المقريزي

المقريـزي
1364م-1442م

ولد أحمد بن علي المقريزي في القاهرة، لكنّ أُسرته بعلبكية الأصل، وقد هاجر والده إلى مصر.

نشأ المقرّيزي قاهريًا في كنف جدّه لأمّه الذي كفل تعليمه. والتحق بخدمة السّلطان في شبابه وظلّ يتنقّلُ في وظائف الدّولة المختلفة قرابة ثلث قرنٍ، قبل أن ينصرف عنها نهائيًا وينقطع إلى الكتابة والتأليف في مجالاتٍ مختلفةٍ وفي التّاريخ بنوعٍ خاصٍ. أمّا الوظائف التّي تولاّها فهْي التّوقيع، أيّ الكتابة في ديوان الإنشاء، بالقلعة القاهرية والقضاء وإمامة جامع الحاكم، وتدريس الحديث بالقاهرة ومحتسبية القاهرة والوجه البحري. جميع هذه الوظائف كانت في مصر. وفي سنة 1408م، وُلّي المقريزي النّظر على الأوقاف وعلى المستشفى النّوري بدمشق والتّدريس في مدارس الحديث فيها. وبعد عشر سنواتٍ، عاد المقريزي إلى القاهرة لينكبّ على الدّرس والإشتغال بالعلم. وحجّ وجاور في هذه الفترة.

كان بين أساتذة المقريزي ابن خلدون نفسه بعد أن هاجر إلى مصر واستقرّ فيها، وقد تأثّر بأستاذه. والمقريزي كان واسع القراءة والمعرفة والإطّلاع، كثير الدأب والمثابرة. أوّل كتاب وضعه هو “المواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار”، وهو المعروف بين الدّارسين بإسم “الخطط”.

صدّر المقريزي الكتاب الكبير بمقدمةٍ جغرافيةٍ تاريخيةٍ مسهبةٍ. تناول المُدن والآثار المصريّة القديمة والوسيطة بوصفٍ دقيقٍ، مبتدئًا بالإسكندرية؛ وعُنِيَ عنايةً خاصةً بخطط الفسطاط والقاهرة طبعًا. فجاء نصف الكتاب ثبتًا زاخرًا بأحوال القاهرة وأخبارها وطُرُق المعيشة بأرجائها الواسعة في العصور الوسطى. وكان كتابُه الثّاني “عقد جواهر الأسقاط من أخبار مدينة الفسطاط”، تاريخًا لمصر الإسلامية في عهد الولاة. وتناول في كتابه الثالث وهو “اتّعاظ الحنفا بأخبار الخلفا” تاريخ الخلافة الفاطميّة. وأخيرًا وضع كتابه المعروف بإسم “كتاب السّلوك لمعرفة دول الملوك”، وهو تاريخ لمصر والشّام في عهد الأيّوبيين والمماليك، إلى حين وفاته.

وهذه المكتبة التي سُلِّمَت هي عمل ضخم بحدّ ذاته. لكن المقريزي خطّط لكتابين آخرين هما “المقفى الكبير”، وكان المقصود منه أن يكون معجمًا لتراجم حكّام مصر ورجالها في ثمانين مجلدًا، ولكّنه لم يستطع أن ينجز منها سوى ستة عشر فقط. وثانيهما “كتاب دُرر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة”، وكان الغرض منه أن يكون معجمًا لتاريخ معاصريه، غير أن المقريزي تركه من دون أن يفرغ من مراجعته. وهكذا يكون المقريزي قد ألّف لمصر، منذ الفتح الإسلامي حتى أيّامه؛ لكن هذا العمل الضّخم لم يُكتَب بمعزلٍ عن التّطورات الخارجيّة التي كانت مصر وبلاد الشام تتعرض لها، خاصّة في كتاب “السّلوك”. على أن سعة إطّلاع المقريزي وإحاطته بالمشكلات المنوّعة التي كانت تدور في التاريخ الإسلامي من قَبل إلى أيّامه، تبدو كذلك في مؤلفاتٍ أخرى. فقد ألّف في السّيرة النّبوية، وفي القبائل العربية التي نزلت مصر منذ الفتح، وفي جغرافية حَضْرَموت، وفي الدّول الإسلامية في الحبشة.

كان للمقرزي اهتمام كبير بالتّاريخ الإقتصادي والإجتماعي. ففي كتابه المُسمّى “كتاب النّزاع والتّخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم”، يُرجِع المؤلّف أمر الفرقة والتّنافس على الخلافة بين الأُموييّن والهاشمييّن إلى عصبيّات الجاهلية القديمة، ويُهمِل جوانب الحوادث المريرة والحروب المُستَعِرَة والشّخصيات المتنافرة.

وللمقريزي كتاب آخر هو “كتاب إغاثة الأمة بكشف الغمة” الذي تناول فيه تاريخ المجاعات التي نزلت بمصر من أقدم الأزمنة إلى سنة تأليف الكتاب عام 1405م. في هذا الكتاب لا يتحدّث المقريزي عن المجاعات والطواعين وعن ارتفاع الأسعار فقط، ولكنه يتناول الأسباب التي تؤدّي إلى ما ينزل بالناس من هذه المتاعب والصّعوبات؛ فيعزو ذلك إلى سوء تدبير الزّعماء والحُكّام، وغفلتهم عن النظر في مصالح العباد. ويبدو في هذا الكتاب تأثير ابن خلدون من حيث طريقة العرض والأسلوب ومقدمات الأبواب وخواتمها.