الملك الجشع والصياد

الملك الجشع والصيّاد

في قديم الزّمان، كان ملكٌ جشعٌ يعيش في قصرٍ كبيرٍ يطلّ على نهرٍ واسعٍ وتحيط به غاباتٌ كثيفةٌ. وكان هذا القصر يقع وسط حديقةٍ غنّاء، تتفتّح فيها الأزهار أشكالاً وألوانًا.

كان الجميع يعملون لإرضاء هذا المَلك الجبّار والجشع في آنٍ. فالحطّابون يأتونهُ بالحطب، والصّيادون يأتونه بنوادر الحيوان والطّير، والنسّاجون والخيّاطون يُقدّمون له جُلّ خدماتهم، ويصنعون له أجمل الثّياب وأحسن الأزياء، والبنّاؤون يبنون له قصرًا قرب كلّ منظرٍ جميلٍ.

وباختصار، فقد كانت كلّ المملكة مجنّدةً لخدمته، كما هي حال كلّ حاكمٍ مستبدٍّ. والويل الويل لمن يتقاعس عن خدمة الملك وتنفيذ رغباته ونزواته! فالموت هو الجزاء المُحتّم له.

وفي إحدى ضواحي المملكة، كان يعيش صيّادٌ شابٌ، رأى أن يعيش بعيدًا عن قصر الملك ورجال حاشيته ليأمن شرّهم.

وذات يومٍ، خرج الصّياد إلى الغابة يسعى وراء صيده، لكنّ النهار كاد ينقضي من دون أن يحصل على صيدٍ. ولمّا هَمّ بالعودة خشية أن يدركه الظّلام، وهو في وسط الغابة بعيدًا عن كوخه، رأى يمامةً جاثمةً على فرع شجرةٍ، فرماها بسهمٍ وأصابها في جناحها، فسقطت. وركض ليمسك بها، وأراد فصل رأسها عن جسمها ليسهل عليه وضعها في حقيبته، لكنّهُ دهش لسماعه صوتًا يخرج عن اليمامة ويقول له: “على مهلك أيّها الصّياد. إن جسمي صغيرٌ لا يكاد يسدّ جوعك. فإن أخذتني الآن إلى مسكنك وعالجتَ جرحي بين شمعتين، ثمّ ردّدت عبارة: ثلاث مرّات، وطلبتَ بعدها أن أرجع إلى صورتي الأولى، ستصيب حظًا سعيدًا ورزقًا وفيرًا”.

استغرب الصّياد ما رأى وما سمع. وحمل اليمامة إلى كوخه وعالج جرحها بعد أن أشعل شمعتين على جانبيها، وردّد الكلمات التي قالتها له ثلاث مرّات، وطلب أن تعود اليمامة إلى صورتها الأولى.

وهنا حدث ما زاده استغرابًا ودهشةً! فقد انقلبت اليمامة بقدرة قادرٍ إلى فتاةٍ رائعة الحُسن، وقالت له: “لا تعجب أيّها الصّياد، فأنا منذ الآن زوجتك وصديقتك ورفيقتك وخادمتك، وسوف أبذلُ طاقة جهدي في سبيل سعادتك”.

ومضت الأيّام وتوالت الشّهور، والصّياد الشّاب يعيش سعيدًا مع حسنائه، حتّى كان يومٌ قالت له فيه الحسناء: “إنّنا نعيش حياةً بائسةً، فلو وفّرت بعض المال واشتريت به خيوطًا حريريّةً مختلفة الألوان، صنعتُ لكَ منها سجّادةً ثمينةً، وسوف يتنافس التُّجار للحصول عليها”.

فعل الصياد ما أشارت به الحسناء زوجته، ولم يمض وقتٌ طويلٌ حتّى وفّر مبلغًا من المال، واشترى خيوطًا حريريّةً وما تحتاج إليه صناعة السّجاد من أدواتٍ، وعاد بها إلى زوجته.

نصبت الحسناء إطارًا خشبيًا كبيرًا وسط الكوخ وشدّت عليه الخيوط الحريريّة، وشرعت تنسجُ من خيالها، وبمهارةٍ ُقل نظيرها سجّادة نادرة الحسن والجمال لروعة رسومها وتناسق ألوانها ودقّة صنعها. وقد ضمّنتها أشكال الطّير وأنواع الحيوان وألوان الأسماك، كما زخرفتها بهيئات النباتات، فكانت آية الحُسن والجمال والدّقة والإبداع.

طوت الحسناء السّجادة وأعطتها للصّياد، وقالت: “خُذها إلى السّوق واعرضها على كبار التُّجار، وإياك أن تُحدّد لها سعرًا”.

حمل الصّياد السّجادة إلى السّوق. وكانت المرّة الأولى التي يرى فيها السّوق. فدهش لكثرة ما فيه من البضائع والسّلع. فسأل عن التّجار الكبار، فدلّوه على مكان وجودهم. فعرض عليهم السّجادة البديعة النّادرة أمامهم. تحلّق التّجار، كبارًا وصغارًا حول السّجادة، وعَقَدَت الدّهشة ألسنتهم لحسنها الفائق ومهارة صنعها. وسأل أحدهم عن الثّمن، فقال له: “أنتَ تاجرٌ ولا يُخفى عليك سعر السّجادة”.

أطرق التّاجر مُفكّرًا، ولم يتوصّل إلى قرارٍ. وقد كان التّجار في الماضي يتّصفون بضميرٍ حيٍّ وصدق معاملةٍ، ولم يكن للإحتيال مكانٌ بينهم. تداول التّجار الكبار في الأمر فيما بينهم وراحوا يتناقشون في السّعر الذي تستحقه السّجادة. وفي هذه الأثناء، حضر وزير الملك راكبًا فرسه، فدفع النّاس من أمامه، ورأى السّجادة التي سلبته عقله، فهتف قائلا: “لِمَن هذه السّجادة؟”.

ردّ الصّياد قائلاً: “هي مِلكي يا سيّدي، أبيعها لِمَن يدفع ثمنها”. فأجاب الرّجل الكبير: “هذه السّجادة لا تُباع ولا تُشتَرى! فهي لا تليق إلاّ بالملك مولانا، صاحب الجلالة والسّلطان والصّولجان!”. وأشار إلى رجاله بحمل السّجادة إلى القصر. والتفت إلى الصّياد وقال له: “كيف بَلَغَت بكَ الجرأة أن تعرض مثل هذه التّحفة البديعة في سوقٍ عامّةٍ؟ ألا تعلم أنّ كل ما في المملكة هو مِلْك لمولانا وولي نعمتنا، صاحب السّلطان والصّولجان، جلالة الملك؟ سأكون كريمًا معك لأنّك صيّاد جاهل، وأنا لن آمر بسجنك لأعرف مِن أين سرقتها. اغرب عن وجهي قبل أن أبُدّل رأيي”.

دار الصّياد على عقبيه وعاد إلى زوجته خائبًا. ومضى الوزير إلى الملك، ونشر السّجادة أمامه، وقال مفاخرًا: “مولاي! تكرّم وألق نظرةً على التّحفة التي حصلتُ عليها، وآملُ أن تلقى إعجابك وترضى عنّي”.

راح الملك يتأمّل السّجادة العجيبة، فوقعت في نفسه أحسن موقعٍ، وأمر أن يُعَيَّن وزيره نائبًا للملك، وأن يُجزَل له العطاء مكافأةً لما قدّمه. فسُرّ كثيرًا، وقال في نفسه: “يا لها من تجارةٍ رابحةٍ! غدًا سوف أبحث عن الصّياد وأجبره على أن يأتي بغيرها لترتفع منزلتي لدى الملك وأصبح رئيسًا للوزراء!”

