المساواة

المساواة

بقلم فرح طه

الانترناشونال كولدج , بيروت

*الموضوع: نصف المجتمع يعيش اليوم خارج إطار المساواة. اكتب قصّة تتكلّم فيها على عدم المساواة بين الرجل والمرأة في مجتمعاتنا.

قرر مجد أن عليه إنهاء المسألة هذا اليوم، في هذه الساعة، قبل أن تتشابك وتتعقد حتى أكثر. لم يكن يعرف، ولا لبرهة، أن حبه العظيم سيصبح أكبر مشكلة في حياتهن أو أنه سينشغل عن جميع مشاغله من أجل نزوة عابرة. وقف فجأة ونظر في المرآة. ابتسم ابتسامة تكلّف وإغراء، وحدّق في نفسه طويلاً وهو على النحو.خرج مسرعاً من مكتبه وأمر الآنسة مريم بتأجيل جميع المواعيد المتعلّقة بقسم المبيعات. قال أنه لن يتأخر في العودة، ولكن هناك مسألة عالقة عليه حلها والتخلص منها نهائياً.

كانت الساعة الخامسة مساءً عندما وصل مجد إلى شقة ندى. عندما فُتح الباب كانت واقفة هناك، مشرقة كالعادة، فرِحة ولكن في عينيها ألم غامض ومبهم. كانت تعلم مراده، وهو كان يعلم مدى تفجّعها لسماع الحقيقة.

تغيّرت ملامحها بسرعة وعادت نظرات الشوق والاندفاع عند تعرفها لوجهه الوسيم، وهتفت قائلة “ادخل، ادخل”.

-آسف لتأخري. انشغلت كثيراً هذا الأسبوع، ولم يكن لدي متسع من الوقت لزيارتك.

-لا عليك. ستبقى هنا الليلة؟

تردد لحظة. ثم طأطأ رأسه وأخفض ناظريه محدقا في الأريكة الحمراء القابعة في يمين الغرفة. كانت الأريكة منسيّة في زاوية البيت. وكان هو يذكرها جيداً. لطالما سهر عليها مع ندى في أيام الشتاء العاصفة الممطرة. كانت ندى تخاف كثيرا من صوت الرعد وهيبة الصواعق، فتُحني رأسها على كتف مجد وتتشبّث بثيابه، رافضة تركها لأنّ وجوده معها كان بالنسبة إليها الحب والسعادة الدنيوية كلها. وكان هو بدوره يستغلّ ضعفها الأنثوي وخوفها غير المنطقي، فيغمرها ويحضنها ويهمس في أذنيها كلّ كلمات الحنية التي كانت تتوق إلى سماعها. كان مجد يقضي معظم أوقاته في أحضان عاشقته، ولم يرغب أبدا في تركها. كانا يحلمان بسعادة خيالية، ويبنيان معا بيوتاً وأعمالاً ومستقبلاً مزهوا من الغيوم وأشعة الشمس الدافئة. وقد تقلب الوضع في غفلة عين فأصبحت الشمس مُحرقة موجعة، والغيوم رمادية ملبّدة في السماء، منتظرةً لحظة بكائها وتخلصها من هذا الثقل الذي يُبطأ رقصتها الخفيفة.

-لا، لن أبقى.

كان هذا آخر ما تفوّه به. وسلم ندى علبة صغيرة مليئة بأقلامها وأوراقها وأمتعتها المتفرّقة الغريبة. لم يقصد أحد منهما أن يجرح الآخر، ولكن في نهاية المطاف لا يستطيع أيٌ منهما إصلاح الأمر. هذا هو الواقع، وإن كان مريرا.

طُردت ندى من عملها، وبقي مجد المدير الأول في شركة المبيعات العصرية تلك في منصبه الرفيع، واقفا على قمة الجبل بلا تردد أو انكسار. لا يستطيع أحد أن يمسّه؛ لا يحق لأحد أن يلومه على الخيانة أو أن يوبخه على أفعاله. أما هي، فقد انصبّت على رأسها ويلات ومصائب البشرية بأكملها. لم تعُد تريد منها أمها العودة إلى القرية، لم تعد تبعث لها رسائل تتفجر حبا وحنانا. حتى أنها أقسمت على ذكرى أبيها الراحل أنها لن تتكلم معها أبدا، بعد سماعها بالخبر المشين. وكان عمها سينزل إلى بيروت فقط ليجرّها من شعر رأسها وهو يُعيدها إلى القرية العزيزة التقليدية، قريتها البائسة، إلا أنّ أمها وأخواتها تدخّلوا ومنعوه، بصعوبة قسوى، عن أذيتها. كانوا مقتنعين من أنها لا تستحق كل هذا العناء. خسرت ندى مركزها، خسرت عائلتها، خسرت عذوبتها وبساطتها ولكنها لم تأبه. كانت سعيدة أكثر من أي يوم في حياتها، سعادة غير منطقية وغير مبرّرة. لم يكن هناك شيء في هذه الدنيا باقٍ لها وحدها. حتّى مجد قد خسرته-بل هو الذي خسرها عند هجره لها. ولكنها رضيت بهذا المصير، بهذا العذاب. تأمّلت عميقا في نفسها وقررت أن في نهاية المطاف، حياتها لم تنتهِ بعد. مجد قد سلبها كل معاني وجمالات الدنيا، ولكنها عزمت على أن تردّها جميعها. أرادت أن تسترد ما أخذه منها وبأي ثمن مطلوب.

نزلت ندى في صباح اليوم القادم إلى رئاسة مجلس الشركة. كان هناك خطر من اصطدامها بمجد، ولكنها لم تخف. طفولتها وترعرعها في الضيعة لم يكُنا بلا جدوى، فقد تعلمت الكثير من العبرات والحكم هناك، أولها الصبر، والاصطبار طويلاً. لم تُفاجأ ندى بنظرات الاحتقار والاشمئزاز التي قابلتها مُحييةً إياها عند مدخل الشركة. كانت، حقيقةً، تتوقع ما هو أسوأ. طلبت من سناء، سكريتارية الرئيس العام في الشركة، أن تدعها تدخل لمقابلة الرئيس. حدّقت بها تلك الأخيرة بتملق، مستكبِرة من مكانتها، مستفسِرة عن سبب وجود هذه الحقارة في شركتهم المحترمة. انتظرت ندى كثيرا، ولكن دون تعب أو ملل. على العكس، فقد ارتاحت بعد فترة إلى وجودها هناك، بعد أن تعب الجميع من ملاحقتها بنظراتهم ومن نقل الثرثرة والمقالات في ما بينهم.

وعندما نزل الفرج عليها، صاحت الآنسة سناء: ” ندى، يمكنك الدخول. السيد سامي بانتظارك”.

مشيت ندى ببطأ إلى مكتب السيد سامي ودخلته مرتبكة متردّدة. جلست على الكرسي القاسي دون مقدمات أو دعوة من المدير. وكان هذا الأخير يحدّق بها بإعجاب أو فضولية طوال الوقت.

-إذا. أردتِ التكلم معي. أعلم أن قرار فصلك من العمل كان غير متوقع، ولكننا سنعوض لك عن كل الأضرار. لا تخبري أحدا، ولكنّي قد أوصيت بك صديقا عزيزا عليّ من شركة عالمية معروفة في الكويت، وقد أعجب بعملك كثيرا وسيرسل لك عرض عمل في الأيام المقبلة. لا تحزني يا ندى. الجميع يرتكب الأخطاء. أكملي حياتك، ما زلتِ صبية!

كانت الغبطة تغمر محيا المدير وهو يتكلم. كانت ندى تعلم أنه صادق- الانسان الوحيد الذي صدَق معها في هذه الشركة البالية- ولكن الأمر لم يكن متعلقا بالعمل فقط.

-هذا لا يهم يا سيد سامي. يمكنني أن أجد عملا مُرضيا يكفيني في هذه البلاد، تماما كما وجدتُ هذا العمل من قبل.

-إذا ماذا تريدين؟

-أحتاج إلى معرفة الحقيقة. لماذا بمقدور مجد-عفوا، المدير مجد- أن يطردني من عملي، وباسمك أيضا؟ هذه أسباب شخصية، وعليه أن يتعامل معي كسائر الموظفين هنا… لماذا عليّ تحمّل نظرات الحقارة والاستهزاء عند دخولي باب هذه المؤسسة، وهو يُكرّم ويُعظّم ويتباهى بما فعل؟ أليس من العدل أن تُخرجوه من عمله هو أيضا؟ أليس هذا ما ينصه قانون الشركة؟

-لا، لا. معك حق، ولكن.. أنت تعلمين الظروف يا ندى.. وليس هنا من أية قانون يمنع العلاقات الودية بين الموظفين. ولكن..

