال نعم الرأي الحادث بين المستشير الصادق، والمستشار الأمين العاقل، وقال لا تثق إلا بمعتقد في شيء ما يرجوه، ويخافه متيقن أنه لا حق إلا اعتقاده، فأما الشاك فيما يعتقده، أو من لا يعتقد شيئاً البتة فلا تثق به، ولا تتخذه صاحباً، وذلك المعتقد المتيقن اعتقاده إن كان غير أهل ملتك فاحذره أيضاً لأنه يعتقد فيك الكفر بمعتقده فيتخذك عدواً فيفعل بك فعل الأعداء، وقال ثق بالدين من أهل دينك، وقال تيقن أن صحة الاعتقاد سبب لملازمة الأعمال الدينية وملازمة الأعمال الدينية قد تكون دليلاً على تيقن صحة الاعتقاد؛ وقد يفعلها فاعلها تابعاً لغيره، غير عالم بشيء آخر؛ وقد يفعلها تقية، وعلامتها إذا كانت تابعة لتيقن صحة الاعتقاد ظهور الآثار الإلهية عليها، وعدل سائر سيرة فاعلها من نفسه مع جميع المخلوقات،  وقال الحرية نعم العيش، وقال القناعة باب الحرية، وقال من قدر على العيش الكفاف بحسب ضروراته، ثم ملك نفسه لغير رغبة في فضول العيش فهو أحمق الحمقاء، وقال ما أقل ضرورات الإنسان لو أنصف نفسه، وقال، اجتنب الإلف بأهل الدنيا فإنهم يشغلونك إن وجدتهم، ويحزنونك إن فقدتهم، وقال اصحب عند ضجرك من تبعدك صحبته مما كنت فيه، وقال فقد الخليل مؤذن بالرحيل، وقال الحكيم إن أسأت إليه أو توهم أنك أسأت إليه وإن لم تسيء، فقد تنتفع عنده بالتنصل إن كنت بريئاً وبالاعتذار إن كنت مسيئاً، فأما الحقود فمتى أشعرت بأنه توهم منك إساءة، عدم نفع أو مخالفة أمر، فاحذره فإنه لا يزال في خاطره التدبير في أذيتك، وقال الأصدقاء كنفس واحدة في أجساد متفرقة، وقال الطبيب مدبر لبدن الإنسان من حيث هو مقارن لنفسه،و لا من حيث هو بدن إنسان بالقول المطلق، وهذا التركيب من أشرف التراكيب فينبغي أن يكون معانيه من أشرف الناس، وقال المال مغناطيس أنفس الجهلاء، والعلم مغناطيس أنفس العقلاء، وقال رأيت الجهلاء يعظمون أرباب الأموال، مع تيقنهم أنهم لا ينيلونهم منه شيئاً إلا ثمن متاع، أو أجرة صناعة، كما ينالونه من الفقراء، وقال خير العلماء من ناسب علمه عقله، وقال إذا أمكن الانقطاع من الناس بأقل المقنعات فهو أفضل الأحوال، وقال إذا كنت تشفق على مالك فلا تنفق شيئاً منه إلا في المهم، فأحرى أن تفعل ذلك في عمرك، وقال الحكمة الاقتداء باللَّه تعالى، وقال إنما يطلع الإنسان على عيوب نفسه من اطلاعه على عيوب الناس، وقال إذا لزمت نفسك الخلق الجميل فكأنك أكرمتها غاية الكرامة، وذلك أنك إذا لم تغضب مثلاً والناس كلهم يغضبون فأنت أفضل الناس من هذا الوجه، وقال بقدر ما لكل ذات من الكمال لها من اللذة؛ بقدر ما في كل ذات من النقص فيها من الألم، وقال أكثر من مطالعة سير الحكماء واقتد منها بما يمكن الاقتداء به في زمانك، وقال قو نفسك على جسدك، وقال أصلح كيفية الغذاء واقتصد في كميته، وقال اكتف من غذاء الجسم بما يحفظ قواه، وإياك والزيادة فيها واستكثر من غذاء النفس، وقال غذاء النفس بالعلوم على التدريج فابتدئ بالسهل القليل وتدرج، فإنها تشتاق حين تقوى، وتعتاد إلى الصعب الكثير، فإذا صار لها ملكة سهل عليها كل شيء، قال المعدة القوية تهضم جميع ما يرد إليها من أنواع الأغذية؛ والنفس الفاضلة تقبل جميع ما يرد عليها من العلوم، وقال ما لم تطق التوحد فأنت مضطر إلى مصاحبة الناس، وقال صاحب الناس بما يرضيهم، ولا تطرح جانب اللَّه تعالى، وقال كتب بعضهم إلى شيخه يشكو تعذر أموره فكتب إليه إنك لن تنجو مما تكره حتى تصبر عن كثير مما تحب؛ ولن تنال ما تحب حتى تصبر على كثير مما تكره، والسلام، وقال اشكر المحسن ومن لا يسيء، واعذر الناس فيما يظهر منهم ولا تلمهم، فلكل من الموجودات طبع خاص، وقال، استحسن للناس ما تستحسنه لنفسك، واستقبح لنفسك ما تستقبحه لهم، وقال لا تخل فعلاً من أفعالك من تقوى اللَّه تعالى، وقال أطع اللَّه محقاً يطعك الناس، وقال لا شيء أنجع في الأمور من الهمة الصادقة، وقال خذ من كل شيء ما يوصلك إلى الغاية التي وضع من أجلها، وقال كل مايحصل بالعرض فلا تثق به،وقال اخضع للناس وخاصة العلماء والمشايخ، ولا تزدر أحداً، فطالما كتم العالم علمه ليتخير له من يودعه إياه كما يتخير الفلاح الأرض، وقال اشتغل من كل علم بكلام أربابه الأول، وقال استكثر من العناية بالكتب الإلهية المنزلة ففيها كل حكمة، وقال أكثر من صحبة المشايخ فإما أن تستفيد من علمهم وإما من سيرتهم، وقال إذا تأملت حركات الفضلاء وسكناتهم وجدت فيها حكماً جمة، وقال رأيت المهم عند أكثر الناس ما يجتلبون به المال، وقال ما أكثر ما يسمع الناس الوصايا النبوية والحكمية، ولا يستعملون منها إلا ما يجتلبون به المال، وقال ما أشد ركون الناس إلى اللذات الجسمانية، وقال لا تخل وقتك الحاضر من الفكر في الآتي، وقال من لم يفكر في الآتي أتى قبل أن يستعد له، وقال القناعة سبب كل خير وفضيلة، وقال وبالقناعة يتوصل إلى كل مطلوب، وقال القانع مساعد على بلوغ مآربه، وقال اقصد من الكمال الإنساني الغاية القصوى، فإن لم يكن في قوتك الوصول إليها فإنك تصل إلى ما في قوتك أن تصل إليه، وإذا قصدت الكمال التالي لكمالك آملاً إذا وصلته أن تقصد ما يليه، فربما ركنت إلى الراحة وقنعت بدون ما تستحقه، وقال احرص على أن لا تخل بشيء من العبادات البدنية فإنها نعم المعين الموصل إلى العبادات النفسانية، وقال كفى بالوحدة شرفاً أن اللَّه تعالى واحد، وقال كلما تمحضت الوحدة كانت أشرف، لأن وحدة اللَّه تعالى لا يشوبها كثرة من وجه أصلاً، وقال اعتصم باللّه تعالى، وتوكل عليه، وثق به محقاً، يحرسك ويكفيك كل مؤونة، ولا يخيب لك ظناً، وقال اجعل الملة عضدك، وأهلها إخوانك، ولا تركن إلى الدول، فإن الملل هي الباقية، وقال عود نفسك الخير علماً وعملاً تلق الخير من اللَّه تعالى، ومن الناس عاجلاً وآجلاً، وقال لا تطمع بالانقطاع ما دام لك أدنى طمع، وقال لو وقف الضعيف عند قدره لأمن كثيراً من الأخطار، وقال ليت شعري بما أعتذر إذا علمت ولم أعمل، أرجو عفو اللَّه تعالى، ومن شعره وهو مما سمعته من لفظه رحمه اللّه فمن ذلك قال:

يا صاحبي سلا الهوى وذرانـي

 

ماذا تريدا من مشوق عـانـي

لا تسألاه عن الفراق وطعـمـه

 

إن الفراق هو الممات الثانـي

نادى الحداة دنا الرحيل فودعـوا

 

ففجعت في قلبي وفي خلانـي

وسرت ركائبهم وقد غسق الدجى

 

فأضاء ممن سار في الأظعـان

ما كنت أعلم أن بعدك قاتـلـي

 

حتى فعلت وغرني سلـوانـي

وبكيت وجداَ بعد ذاك فلـم أجـد

 

أني وقد صار اللقـاء أمـانـي

وقال في صفة مجلس :

سقياً ليوم تم السـرور بـنـا

 

فيه وكأس الشمول تجمعنـا

والدهر ولت عنـا حـوادثـه

 

ونحن في لذة ونـيل مـنـى

بمجلس كامل الـمـحـاسـن

 

لو به يحل الجنيد لافتـتـنـا

فكاهة بيننا وفاكـهة وكـأس

 

راح وراحة وغـــنـــا

بين ندامى مثل الشموس لهـم

 

علم وفضل ورفعة وسـنـا

حديثهم لا يمل سامعه لطيبـه

 

الـعـين تـحـسـد الأذنـا

إخوان صدق صفت ضمائرهم

 

أولو عفاف لا يضمرون خنا

أهل سماح ما أن يزال لهـم

 