في اليوم التالي، مضى الوزير باكرًا إلى السّوق آملاً أن يلقى الصّياد. لكنّه خاب مسعاه. فسأل عنه التّجار لكنّه لم يجد بينهم مَن يعرف عنه شيئًا، فانهمك في التّحرّي عن الصّياد، وقرّر ألاّ يعود قبل أن يصل إلى غايته.

قضى الوزير نهاره يتنقل من تاجرٍ إلى آخر، ومن حانوتٍ إلى غيره، يُكرّر السّؤال نفسه بحثًا عن الصّياد من دون جدوى. فجلس، وقد أنهكه التّعب، لدى أحد السقّائين، يرتاح، يترطّب بشرابٍ لذيذٍ. وفجأةً، برز أمامه صبيٌّ يلهثُ. تقدّم نحوه وقال: “مولاي! بماذا تُكافئني إذا أعلمتك بمكان الصّياد؟”

نظر الوزير إلى الصّبي ثم رمى إليه قطعةً ذهبيّةً، وقال: “بهذه القطعة الذّهبية أكافئك”.

تناول الصّبي القطعة الذّهبية وقال: “لقد تتبّعت الصّياد حتى دخل كوخه في أعماق الغابة، وأردتُ أن أعرف كيف يملك سجادةً نفيسةً وهو فقيرٌ بائسٌ..”.

تأهّب الوزير بسرعةٍ وذهب إلى كوخ الصّياد واجتمع به، ثم خاطبه قائلاً: “أيّها الصّياد! عليك أن تحضر لي سجادةً ثانيةً بالرّوعة ذاتها، وإلاّ أنزلتُ بك أشدّ العقاب”.

فردّ الصّياد: “مولاي! لستُ سوى صياد فقير! ومن أين لي أن أصنع لك سجادةً غالية التّكاليف؟”

غضب الوزير وعزم على الإنتقام من الصّياد، وخاف أن يفعل ذلك بنفسه خشية أن يعلم الملك سرّه فيفضح أمره. لذلك عمد إلى الحيلة، وتوجّه إلى الملك وهمس في أذنه: “مولاي! إن قصرك العظيم الذي هو في غاية الرّونق والجمال يبدو متألقًا نهارًا، وفي اللّيل كئيبًا مُظلمًا كبطن الكهف. وقد بَلَغني أنّ جذوةً من نار جبل الموت تجعل قصرك مُشعًّا بالأنوار، وتقلب العتمة فيه إلى ضوء نهارٍ مُشرقٍ. وبلغني أيضًا أنّ الذي صنع السّجادة النادرة هو وحده القادر على الحصول على جذوة النّار”.

أمر الملك بإحضار الصّياد إليه فورًا، ولمّا مَثُلَ الصّياد بين يديه، أَمَره أن يحضر جذوةً من جبل الموت وإلاّ قتله أشنع قتلةٍ.

ردّ الصّياد الحزين: “لستُ سوى صيّاد فقير لا حول لي ولا قوّة. لم أسمع من قبل عن وجود جبل الموت. فليأمر مولاي فرسانه الشّجعان بمثل هذه المهمّة المُستحيلة”.

غضب الملك وصرخ قائلاً: “لديك مهلة لا تتجاوز الشّهر لكي تنفّذ ما أمرتك به، وأرى قصري هذا مُشعًّا بالأنوار”.

عاد الصّياد إلى زوجته كئيبًا مكسور القلب، فحاولت أن تدخل السّرور إلى نفسه. وألحّت عليه ليكشف لها سرّ حزنه، فقال: “لقد تسبَّبَت سجّادتك لي بالمصائب، وقد هددّني الملك اليومَ بالموت إن لم أحضر له خلال شهرٍ جذوةً من جبل الموت”.

ابتسمت الزّوجة وهدّأت من قلقه وقالت: “لا بأس عليك يا حياتي. أنت ضحية لحسودٍ حاقدٍ، والأمر سهلٌ عندي”. وظنّ الصّياد أنّ كلام زوجته هو فقط لتهدئة خاطره، وأنّ حديثها لا يتعدّى حلو الكلام. فمضى إلى فراشه وراح يُحاول عبثًا طرد الأفكار السّوداء لعلّ النوم يريحه. لكنّه بقي مشغول البال.

