باب الملك والطير فنزة

باب الملك والطير فنزة

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت مثل الرجل يحيط به أعداؤه فيستظهر من بعضهم ويصالحه حتى يتخلص بذلك مما يخاف ويسلم. فاضرب لي إن رأيت مثل أهل التراث الذين ينبغي لبعضهم أن يتقي بعضاَ.

قال الفيلسوف: زعموا أن ملكاً من الملوك يقال له برهمون كان له طائر يقال له فنزة وكان ناطقاً كيّساً وكان معه فرخ له. فأمر الملك بفنزة وفرخه أن يجعلا بمكان عند امرأته سيدة نسائه وأوصاها بهما. واتفق أن امرأته ولدت غلاماً فألف الفرخ الغلام فجعلا يلعبان جميعاً ويطعمان جميعاً. وكان فنزة يذهب كل يوم إلى الجبل فيجيء بثمرين من الفاكهة فيطعم أحدهما فرخه والآخر ابن الملك. فأثّر ذلك في نموتهما وقوتهما حتى استبان ذلك للملك فزادت عنده كرامة فنزة، حتى إذا كان ذات يوم وفنزة غائب في اجتناء الثمر وثب فرخه من حجر الغلام طائراً فارتاع الغلام من ذلك وغضب فأخذ الفرخ وضرب به الأرض فقتله. فلما جاء فنزة ورأى فرخه مقتولاً حزن وصاح وقال: “ترحاً للملوك الذين لا عهد لهم ولا وفاء. وويل لمن ابتلي بصحبة الملوك الذين لا حميم لهم ولا رحيم ولا يحبون أحداً. ولا يكرم عليهم إلا من قضوا منه حاجتهم فلا ودّ ولا إخاء. ولا البلاء الحسن مجازًى عندهم ولا الذنب مغفور. وليس أمرهم إلا الفخر والرياء والسمعة. وكأنّ عظيماً من الذنوب يركبونه هو عندهم صغير وعليهم هين. وإني لأنتقمنّ اليوم من الكفور الذي لا رحمة له، الغادر بإلفه وتربه وصاحبه وملاعبه ومؤاكله”. ثم وثب في وجه الغلام ففقأ عينه بمخلبه، ثم طار إلى مكان مشرف حزيناً.

فبلغ ذلك الملك فجزع أشد الجزع ثم طمع أن يحتال لفنزة فيظفر به. فركب إليه ووقف عليه وناداه باسمه وقال: أنت آمن فأقبل. فأبى ذلك فنزة وقال: أيها الملك، إن الغادر مأخوذ بغدره وإن أخطأه عاجل العقوبة في الدنيا لم يخطئه آجلها، حتى إن عقوبة ذلك لتدرك الأعقاب وأعقاب الأعقاب وإن ابنك غدر فعجّلت له العقوبة.

قال الملك: لقد فعلنا ذلك بك لعمري فانتقمت منا فليس لك قبلنا ولا لنا قبلك وتر فارجع إلينا آمناً.

قال فنزة: لست أرجع إليك، فإن ذوي الرأي قد نهوا عن قرب الموتور وقالوا: “لا تجد للموتور الحقود أماناً أوثق من الذعر والبعد والاحتراس منه”. وكان يقال: “إن العاقل إنما يعدّ أبويه من الأصدقاء ويعدّ الأخوة رفقاء والأزواج ألاّفاً والبنين ذكراً والبنات خصمات والأقارب غرماء، ويعد نفسه فرداً وحيداً”. فأنا الفريد الوحيد تزودت عندكم من الحزن عبئاً ثقيلاً لا يحمله معي أحد. فأنا ذاهب فعليك السلام.

قال الملك: إنك لو لم تكن اجترأت بما صنعنا بك أو لو كان صنيعك بنا غير ابتداء منا بالغدر كان الأمر كما ذكرت. فأما إذا كنا نحن بدأنا فما ذنبك وما الذي يمنعك من الثقة بنا؟ فارجع فإنك آمن.

قال فنزة: إن للأحقاد في القلوب مواقع موجعة منكية. والألسن تصدق عن القلوب، والقلب أعدل على القلب شهادة من اللسان. وقد علمت أن قلبي لا يشهد للسانك ولا قلبك للساني.
قال الملك: ألست تعلم أن الضغائن والأحقاد تكون بين كثير من الناس؟ فمن كان له عقل كان على إماتة الحقد فيه أحرص منه على تربيته.

قال فنزة: إن ذلك لكما ذكرت وليس ذو الرأي عن ذلك بحقيق أن يظن، بالمحقود الموتور، إنه ناس ما وتر به ومنصرف عنه، وذو الرأي يتخوف الحبائل والخداع ويعلم أن كثيراً من الأعداء لا يناصب بالشدة والمكابرة حتى يصاد بالرفق والملاينة كما يصاد الفيل الوحشي بالفيل الداريّ.

قال الملك: إن الكريم لا يترك إلفه ولا يقطع إخوانه ولا يضيع الحفّاظ وإن هو خاف على نفسه. إن هذا الخلق ليكون في أوضع الدوابّ منزلة. قد عرفنا أن ناساً يذبحون الكلاب فيأكلونها، فربما نظروا إلى كلب قد ألفهم فيمنعه ألاّفه إياهم أن يفتكوا به.

قال فنزة: إن الأحقاد مخوفة حيثما كانت وأخوفها وأشدها ما كان في أنفس الملوك. وإن الملوك يدينون بالانتقام ويرون الطلب بالوتر مكرمة وفخراً، ولا ينبغي للعاقل أن يغترّ بسكون الحقد. فإنما مثل الحقد في القلب ما لم يجد متحرّكاً مثل الجمر المكنون ما لم يجد حطباً. ولا يزال الحقد يتطلّع إلى العلل كما تبغي النار الحطب. فإذا وجد علله استعار النار فلا يطفئه ماء ولا كلام ولا لين ولا رفق ولا خضوع ولا تضرّع ولا شيء دون الأنفس، مع أنه ربّ واترٍ يطمع في مراجعة الموتور لما يرجو أن يقدر عليه من النفع له والدفع عنه، ولكني أضعف من أن أقٌدر على أن أزيل ما في نفسك. ولو كانت نفسك لي على ما تقول كان ذلك عليّ متغيّباً لأني لا أزال في خوف وسوء ظنّ ما اصطحبنا. فليس الرأي إلا الفراق وأنا أقرأ السلام عليك.

قال الملك: لقد علمت أنه ليس يستطيع أحد لأحد ضراً ولا نفعاً. فإنه لا شيء من الأشياء صغير ولا كبير يصيب أحداً إلا بقدر مقدور. وكما أن خلق ما يخلق ويولد وبقاء ما يبقى ليس إلى الخلائق منه شيء، كذلك فناء ما يفنى وهلاك ما يهلك. فليس لك فيما صنعت بابني ولا لابني في إهلاك فرخك ذنب إنما كان ذلك قدراً مقدوراً وكنا له عللاً. فلا تؤاخذنا بما أتاك به القدر.

قال فنزة: إن في القدر ما ذكرت ولكنّ ذلك لا يمنع الحازم في توقي المخوف والاحتراس من المحترس منه، ولكنه يجمع تصديقاً بالقدر وأخذاّ بالقوة والحزم. وأنا أعلم أنك تحدّثني بغير ما في نفسك. والأمر فيما بيني وبينك أن ابنك قتل فرخي ففقأت عين ابنك. فأنت الآن تريد لي القتل وتحاولني عن نفسي والنفس تأبى الموت. وكان يقال: الفاقة بلاء والحزن بلاء وفراق الأحبة بلاء والسقم بلاء والعدم بلاء، ورأس البلاء بلاء الموت، وليس أحد أعلم بما في نفس الموجع الحرّان ممن قد ذاق مثل ما به. وأنا بما في نفسك من أمري عالم للمثال الذي عندي من ذلك، فلا خير لي في صحبتك. فإنك لن تذكر صنيعي بابنك ولن أذكر صنيع ابنك بفرخي إلا أحدث ذلك لقلوبنا وغراً.

قال الملك: إنه لا خير لمن لا يستطيع الإعراض عما في نفسه فيتناساه ويميته حتى لا يذكر منه شيئاُ ولا يكون له في نفسه موقع.

قال فنزة: إن الرجل الذي في باطن قدمه قرحة إن هو حرص على خفة المشي فلا بد أن ينكأها. والرجل الرمد إن استقبل الريح فقد تعرّض لإنكاء عينه. وكذلك الموتور إذا دنا من عدوه فقد عرّض قرحته لإنكائها. ولا يستطيع صاحب الدنيا توقي المتالف وتقدير الأمور والاتكال على القوة والحيلة وقلة الاغترار بما لا يأمن منه. فإنه من اتكل على قوته حمله ذلك على أن يسلك الطريق المخوف فقد سعى في حتف نفسه. ومن لا يقدر على طعامه وشرابه فحمل على نفسه ما لا يحمل ولا يطيق فربما قتل نفسه. ومن لا يقدر لقمة فيعظمها أول ما يسيغ يغصّ بها فيموت. ومن اغترّ بكلام غيره وضيّع الحذر فهو أعدى العدو لنفسه. وليس على الرجل النظر في القدر الذي لا يدرى ما يأتيه منه وما يصرف عنه ولكن عليه العمل بالحزم والأخذ بالقوة في أمره ومحاسبة نفسه في ذلك. والعاقل لا يخيف أحداً ما استطاع ولا يقيم على الخوف وهو يجد مذهباً. وأنا كثير المذاهب أرجو ألاّ أتوجه وجهاً إلا وجدت فيه ما يغنيني. فإن خلالاً خمساً من تزوّدها بلّغنه كل وجه وقرّبن له البعيد وآنسن له الغربة وكسّبنه المعيشة والإخوان: كفّ الأذى وحسن الأدب ومجانبة الريبة وكرم الخلق والنبل في العمل. فإذا خاف العاقل على نفسه طابت نفسه عن الأهل والولد والوطن والمال. فإنه يرجو من ذلك كله خلفاً ولا يرجو من النفس خلفاً. وشرّ المال ما لا ينفق منه، وشر الأزواج التي لا تؤاتي البعل، وشر الولد العاصي، وشر الإخوان الخاذل، وشر الملوك الذي يخافه البريء، وشر البلاد بلاد ليس فيها أمن، وأنت لا أمن لي معك ولا طمأنينة لنفسي في جوارك. ثم ودّع الملك وطار.

فهذا مثل الترات وما يوجب على أهلها حذر بعضهم من بعض.