صنع له في الأنام طيب ثنـا

ننشد أغزالنا ونـلـغـزهـا

 

باسم غزال أضحى يغازلنـا

في يوم دجـن تـهـمــي

 

سحائبه كأنها كف رب منزلنا

وعند مـنـقـل تـلألأ فـي

 

أرجائه الناس فهي تدفـئنـا

تجـاهـه شـادن وفـي يده

 

طير كصب لديه ذاب ضنـا

كأنه إذ غدا يقلبه في الـنـار

 

قلبي الـذي قـد ارتـهـنـا

ظلت كؤوس المـدام طـاردة

 

للهم حيث السرور عكـرنـا

نسر ما بيننـا الـحـديث ولا

 

نبديه خوف الوشاة تسمعـنـا

فما ترانا عين لـذي بـصـر

 

إلا عيون الحباب ترمـقـنـا

وأطيب العيش ما نكـتـمـه

 

خوفاً وإن كان سرنا علـنـاً

يا يومـنـا هـل نـــراك

 

ثانية ببعلبك أم تعـود لـنـا

وقال أيضاً  :

أفدي رشيق القد لـيس لـه

 

في الحسن والإحسان من ند

وسنان، ما لجفون عاشـقـه

 

من رائد التسهيد، مـن بـد

وكأن ريقـتـه مـعـتـقة

 

مشمولة بالـمـاء والـنـد

لكنه أضحى يعـارضـنـي

 

بالهجر والإعراض والصد

فلأصبرن على ملالته فعسى

 

عليه تـصـبـري يجـدي

وقال أيضاً :

قد رق لي ورق الحمى في لعلع

 

بالنوح في الدوح ففاضت أدمعي

ناحـت مـراء مـن حـنــين

 

قلبها ونحت نوح ثاكل مفـجـع

ودعتهم ثم رجـعـت عـادمـاً

 

قلبي وهـم يا خـيبة الـمـودع

وقلت يا روحي بيني فلقد بانـوا

 

وإن لم يرجعوا لا تـرجـعـي

وقال لغزاً في أبو الكرام :

يا سائلي عمن لعينـي حـلا

 

فكر فقد جئتك بالمشـكـل

ذو تسعة تعـد لـهـا شـاء

 

في أعدادها فافهم ولا تغفل

وثامن الأحرف كالرابع المع

 

روف والـرابـع كـالأول

والسابع التاسع في خمـسة

 

وعشرة السادس فأظهره لي

وعشر ثانية إذا كـان فـي

 

خامسه كالثالث الأفـضـل

هذا اسم من أهوى فإن كنت

 

ذا معرفة فأخبر ولا تمطل

وقال لغزاً في أتش :

يا سائلي عن الأقمار تحكـيه

 

مهلاً فإني طول الدهر أخفيه

مركب الاسم من تاء ومن ألف

 

وسدس ثالثه نصف لثـانـيه

وأول الاسم عشر الياء فاصغ

 

لما أقول واكتمه إني لا أسميه

وقال :

حرم بعد القـوم آرابـه

 

صبُّ غدا يندب ما صابه

ودّع من يهواه ثم انثنـى

 

يعالج الموت وأسبـابـه

قال له صاحبه هـكـذا

 

جزاء من فارق أحبابـه

وقال أيضاً :

ثلاثون عاماً من حياتـي مـضـت

 

وما يئست ولا نولت بعض مطالبي

تعاندني الأيام عمداً وإنني صبـور

 

على البلوى منـيع الـجـوانـب

تقربت من حظي بكـل فـضـيلة

 

وفضل فجازاني بضيق المذاهـب

ألا إن يأس النفس أوفق للـفـتـى

 

وأطيب من نجوى الأماني الكواذب

وقال أيضاً :

هي الدنيا فلا تغتر منها

 

بشيء إنه عرض يزول

ولعمي رشيد الدين علي بن خليفة من الكتب كتاب الموجز المفيد في علم الحساب، أربع مقالات، ألفه للملك الأمجد صاحب بعلبك، وذلك في شهر صفر سنة ثمان وستمائة، وهم في المخيم بالطور، كتاب في الطب، ألفه للملك المؤيد نجم الدين مسعود بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وقد استقصى فيه ذكر الأمور الكلية من صناعة الطب، ومعرفة الأمراض وأسبابها ومداواتها، كتاب طب السوق، ألفه لبعض تلامذته وهو يشتمل على ذكر الأمراض التي تحدث كثيراً ومداواتها بالأشياء السهلة الوجود التي قد اشتهر التداوي بها، مقالة في نسب النبض وموازنته إلى الحركات الموسيقارية، مقالة في السبب الذي له خلقت الجبال، ألفها للملك الأمجد، كتاب الأسطقسات، تعاليق ومجربات في الطب)).

المرجع: عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة