الحلاج

الحلاج
858 – 922 م

ولد الحسين بن منصور المعروف بالحلاج في بلدة صغيرة تدعى البيضاء غير بعيدة عن شواطىء خليج فارس الشرقية. تتلمذ في الزهد والتصوف على يد اربعة من كبار المتصوفين هم : المكي ( ت 909م ) والتستري (ت989 م ) والشبلي ( ت 945 م ) والجنيد . والراجح ان الجنيد هو الذي اقنعه بلبس الصوف وظل مرشده لمدة عشرين عاماً .

تميز الحلاج بغرابة مزاجه وغلوه حتى ان مرشده الجنيد انفصل عنه لما بدا له من تعاليه وغطرسته . ويُذكر ان الحلاج أقام في أثناء حجه الاول لسنة كاملة في ردهة المسجد لا يفارقها . وكان اذا خرج أثناء الظهيرة يجلس على صخرة والعرق يتصبب منه مما حمل بعض الناس هناك على وصف تصرفه هذا بأن الحلاج كان يحاول أن يتحدى الله بقدرته وجلده . وذكر أحد تلاميذه أن الحلاج لم يكن ينام مضطجعاً بل واقفاً ، وربما جلس القرفصاء من وقت الى آخر لمدة لا تزيد عن ساعة واحدة .

قيل إنه لما عاد الى بغداد بعد حجه الاول لزم مرشده الجنيد مرة اخرى وقد عنَفه هذا الاخير على سؤ فهمه لطبيعة ” السكر ” الصوفي ووبخه على إغفاله للكتاب الكريم ولاداء الفرائض وبصورة خاصة على إدعائه بأنه الله …

بعد خلافه مع الجنيد بدأ الحلاج يبتعد عن النظام الصوفي المعروف ، ففارق حياة العزلة ورسم لنفسه خطة من الوعظ والارشاد في المجتمع كانت محفوفة بالمحاذير . فقد إختلط بشتى أنواع الناس من فلاسفة مثل الرازي والامراء مثل أمير طالقان وأقر بانواع من العقائد حيَرت معاصريه وزادت في صفوف خصومه مثل إكرامه لذكرى الامام محمد بن حنبل خصم المعتزلة الأكبر، وانضم في بعض مراحل نشاطه الى الدعوة الشيعية او العلوية .

بعد عودته من حجه الثالث الى بغداد بدت على الحلاج تبدلات وتغيرات . وكانت السمة البارزة في هذا التغيير المزيد من الوضوح والرسوخ في شعوره بالاتحاد بالله واصبحت ، كما إدعى ، تربطه به رابطة شخصية حميمة . .. وسمَى الحلاج هذا الترابط بين الانا والأنت “عين الجمع” . وهذا الاتحاد ، كما رآه الحلاج لا يستتبع فناء الذات الكلي ، بل تساميها واتصالها الحميم بالمحبوب الحقيقي .

طاف الحلاج البلدان داعيًا الى الزهد . فجال في فارس والهند وما وراء النهر ومكة واستقر في بغداد . واختلف الناس في كل هذه البلدان في رأيهم فيه . فكان بالنسبة لبعضهم “المخلّص” واعتبره آخرون من الأتقياء وأصحاب الكرامات ، بينما اعتبره الكثيرون دجالاً وملحداً يستحق الموت .

أقام عليه الوزير علي بن الفرات سنة 909 م دعوى شرعية . لكنه لم يعتقل الا بعد اربع سنوات. وتم ذلك في بغداد حيث عين مجلس قضاء خاص لمحاكمته ، فاتهم بأنه عميل للقرامطة والقي في السجن تسع سنوات . على أن التهمة الاخيرة التي وجهت اليه وقضت بموته فقد كانت الزندقة والتجديف والقول بالحلول وإدعاء الالوهية . وعندما جوبه الحلاج بما يتصل بالالوهية دافع عن نفسه بقوله إن مثل هذا الكلام يتفق مع مفهوم ” عين الجمع ” ، وهي حالة صوفية ينطق فيها الله بلسان المتصوف او يكتب بيده . وما المتصوف في هذه الحالة الا اداة بيد الله . لكن اخصامه ، ولا سيما الوزير حامد ، رفضوا هذه الحذلقة . ومع ان الخليفة كان قد أمر بجلده وحز رأسه إلا ان الوزير أمر بجلده والتمثيل به وصلبه وحز رأسه ثم بحرقه وذر رماده فوق دجلة .

ترك الحلاج كتبا عديدة لم يبق منها الا ” كتاب الطواسين ” في شرح مذهبه .

وجاء في وفيات الأعيان: ((أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج الزاهد المشهور؛ هو من أهل البيضاء وهي بلدة بفارس، ونشأ بواسط والعراق، وصحب أبا القاسم الجنيد وغيره، والناس في أمره مختلفون: فمنهم من يبالغ في تعظيمه، ومنهم من يكفر. ورأيت في كتاب “مسكاة الأنوار” تأليف أبي حامد الغزالي فصلاً طويلاً في حاله، وقد اعتذر عن الألفاظ التي كانت تصدر عنه مثل قوله “أنا الحق” وقوله “ما في الجبة إلا الله” وهذه الإطلاقات التي ينبو السمع عنها وعن ذكرها وحملها كلها على محامل حسنة، وأولها، وقال: هذا من فرط المحبة وشدة الوجد، وجعل هذا مثل قول القائل:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا       نحن روحان حللنا بـدنـا

فإذا أبصرتني أبصـرتـه              وإذا أبصرته أبصرتـنـا

وكان ابتداء حاله على ما ذكره عز الدين ابن الأثير في تاريخه أنه كان يظهر الزهد والتصوف والكرامات ويخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ويمد يده إلى الهواء ويعيدها مملوءة دراهم عليها مكتوب: قل هو الله أحد، ويسميها دراهم القدرة، ويخبر الناس بما يأكلون وما يصنعون في بيوتهم، ويتكلم بما في ضمائر الناس، فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول؛ وبالجملة فإن الناس اختلفوا فيه اختلافهم في المسيح عليه السلام، فمن قائل إنه حل فيه جزء إلهي ويدعي فيه الربوبية، ومن قائل إنه ولي الله تعالى وأن الذي يظهر منه من جملة كرامات الصالحين، ومن قائل أنه ممخرق ومستغش وشاعر كذاب ومتكهن والجن تطيعه فتأتيه بالفاكهة بغير أوانها.