لم يعرف ما عليه قوله.

-ولكن ماذا؟ ماذا؟ صرخت ندى عاليا. لم تعُد تستطيع أن تتحكّم بأفعالها. لماذا لا أستطيع أن أكمل عملي هنا؟ ما الدافع؟

كانت على شفير الانهيار. وبدأ الرئيس يضحك بسخرية.

-هيا يا ندى، ما بك؟ قلت لك سندفع لك جميع النفقات عن الأضرار الناجمة، وقد وجدنا لك عمل مناسب. لماذا تجعلين الأمور صعبة هكذا؟

عندها انتصبت ندى أمام السيد سامي، صفعته بكل قوتها على وجنتيه، وخرجت غاضبة من الباب. لم تستطع تبرير موقفها أمام السيد سامي لأن الأمر كان يخصها هي ومجد وحدهما. كان المساء قد عمّ حين خرجت، ولكنها توجهت على أي حال إلى منزل مجد. كان عليها أن تذهب سيرا على الأقدام لأن جيوبها قد فرغت، ونقودها قد نفذت. خلعت حذائها المطاطي ومشت حافية القدمين على الأرصفة، لم يكن في تفكيرها شيء إلا مجد. كانت تعلم أنه لم يكذب عليها بشأن حبّه، وأنه لم يخدعها أو يستغلها. كانت تعلم أن مشاعره الصادقة نبعت من قلبه، وأن شفتيه خانتاه في تلك الليلة المظلمة عندما قال
” أكرهك. اغربي عن وجهي”.

أكملت طريقها إلى منزله في السقيع القارس. كانت المسافة بعيدة جدا ولكنها لم تكترث لا للرياح العاتية ولا للمطر الذي انهمر على رأسها الرقيق، ولا لقدميها الحافيتين اللتين فرغتا من أي شعور.

تذكرت أن ذلك اليوم كان فيه رياح وأمطار وبرد أيضا. كانت غاضبة من مجد لأنه تأخر في العمل، كالعادة. لطالما تأخر في مواعيده، ولكن هذا الموعد كان مهما جدا بالنسبة لندى. صادف ذلك اليوم عيد مولدها، وكانت تريد من مجد أن يتذكرها ويتذكر توقيت الموعد.ولكن املها خاب فيه، كما قد خاب في كل محاولة وكل لقاء. قررت ندى الاحتفال بمفردها بالمناسبة. لم يكن عندها صديقات مقرّبات في المدينة، فخرجت وحيدة من المقهى وتوجهت إلى الحانة في نهاية الزقاق. تعرّفت هناك إلى شاب جميل الوجه، لبِق الكلام، يُحسن التعامل مع جميع الناس، بالأخص الصبية اليافعة الغاوية. قدّم لندى كأسا من الشراب. لم تتسائل ما بداخله. كانت تعلم فقط أنها تريد أن تمرح. شربته دفعة واحدة، وأنهت بعده كأسا أخرى، ثم واحدة، فاثنتين، حتى فاضت منها السكرة ولم تعُد واعية على وجودها أو أفعالها أو مشيئتها.

تبِعَت الشاب اللطيف الأنيق إلى داخل الحانة. كانت تفوح منه شذى العطور الثقيلة. تأمّلت بعينيه البراقتين، وتذكّرت عينيّ مجد العسليّتين. ظنّته هو مجد، ولم تفرّق لحظة بين الواقع والحلم. أغلق باب الغرفة الضيقة، وأقفله. أجبرها على الاستلقاء وخلع عنها ملابسها، ولكنها لم تقاوم لظنّها أنه مجد الحبيب. افتكرت، جراء اختلاط مفعول المشروب مع السعادة التي خامرتها، أنها قد وصلت إلى الجنة، إلى دنيا أخرى خارجة عن إطار الأرض الزماني والمكاني. لم تستاء أو تحزن أو ترتبك أو تتذمّر، بل ارتاحت واستسلمت بين ذراعي فارسها الشجاع. وعند ذروة ابتهاجها دخل مجد. أي مجد الحقيقي بشخصه.

تذكرت ندى لحظة يقظتها عند دخول مجد. ولكن كيف كانت لتعلم الفرق بين ذلك الشاب الحقير ومجدها هي؟ كانت ميول نفسها في تلك الليلة قوية ولا تُخمد، وكانت حقّا تريد الاستمتاع بوقتها. ولكن ليس بالطريقة التي فعلت.

أصبح الليل ظلمته حالكة عند وصول ندى إلى المنزل. كانت تعبة ومشتّتة، ولكن عزيمتها لم تنكسر، وكبرياؤها لم ينجرح بعد. كانت مصرة على إخبار مجد بالحقيقة. قد رفض من قبل أن يسمع ما تريده، ولم يكن يجيب على اتصالاتها. كانت تتصل به في اليوم ما يتعدى العشرين مرة، ولكن الآلة الحمقاء أجابت دائما على صوتها الرنان. لم ترى مجد منذ ذلك اليوم المشؤوم، إلاّ يوم البارحة حين أتى ليعطيها أمتعتها. ولكن بأي حق يفصلها عن عملها؟ كانت ندى تعمل بجهد ودأب لتعيل أمها وأخواتها، وحتى لا تحرمهم من نِعَم العيش. كانت تحب عملها فعلا وأرادت العودة إليه.

ضغطت ندى على جرس الباب. ظهر مجد أمامها في لحظات، وكان وجهه مُحبط كئيب. حدّق بندى بصمت، وغابت جميع تعابير وجهه في صمته ذلك. وببطء، تنحّى جانبا وسمح لندى بالدخول. تردّدت أوّلا، ثم هتفت بجرأة:” مجد، حبيبي… عليّ إخبارك بالحقيقة، ولكن لا أعرف كيف..”

– وما الفرق؟؟ لقد أحببتك لسنبن طويلة، ولكنّي لم أمسّ بك أو أرتكب أي حماقة أو خطأ بحقّك لأن مشاعري صادقة. ظننت أنك بادلتني هذا الشعور. لقد خُنتني يا ندى. خيانة يا ندى، أتعلمين معناها؟

– ولكن..

– ستطالبين توضيحا لأسباب خروجك من العمل. إنّي أعرفك جيدا. ستصرخين وستغضبين، وسوف تهدّديني أنا وجميع أعضاء الشركة. أعلم أنّ بمقدورك فعل ذلك، وحتى أكثر. أعلم أن أفعالك قد حصّلت نتائج سيّئة جدا، حتى على صعيد عائلتك. ولكن ماذا تريدين منّي يا ندى؟ أنتِ المسؤولة عن أفعالك. أنا لم أجبرك على الذهاب إلى الحانة، أو استقاء الخمرة، أو… أو…

نظر دامعا في عينيها الخضراوين، وهتف غاضبا: ” تقولون دائما نريد المساواة بين الرجل والمرأة. تطالبون دائما بالإصلاحات والتعديلات والتغييرات. تريدون تعليم المرأة وإنقاذها من الجهل والفقر وسطوة الرجل. ولكن قولي لي بحقّ لسماء، أين العدل في هذه الدنيا؟ أين المساواة؟ ها أنتِ متعلّمة مثقفة، وبارعة في عملك. ولكنّك، بالرغم من ذلك، لم تعدُلي معي. ولم تعدُلي مع نفسك. لقد-“

-وما شأن العمل بذلك؟ جرحتُكَ، أعرف، وأخطأتُ بمعاملتك. ولكنّه كان يستغلني. كنتُ أشهق من البكاء في تلك الليلة وهو جاء ليساعدني. كان لطيفا و..

– ولم تستطيعي انتظار بضع دقائق حتى أصل إلى المقهى. كنت أريد أخذك معي في رحلة السفر التي نظمها مجلس الإدارة. لا يهمني ما ألحقه بك ذلك السافل، أنتِ تستحقين كل شيء فعله بك. لقد أضعتِ حياتي يا ندى وجعلتِها كابوسا مظلما مخيفا. ألا تفهمين؟ لقد قلتها لك سابقا وسأقولها الآن: اغربي عن وجهي إلى الأبد.

– ولكن..

– اذهبي. لا أسستطيع تحملك بعد الآن.
لم يكن بوسع ندى فعل شيء إلا الذهاب. لقد استغل الشاب في الحانة براءتها وحزنها لإغوائها والحصول على ما يريد. واستطاع مجد، وإن كان هو البريء في هذه القضية، استغلال منصبه لإبعاد ندى عن طريقه. واستطاع عمها، من خلال كونه رجلا قويا أن يتسلط على المرأة في الضيعة النائية. أن يحرّض أم على ابنتها. نعم، كان الخطأ ناتج عن قرار بائس رذيل غلب على أفكار وإرادة ندى في ضعفها وخيبتها. لم تعرف ما عساها تفعل.

سارت في الشوارع مذهولة وضائعة. حامت كالطير الذي أضاع عن ناظريه السِّرب الذي يعود له. بكت ويأست واستاءة من نفسها. ولكن بعد قليل أشفقت على نفسها وعلى مجد أيضا. لقد كانت هي ضحية ضعفها وجهلها، وهي في الوقت عينه الوحش الكاسر الذي نهش قلبها وقلب مجد، واقتلعهما من مكانهما. لم تعُد تعرف ما تريده. لم تعُد تعرف ما تقول أو تفعل.

عادت ندى إلى بيتها بعد منتصف الليل. لم تكد تفتح قفل الباب ختى سمعت رنّة الهاتف. أسرعت إلى الداخل لظنّها أنّ المتصل هو الحبيب الغالي مجد- ولكن الصوت الذي أجاب كان صوت امرأة. كانت الآنسة سناء من العمل.

– أعلم أنّ الوقت غير مناسب، وأنّك غير مستعدّة لسماع ما سأتلوه لك الآن. ندى، لقد علمتُ للتّو بسرّ كبير يخصّ مجد. أنت لستِ المذنبة الوحيدة في هذه الحكاية.

– ماذا تقصدين؟ عمّاذا تتكلّمين؟ هيا أخبريني.

– إنّ حضرة السيد المدير مجد متزوّج ولديه أربعة أولاد. ولكن عائلته تسكن في فرنسا في فيلّا خاصّة بهم. كانت ميسا من قسم خدمات الزبائن تتكلم اليوم و.. ألو؟ ندى، أين أنتِ؟ ألو؟؟

ولكن ندى أقفلت القفلت الخط ووضعت السماعة في مكانها. إذا هذا هو الحب الحقيقي. نزوة عابرة مليئة بالاحتيال والأكاذيب. نزوة لا غير. يحقّ للرجل ما لا يحقّ لغيره. علاقاته ممدوحة ومرغوبة، وأخطائها هي مُحرقة لا تُغتفَر، ستودي بها إلى حبل المشنقة، وطبعا إلى الجحيم. وهذا فقط إذا كان الله معها غفورا راحما.

خرجت ندى من بيتها مطمئنّة ومرتاحة الخاطر. لم تأثّر فيها هذه الخبرية المُفجعة سلبا، بل على العكس شجّعتها على الإقدام على ما كانت تفكّر به طوال وقت سيرها من منزل مجد إلى شقّتها الوضيعة. مشت ندى إلى الكورنيش حافية القدمين، مولعة بأحزان هذا الكون، مرضيّة بمصيرها وقدرها. قدر المرأة ‘المتعلمة، المثقفة، البارعة في عملها’. حتى هذه المرأة لا تستكمل شروط المثالية. حتى هذه المرأة يسلبونها حرّياتها وحقوقها ويجعلونها سخرية، تنتقل أخبارها على ألسنة الناس في الحفلات والمؤتمرات والندوات الاجتماعية. لم تقطر دمعة واحدة من عينيّ ندى، وعلمت وهي متوجهة إلى البحر العميق أنها لن تذرف أية مدامع بعد هذه الليلة.

عندما وصلت إلى رصيف البحر، تمعّنت مطوّلا في السماء السوداء الحالكة، وفي الأمواج الخفيفة المتأرجحة المتمايلة على أهواء النسمات. لربّما كانت ندى مجرّد موجة هي أيضا في بحر البشر الذي يسود الأرض، طلعت من عمق المياه وظهرت في هُنيهة، ثم غاصت واختفت إلى الأبد. فكّرت كثيرا، ولكنها أيضا قرّرت عدم التفكير بشيء. وفي لمحة بصر حملت نفسها عن الأرض ورمت بها بين الأمواج الغامضة، وبانت كليا، هي والنّفْس، عن سطح غير عادل وغير منطقي.