حسن كامل الصباح

حسن كامل الصباح
1895- 1935م

حسن كامل بن علي الصّباح من مواليد مدينة النبطية، جنوب لبنان، ومن أسرةٍ متعلّمةٍ مؤمنةٍ. كان والده يعمل في تجارة الماشية. بدأ دراسته أوّلاً في الكتاب ثم انتقل إلى الإبتدائية في مدرسة النّبطية. ظهر اهتمام الصّباح بالرّياضيات والهندسة باكراً، وينقل عن والدته تذكرها لتجاربه الأولى، مثل نفخ البالون بالغاز وتطييره في السماء، وعمله كرة أرضية… وعن أحلامه، أنّه كان يخبرها بأنه يرغب في استخراج النّفط في بلاد العرب لتساعدهم في بناء حضارتهم.

درس الصّباح في بيروت في المدرسة الإعداديةـ السلطانية ـ وفيها برز تفوقه في الرّياضيات والعلوم، فأعجب بكُتُب الطبيعيات ومنها واحد للأشدودي، وبكتاب “الجبر” لفانديك. ثم دخل الكلية السورية الإنجيلية ـ الجامعة الأميركية ـ لكنّ صعوباتٍ ماليةً كادت تمنعه من المتابعة لولا تدخّل أصحابه لدى الإدارة، فأعفته منها بعد اكتشافها نوابغه. وفي الجامعة تابع مطالعاته في الفلك مطبّقاً ذلك على دراسته في الفيزياء. عام 1916، انخرط إلزامياً في الخدمة العسكرية العثمانية فالتحق بقسم اللاّسلكي وفيه اختلط بالمهندسين الألمان، فتعلم منهم اللّغة الألمانية وتابع معهم أبحاثه في الكهرباء، فرُقّي إلى مرتبة ملازم أول وتسلّم قيادة مفرزة التلغراف. وبعد انتهاء الحرب، غادر إلى دمشق فسكنها فترةً ثم انتقل إلى بيروت ليعمل مدرّساً وليشبع نهمه في متابعة التحصيل في الهندسة الكهربائيّة. فراسل مكتبة Teubaerفي برلين طالباً مجموعة كتبٍ علميةٍ. ثم رغب بالسفر إلى فرنسا لمتابعة تخصصه. ولما فشلت محادثاته مع المفوض السّامي الفرنسي، سافر إلى بوسطن وانتسب إلى جامعتها.

عام1921، كان حسن كامل الصباح في الولايات المتحدة الأميركية يتابع دراسته في الهندسة الكهربائية. لكن قلّة موارده المالية اضّطرته إلى ترك الدراسة فترةً والإلتحاق بشركة “جنرال إلكتريك” للعمل فيها. ثم انتسب ثانيةً إلى جامعة إلّلينوي لدراسة الرياضيات العليا، إلا أنه لم يكمل دراسته للأسباب نفسها، وعاد ليعمل مهندساً في شركة «جنرال الكتريك».

يتّضح من رسالةٍ للصّباح، كتبها إلى خاله، أنّه لم يكن حائزاً على شهادة الهندسة لكن الشّركة عيّنته مهندسًا. ويقول فيها: «… وذلك إثر إتمامي لآلة كهربائية تُسمّى المربّع الوحيد الكرة، والغرض منها إنارة المصابيح الكهربائية المسلسلة بنورٍ ثابتٍ مهما تعدّدت المصابيح، وسيظهر اسمي بمجلة الشّركة بعد شهرين… على أني أثبتُّ للشركة من دون شهادة… وقد رأيتم أن الشّركة اكتفت بذلك الكتاب “من الجامعة” من دون شهادة بل إني إذا انفصلت عنها الآن فإنها تعطيني شهادةً أني استُخدِمت فيها كمهندس ٍ. ولهذه الشّهادة اعتبار يفوق الشهادة الجامعية…».

تتالت اختراعات الصباح، لكن أحواله المالية بقيت سيئة لما ناله من موظفي الشركة من حسدٍ وتمييزٍ حال دون تقدمه، فضلاً عن أن الشّركة لم تكن تكافئه عن اختراعاته مع أنها كانت تجني منها أموالاً طائلةً. وحين صار يُكتَب عنه في المجلاّت العلمية وذاعت شهرته، اهتمّ به كل من أستاذ الكهرباء في جامعة ميلانو فراسله، وكذلك مجموعة “سيمنس” الألمانية، حتى إنه تلقى عرضاً من الإتحاد السّوفياتي، ولكنه لم يقبل بأي إغراء فالمختبر بالشّركة حيث يعمل كان يوفّر له ما يريد من آلات ومساعدة، وإن كانت الشركة تقتر عليه في رواتبه.

من أهم اختراعاته صنعه جهازاً للتلفزة يخزّن أشعة الشمس ويحولها إلى تيار وقوة كهربائية، وقد سُجِّل هذا الإختراع في دائرة التّسجيل بواشنطن تحت رقم1747988 ، في 18 شباط1930 م. كما سُجِّل أيضاً في إحدى عشرة دولة أخرى، ويعتبر هذا الإختراع من أهمّ اختراعات الصّباح، لأنه فتح أمام العلماء والمخترعين أبواباً مغلقةً. فهذه الأشعة الشمسية التي تتلقاها الكرة الأرضية والتي تذهب هدراً وخصوصاً أنّ في الصّحاري الشّاسعة يمكن استخدامها في سبيل خدمة الإنسان وسعادته. فكّر الصّباح في استخدام هذه الأشعة واقتنع رياضياً بإمكانية استخدام النور وتحويله إلى طاقة كهربائية. ومن ثم ابتدأ تجاربه العلمية التطبيقية. وبعد ستّة أشهر قضاها في التجارب والإختبارات استطاع في 17 كانون الثاني عام 1930 أن يتوصل إلى صنع جهازٍ للتّفلزة يحتوي على بطارية كهربائية ثانوية تتألف من سبع صفائح تشكل فيما بينها ثلاثة خزانات للكهرباء. ووضع بين تلك الصفائح مواد كيماوية مشعة، وهذه البطارية متى تعرضت أقطابها الظاهرة لأشعة الشمس، فإن الإلكترونيات والفوتونات التي تحملها أشعة الشمس تؤثّر في المواد الكيماوية المشعة، فتولّد في البطارية شحنةً كهربائيةً قويةً فتتحول بالتالي إلى تيارٍ كهربائي قويٍّ جداً يتخزن في البطارية.

وهكذا يتحوّل نور الشمس بعمليةٍ مستمرةٍ إلى تيارٍ كهربائيٍ ثم إلى قوّة ميكانيكيّة محرّكة تقوم مقام الوقود والفحم الحجري في إدارة الآلات الميكانيكية. على هذا الأساس كتب الصّباح إلى الملك فيصل الأول يشرح له إماكانية إنشاء مصانع لتوليد الطاقة الكهربائية وتوزيعها على الأقطار العربية، ترتكز على أساس هذا الإختراع.

ولقد سجّل حسن كامل الصباح سبعة وستين اختراعاً آخر باسمه، وأحد عشر اختراعاً بالإشتراك مع آخرين. وهناك جدول بها منشور في كتاب د. فؤاد صروف حيث كلّ اختراع برقمه في مكتب التسجيل وتاريخ التسجيل، في واشنطن، مع إسم البلد الذي استغلّه، منها:

ـ جهاز إرسال تلفيزيوني يَستخدم الإنعكاس الإلكتروني.

ـ مرسل للصّور والمناظر.

ـ جهاز إرسال تلفزيوني يستخدم تأثيرات الشبكة الكهروضوئية في أنابيب الأشعة الكاتودية.

ـ جهاز إرسال مُتَلفَز يستعمل فيلماً يحوّل أشعة الشمس إلى قوّة كهربائية دافعة.

ـ جهاز لقياس ضغط البخار داخل أنابيب التفريغ الكهربائي.

مع كل ما كان يقدمه حسن كامل الصباح للغرب الأميركي بشكل عام، ولشركته بشكل خاص، من اختراعاتٍ جديدةٍ مميّزةٍ ، فإنه لم يتلقّ منهم إلا المتاعب والمشاكل والعداوة. فقد جاء في رسالةٍ بعث فيها إلى أحد أصدقائه في عام 1925 يشير فيها إلى أمرين: “أوّلهما استنباطيّ، طريقة في تطوير أحد الأجهزة الكهربائية حيث جعلته أفضل من الجهاز المنتج في شركة “وستنكهاوس”، وثانيهما محاولة أحد زملائي، ويُدعى “براون” قتَل اختراعي في المقوّم الزئبقي، لكن رئيسه لم يمكنه…”.

ورغم كثرة اختراعاته أحسّ الصّباح بأن شركته تقسو عليه، فحاول الإنتقال إلى شركةٍ أخرى لكنها منعته، وحاول مراسلة المسؤولين في البلاد العربية لكنه لم يصل إلى نتائج إيجابيةٍ معهم رغم توسّط أصدقاء له ذوي نفوذ. فأرسل إلى والده رسالةً يخبره فيها أنه عازم على شراء طائرة صغيرة تنقله أخيراً إلى لبنان.

في 30 آذار1935، كان هذا المخترع اللبناني في طريق عودته إلى منزله، بعد أن دفع ثمن طائرةٍ صغيرةٍ خاصّةٍ، تدهورت سيارته ـ في حادث غريب ـ وتوفيّ على إثرها وقد دارت حول وفاته شكوك كثيرة. ونقل جثمان حسن كامل الصباح إلى بلده لبنان، ودُفِنَ في مدينة النّبطية، مسقط رأسه.