أخذت الأيّام تتوالى بسرعةٍ، وكلّما اقترب موعد اللّقاء مع الملك ازداد خوف الصّياد، حتى قارب الشّهر على نهايته.

وفي ذات يومٍ، انفردت الحسناء اليمامة في ركنٍ من أركان الكوخ وأشعلت النّار في خصلةٍ من شعرها وتمتَمَت كلامًا سحريًا. فجأةً، شَخُصَ أمامها شابٌ وسيمٌ، فتعانقا بشوقٍ وحرارةٍ وتبادلا الكلام بلهفةٍ. قالت الحسناء للشّاب: “يا أخي أريد منك جذوةً من نار جبل الموت؛ فقد وقع زوجي ومُنقذي ضحية حسودٍ حاقدٍ”.

كان الشّاب الأخ الأصغر للحسناء، وكلاهما من أبناء ملك الجان الذّي لا يعرف أحدٌ مكان مملكته. فغاب الشّاب لحظةً وظهر يحمل مشعلاً فيه جذوة من نارٍ عجيبةٍ، ملأت المكان ضياءً باهرًا، وأعطى الشّاب المشعل لأخته، قائلاً: “أنقذي زوجك يا أختي، فللنّار قدرة الخلاص من المُستبدّين من الملوك والمُحتالين والتهامهم. وتذكّري أننّا في المملكة في شوقٍ إليك”.

أفاق الصّياد على وهج الضّوء الشّديد، فوجد زوجته تبتسم وتقول: “إليك الجذوة. وهذه المرة ستكون محظوظًا وتحظى بأن تحلّ محل الملك الجشع الذي لا يرحم”.

فردّ الصّياد: “وهل يستطيع صيّادًا مثلي أن يصل إلى عرش مملكةٍ؟”

فأجابته: “إنّ مصير كلّ حاكم جائر هو بئس المصير، وإن الحكم لا يستقيم إلاّ بِمَن يتحلّى بالرّحمة والحكمة. وإن مَن شاطر البؤساء حياتهم، أدرى بحالهم وأقَدَرَ على إحلال الأمن والأمان وقيادة البلاد على أحسن صورةٍ”.

في مساء اليوم التالي، حمل الصّياد المشعل إلى قصر الملك، فأضاءت الطّرقات التي مرّ فيها، ودهش لذلك سكّان المدينة، وتجمهروا وراءه ودخلوا معه القصر الملكيّ، فسطع الضّوء شديدًا وأُضيء القصر كأن شمسًا سطعت في سقفه.

استغرب الملك الجشع والوزير الحاقد والحاشية الفاسدة هذا النّور السّاطع. وكانت دهشتهم أكبر عندما تطايرت من المشعل جذواتٌ عديدةٌ اتّجهت نحو الملك والوزراء والتهمتهم، وراحت تُطارد أفراد الحاشية الفاسدة وتحرقها واحدًا بعد آخر. عندها صرخت الجماهير المُحتشدة بصوتٍ واحدٍ: “لا ملك بعد اليوم إلاّ الصّياد المُنقذ!”

ثم حضرت الزّوجة الحسناء وانّضمت إلى زوجها الصّياد. فعَلَت الأصوات ترحيبًا، وضجّ المكان بالفرح والسّرور، ورقص النّاس في حلقاتٍ على ضوء نور جبل الموت.

استقرّ المشعل على عمودٍ رخاميٍّ إلى جانب العرش الملكي، وصارت النّار حارسًا أمينًا يلتهم على الفور كلّ داخلٍ للقصر وهو يضمر الشّر للملك.

وعاش النّاس في طمأنينةٍ. وخلال حُكم الصّياد وزوجته، بِنتُ ملك الجان، تبادلا الزّيارات مع ملك الجان، والد الملكة اليمامة، وسط مظاهر البهجة والسّعادة.