انتصار أبي صير

انتصار أبي صير

علمنا في قصة ” غدر أبي قير” أن قاضي الإسكندرية حكم بإقفال مصبغة أبي قير لسوء معاملته ، فلجأ أبو قير إلى جاره الحلاق أبي صير فأكرمه وساعده .

وعلمنا أن أبا صير كان يحلق شعر ركاب السفينة التي سافر عليها مع جاره الحلاق وكان يقتسم معه كل ما كان يكسبه من مال وطعام .

وعندما نزلا من السفينة، انصرف أبو صير إلى عمله في الحلاقة، إلى أن تعب ومرض من كثرة العمل.

وعلمنا أن أبا قير سرق نقود رفيقه وتركه مريضا ، وأنشأ مصبغة كبيرة .

وبعد أن شفي أبو صير من مرضه ، أراد أن يزور مصبغة أبي قير ، ولكن أبا قير طرده من المصبغة.

فماذا حدث بعد ذلك؟

عاد أبو صير إلى غرفته حزيناً. وفي اليوم التالي، شعر أنه في حاجة إلى الاستحمام بالماء الساخن ليعود إليه النشاط ، فخرج من غرفته ، وأخذ يسأل عن حمام عام يستحم فيه أهل المدينة، فأخبره الناس الذين سألهم، أنه لا يوجد في بلدهم مثل هذه الحمامات .

عندئذ ، خطرت لأبي صير فكرة ، وأراد أن يحققها ، فتوجه إلى قصر السلطان وطلب مقابلته . فلما دخل عليه قال له : ” أيها السلطان العظيم ، إن الناس في بلدي كانوا يأتون إلى دكاني فأحلق لهم شعرهم ، ثم يذهبون إلى أحد الحمامات العامة ، فيستحمون بالماء الساخن ، ويفركون أجسامهم بالليف والصابون ، وهكذا يشعرون بالنظافة والنشاط. وإن الله قد أمرنا بالنظافة لأنها تساعد على بقاء الجسم صحيحا من الأمراض.فهل تسمح لي، أيها السلطان الكريم ، بأن أدير حماما عاما .

استحسن السلطان فكرة إنشاء الحمام ، وأمر أتباعه بتحضير كل الأشياء اللازمة التي يطلبها أبو صير ، لإقامة هذا الحمام .
وبعد أن تم تحضير كل شيء ، وأصبح الحمام جاهزا ، حان يوم الافتتاح، وجاء السلطان والوزراء ليشاهدوا دارا للاستحمام لم يشاهدوا مثلها في بلدهم من قبل . لقد أعجب السلطان بالمياه الساخنة المتدفقة من ثقوب في الجدران، وأعجب بالبخار المتصاعد في أرجاء الحمام .
وبعد الاستحمام شعر السلطان براحة ونشاط، فكافأ أبا صير بكيس من الذهب ، وقدم له الوزراء والمرافقون هدايا مختلفة.

وبعد أيام قليلة، أصبح حمام أبي صير حديث الناس في بيوتهم ودكاكينهم . وزاروه واستحموا فيه واستحسنوه، كما يستحسنون كل شيء جديد مفيد. وأصبح له شهرة واسعة في كل أحياء المدينة.

كان أبو صير يدير عمله في أمانة وإخلاص ويخدم زبائنه كأنه صديق لهم. ونجح أبو صير وأصبح لديه مال كثير. ولكن النجاح والمال لم يجعلاه يغيّر من أخلاقه الفاضلة، فظل لطيفا، متواضعا، طيب القلب.

وأحبه الجميع وكثر أصدقاؤه . وكان من بين هؤلاء الأصدقاء قائد حرس السلطان. وكان أبو صير يعتني به كلما حضر للاستحمام ، ويحيطه بالإكرام ، ولا يأخذ منه أجراً .

وكان قائد الحرس يشكر أبا صير ويقول له: ” أرجو أن أتمكن في يوم من الأيام ، من أن أخدمك خدمة كبيرة، لأرد لك بعض ما فعلت نحوي من معروف وإكرام” .

وفي يوم من الأيام ، بينما كان أبو صير منصرفاً إلى عمله في الحمام بجد ونشاط ، فوجئ بأبي قير ، الصباغ الخبيث، يدخل عليه وهو يبتسم ، كأنه لم يقم بأي عمل سيئ تجاه أبي صير.
نسي أبو صير سيئات الصباغ كلها ، واستقبله استقبالا عاديا كما يستقبل أي زائر من الزائرين.

اعتذر أبو قير له عن الإساءات التي سببها له وطلب إليه أن يعفو عن الماضي ، لأنه نادم على ما فعل ، ووعده بأن يكون له صديقاً وفياً طول العمر .

عفا أبو صير عنه، ودعاه إلى الاستحمام عنده كضيف عزيز. وبعد الاستحمام ، جلس الاثنان يستعيدان الأيام الماضية، من “الإسكندرية”، إلى رحلة السفينة، إلى القدوم إلى هذا البلد، وكيف أصبح كل منهما صاحب عمل كبير، ومال كثير.

وهنا قال أبو قير لزميله: ” إذا أردت أن يزداد حمامك شهرة وفائدة ، فخذ مني أسماء هذه الأنواع من الدهان والأدوية ، وتعلّم مني كيف يتم مزج كميات منها ، حتى تحصل على مزيج جديد ، طيب الرائحة، يجعل الجلد لينا ناعما . وإني أنصحك أن تدهن به جسم السلطان عندما يحضر للاستحمام ، فسيكون الارتياح والإعجاب بهذا المزيج ، وسيكافئك على ذلك”.

وودع أبو قير أبا صير ، ووعده بأن يزوره كلما سنحت له الفرصة .

صدق أبو صير الطيّب ، كلام أبي قير ، واشترى أنواع الدهان والأدوية التي حددها له ومزجها ، واستخرج منها مزيجا جديدا وضعه في قارورة خاصة ، واحتفظ بها استعدادا لزيارة السلطان المقبلة .

لما تأكد أبو قير بأن أبا صير قد هيأ المزيج الذي وصفه له ، تابع تنفيذ خطته الشريرة ضد أبي صير. فذهب إلى السلطان وأخبره بأنه علم بأن أبا صير قد أعد مؤامرة لقتله ، وأنه اشترى المواد السامة ومزجها لكي يدهن بها جسم السلطان عندما يزور الحمام .

غضب السلطان على أبي صير ، وأراد أن يتأكد من أن كلام أبي قير صحيح ، فتوجه مع أفراد حرسه إلى الحمام . وبعد أن استحم بالمياه الساخنة ، أحضر أبو صير قارورة المزيج ، وطلب إلى السلطان أن يأذن له بتدليك جسمه بهذا المزيج الذي يفيد الجلد ويكسب الجسم صحة ونشاطا . عندئذ ، هز السلطان رأسه وأشار إلى حرسه بأن يقتادوا أبا صير إلى السجن.

حمل الحرس أبا صير المسكين بعد أن ضربوه ضرباً شديداً ، وهو لا يدري سبب ذلك.

حزن أبو صير، وتساءل في نفسه وهو في السجن : ” ماذا فعلت من سوء حتى ألقى هذا الجزاء “؟

أمر السلطان قائد الحرس بأن يضع أبا صير في كيس مملوء بالحجارة الثقيلة ، ويحمله في قارب إلى وسط البحيرة التي يطل عليها قصر السلطان . عندما يتلقى القائد إشارة من السلطان يرمي الكيس في الماء. وعندما ذهب قائد الحرس ليجلب أبا صير من السجن ، وينفذ أمر السلطان ، وجد أبا صير حائرا ، وكان يحاول أن يتذكر عملا سيئا قام به، فلم يجد ذنبا يستحق العقاب والسجن .

قال لقائد الحرس في حزن وألم : ” يا سيدي ، ماذا فعلت لكي يأمر السلطان بسجني وقتلي . إن أهل المدينة يحبونني وقد خدمتهم بأمانة وإخلاص ” . فلما أخبره قائد الحرس خبر المزيج السام ، أقسم له أبو صير أنه بريء مما نسب إليه ، وأنا أبا قير الغشاش هو الذي أشار عليه بصنع هذا المزيج .
وأدرك قائد الحرس أن أبا صير صادق في كلامه ، وأن أبا قير خدعه ، فرق قلبه ، وأشفق عليه ، وعزم على أن ينقذ حياته. واتفق معه على أن يرسله إلى جزيرة بعيدة ومنها يركب سفينة إلى الإسكندرية، المدينة التي جاء منها. وفي الوقت نفسه يقوم قائد الحرس بتنفيذ أمر السلطان ويلقي في البحيرة كيسا مليئا بالحجارة .

وفي الوقت المحدد، أشار السلطان من نافذة القصر، فقام قائد الحرس وألقى الكيس في البحيرة. وهكذا اعتقد السلطان أن أبا صير قد غرق في الماء.

ولكن شيئا مفاجئا حدث عندما أشار السلطان بيده ، لقد سقط الخاتم العجيب من إصبع السلطان في ماء البحيرة وضاع .

حزن السلطان حزنا شديدا لضياع خاتمه . وكان لهذا الخاتم قوة عجيبة ، ويكفي أن يحركه من يلبسه في إصبعه ، حتى يشع منه شعاع خارق يهلك أي إنسان يوجه إليه . وكان أتباع الملك يتحدثون بخوف عن قوة هذه الخاتم الخارقة.

لم يخبر السلطان أحدا بما حدث خوفاً من أن يعرف الناس أن السلطان أصبح من غير خاتم، فيتفرقوا من حوله ، ويعصوا أوامره .

أما أبو صير فقد نجا من الموت ، حسب الخطة التي نفذها قائد الحرس . وعاش في الجزيرة في انتظار السفينة التي ستنقله إلى مدينته ، ” الإسكندرية ” .

كان أبو صير يقضي وقته في الجزيرة في البحث عن أي شيء يأكله ليعيش . ووجد أن صيد السمك هو أسهل الأشياء لتأمين طعامه ، فكان يذهب في الصباح إلى شاطئ البحيرة ، ولا يعود إلا بعد أن يصطاد ما يكفيه من الطعام .

وفي صباح يوم جميل ، اصطاد أبو صير سمكة كبيرة . وبينما كان يقطعها ليشويها على النار ، وجد في جوفها خاتما جميلا ، فأخذه ووضعه في إصبعه .

في هذا الوقت ، شاهد أبو صير قاربا من قوارب الصيد يقترب من الشاطئ ، وعليه ثلاثة صيادين ومعهم كلب أسود . وما كاد أبو صير يرفع يده للسلام عليهم ، حتى انبعث من الخاتم شعاع مضيء ، أصاب الكلب الأسود ، فسقط ميتا على الفور .

ذهل الصيادون الثلاثة لموت الكلب الوفي ، وكان ذهول أبي صير أكبر … عندئذ ، رأى أبو صير قارباً آخر عليه قائد حرس السلطان الذي أنقذ أبا صير من الموت . لقد جاء يحمل إليه الطعام .

واقترب القارب من الشاطئ ، فأسرع إليه أبو صير مسرورا ، شاكرا له ما يفعله من أجله .

لما روى أبو صير لقائد الحرس قصة الخاتم الذي وجده في قلب السمكة ، وموت الكلب الذي كان مع الصيادين ، حذّره القائد من هذا الخاتم وقال له : ” شكرا لله لأني جئت في الوقت المناسب لأبين لك خطر هذا الخاتم الذي يهلك كل إنسان أو حيوان يصيبه شعاعه .

طلب أبو صير إلى قائد الحرس أن يصحبه إلى السلطان لكي يعيد إليه خاتمه العجيب ، ويحكي له قصة أبي قير معه وخيانته، فافق قائد الحرس على ذلك ، وعاد من الجزيرة بعد أن اصطحب معه أبا صير .

دخل أبو صير على السلطان ، ففوجئ به. ولكن قبل أن يتكلم السلطان ، كان أبو صير يقدم إليه الخاتم العجيب. فرفع السلطان يديه إلى السماء وشكر الله الذي أعاد إليه خاتمه . ثم أخبره أبو صير قصته الكاملة مع أبي قير ، وكيف كان الصباغ يقابل الخير بالشر ، والأمانة بالخيانة ، والصدق والوفاء بالكذب والغدر .

نادى السلطان بعض حرسه وأمرهم بإحضار الصباغ الخائن .

ولما أحضر الحرس أبا قير بين يدي السلطان، وتأكد السلطان من صدق أبي صير ، أمر بوضع أبي قير في كيس وإلقائه في الماء حتى يغرق أمام عينيه ، ليتأكد من الخلاص منه . وفعل الحرس ما أمرهم به السلطان .

أكرم السلطان أبا صير وطلب إليه أن يظل عنده معززاً مكرماً. لكن أبا صير كان قد اشتاق إلى العودة إلى أهله ، فطلب إلى السلطان أن يسمح له بالعودة إلى “الإسكندرية ” .

وافق السلطان على طلب أبي صير ، وأعطاه الهدايا الكثيرة . ولما مرت سفينة في ميناء المدينة حملته مع الهدايا إلى بلده. وقد ودع الجميع أبا صير ، بالإكرام والاحترام ، وهم يذكرون صدقه وأمانته وإخلاصه ، ويتحدثون عن انتصاره على غدر رفيقه أبي قير …