الملك والصياد

الملك والصياد

نزل الملك ووزيره في أحد الأيام متنكرين إلى المدينة ليسألا عامة الشعب عن أحوال الحكام والولاة، ليعزلا من يشكون منه ويبقيا من يشكرون عمله. وتجوّلا في الشوارع والأسواق، ومرّا بأحد الأحياء الفقيرة، فرأيا شيخا عجوزا يسير على مهل، وعلى رأسه شبكة وفي يده عصا، ويدل شكله على أنه فقير.

اقترب منه الملك وسأله عن صنعته، فأجاب حزينا: أنا صياد، وقد خرجت أطلب الرزق لأطعم عائلتي، ولكني لم أصطد شيئا هذا النهار، وقد صادفت أياماً كثيرة مثل هذا اليوم، حتى ضقت بالحياة.

الملك والصيادفقال له الملك: عد معنا إلى الشاطئ، وألق شبكتك في البحر، واصبر عليها طويلا. لبّى الصياد وطلب الملك، فألقى شبكته في الماء، وصبر عليها طويلاً إلى أن أحس بها ثقلا، فجذبها إليه بقوة، فإذا بها تحمل صندوقا مقفلا ثقيل الوزن. فأخذه الملك من الصياد وناوله مئة دينار، وانصرف إلى القصر، وأمر بكسر الصندوق، فوجد فيه بساطا وقد لفّت به صبية، وهي غائبة عن الوعي، فأسعفت فورا.

غضب الملك لأنها رميت في البحر وطلب إلى الوزير أن يبحث عن الفاعل ليعاقبه، وأمهل الوزير ثلاثة أيام.

لم يعرف الوزير الفاعل، فغضب الملك ودعا الناس إلى القصر ليشهدوا عقاب الوزير. فجاء الناس، وإذا بشابّ حسن الوجه يقف بين يدي الوزير وقال: يا سيدي، أنا الذي رمى الصبية في البحر، وأنا أستحق العقاب.

فرح الوزير بخلاص نفسه، وحزن للشاب، ولكن بعد قليل اقترب منهما شيخ جليل وقال لاهثاً: أنا يا سيدي رميت الصبية، فعاقبني. وهمس الشيخ في أذن الشاب: أيها الفتى.. إنك لا تزال في ربيع حياتك، أما أنا فقد ذقت حلو الحياة ومرّها.. فدعني أفديك بنفسي!

ذهب الوزير بهما إلى الملك وقال له: كل من هذين الشخصين يؤكد أنه هو الذي رمى الصبية. فطلب الملك حبسهما، ولكن الوزير رفض لأن أحدهما مذنب والثاني بريء.

ووصف الشاب للملك ما في الصندوق، فتأكد من صحة كلامه، وسأله عن سبب رميها، فقال: هي زوجتي وابنة عمي. وهذا الشيخ أبوها، ولي منها ثلاثة أولاد ذكور. وقد مرضت أول هذا الشهر، وأحضرت لها الأطباء، وأخذت تتعافى. فسألتها عما تشتهي، فطلبت تفاحة، ولم يكن أوان التفاح، ولكن في بستان الملك قليل من التفاح يدخره له المزارع، فاشتريت منه ثلاث تفاحات بثلاثة دنانير، ولكنها لم تأكل منها شيئا.

ذات يوم كنت جالسا في دكاني، وإذا بعبد أسود يدخل وفي يده تفاحة، فسألته: من أين لك التفاحة؟ والتفاح نادر في هذه الأيام.. فضحك وقال: أهدتني إياها صديقتي إثر غيابي الطويل عنها، وأخبرتني أنها كانت مريضة، فاشترى لها زوجها ثلاث تفاحات بثلاثة دنانير.

ولم أجد من التفاحات إلا اثنتين، فسألتها عن الثالثة فقالت لا أدري فتحققت من قول العبد. وقبل أن أستوضحها الأمر لففتها ببساط وأطبقت عليها الصندوق ورميتها في البحر دون أن يعلم بأمرها أحد.

ولما عدت إلى البيت وجدت ابني الكبير يبكي بمرارة، ولم يكن يعلم ما جرى لأمه، فسألته عن سبب بكائه فقال لي: إني أخذت تفاحة من الثلاثة ونزلت بها إلى الشارع لألعب مع رفاقي، فمرّ عبد أسود وخطفها من يدي، وقال لي: من أين جاءتك هذه التفاحة؟ فأخبرته بقصة التفاحات الثلاث، فذهب ولم يلتفت إليّ.

فلما علمت أن العبد هو الذي جنى على زوجتي الأمينة، وأني رميتها في البحر ظلماً بكذبة، حزنت جداً وبكيتها.. وإذا بهذا الشيخ والدها يدخل علي فأخبرته بالقصة, فشاركني حزني وبكائي. وها أنا بين يديك، ورجائي أن تأمر بمعاقبتي، إذ لا حياة لي بعدها.

فلما سمع الملك حديث الشاب المفجوع، تألم كثيرا وقال: لن أعاقب إلا العبد الملعون.

فجيء بالعبد، وأمر الملك بسجنه في الحال.

أما الزوجة الطيبة البريئة فاعتذر لها زوجها وعادت إلى بيتها وأولادها وعاشوا في سعادة وهناء.