وكان قدم من خراسان إلى العراق وسار إلى مكة فأقام بها سنة في الحجر لا يستظل تحت سقف شتاء ولا صيفاً، وكان يصوم الدهر فإذا جاء العشاء أحضر له الخادم كوز ماء وقرصاً فيشربه ويعض من القرص ثلاث عضات من جوانبه ويترك الباقي ولا يأكل شيئاً آخر النهار. وكان شيخ الصوفية بمكة عبد الله المغربي يأخذ أصحابه إلى زيارة الحلاج فلم يجده في الحجر وقيل قد صعد إلى جبل أبي قبيس، فصعد إليه فرآه على صخرة حافياً مكشوف الرأس والعرق يجري منه إلى الأرض، فاخذ أصحابه وعاد ولم يكلمه وقال: هذا يتصبر ويتقوى على قضاء الله وسوف يبتليه الله بما يعجز عنه صبره وقدرته؛ وعاد الحسين إلى بغداد. انتهى كلام ابن الأثير.

وكان في سنة 299 ادعى للناس أنه إله وأنه يقول بحلول اللاهوت في الأشراف من الناس، وانتشر له في الحاشية ذكر عظيم، ووقع بينه وبين الشبلي وغيره من مشايخ الصوفية، فبعث به المقتدر إلى عيسى ليناظره، فأحضر مجلسه وخاطبه خطاباً فيه غلظة، فحكي انه تقدم إليه وقال له فيما بينه وبينه: قف من حيث انتهيت ولا تزد علي شيئاً وإلا خسفت الأرض من تحتك، وكلاماً في هذا المعنى، فتهيب عيسى مناظرته واستعفى منها فنقل في سنة 309 إلى حامد بن العباس الوزير، فحدث غلام لحامد كان موكلاً بالحلاج قال: دخلت عليه يوماً ومعي الطبق الذي عادتي أن أقدمه إليه كل يوم، فوجدته قد ملأ البيت بنفسه وهو من سقفه إلى أرضه وجوانبه ليس فيه موضع، فهالني ما رأيت منه ورميت الطبق من يدي وهربت؛ وحم هذا الغلام من هول ما رأى وبقي مدة محموماً، فكذبه حامد وشتمه وقال: ابعد عني؛ وكان دخوله إلى بغداد مشهراً على جمل وحبس في دار المقتدر، وأفتى العلماء بإباحة دمه.

وكان الحلاج قد أنفذ أحد أصحابه إلى بلد من بلدان الجبل ووافقه على حيلة يعملها، فخرج الرجل فأقام عندهم سنتين يظهر النسك والعبادة وقراءة القرآن والصوم، فغلب على البلد حتى إذا تمكن أظهر أنه عمي فكان يقاد إلى مسجده ويتعامى في كل أحد شهوراً، ثم أظهر أنه زمن فكان يحبو ويحمل إلى المسجد النبي صلى الله عليه وسلم في النوم يقول أنه يطرق هذا البلد عبد صالح مجاب الدعوة تكون عافيتك على يديه ودعائه، فاطلبوا لي كل من يجتاز من الفقراء أو من الصوفية لعل الله تعالى أن يفرج عني، فتعلقت النفوس لورود العبد الصالح، ومضى الجل الذي بينه وبين الحلاج فقدم البلد ولبس الثياب الصوف الرقاق وتفرد في الجامع فقال الأعمى: احملوني إليه، فلما حصل عنده وعلم أنه الحلاج قال له: يا عبد الله رأيت في النوم كذا وكذا فادع الله تعالى لي، فقال: ومن أنا وما تحكي؟ ثم دعا له ومسح يده عليه فقام مبصراً صحيحاً، فانقلب البلد وكثر الناس على الحلاج، فتركهم وخرج من البلد وأقام المتعافي المبرأ مما فيه شهوراً ثم قال لهم: إن من حق الله عندي ورده جوارحي علي أن أنفرد بالعبادة انفراداً أكثر من هذا، وان يكون مقامي في الغز، وقد عملت على الخروج إلى طرسوس، فمن كانت له حاجة يحملها، فأخرج هذا ألف درهم وقال: اغز بهذه عني، واخرج هذا مائة دينار وقال: اخرج بها غزاة من هناك، وأعطاه كل أحد شيئاً فاجتمع له ألوف دنانير ودراهم، فلحق بالحلاج وقاسمه عليها. وكان قد جرى منه كلام في مجلس حامد وزير المقتدر بحضرة القاضي أبي عمر وقد قرئ عليه رقعة بخطه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه أفرد في داره شيئاً لا يلحقه نجاسة ولا يدخله أحد ومنع من يطرقه فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله طوافه بالبيت الحرام، فإذا انقضى ذلك وقضى من المناسك ما يقضي بمكة مثله جمع ثلاثين يتيماً وعمل لهم ما يمكنه من الطعام وأحضرهم إلى ذلك البيت وقدم إليهم ذلك الطعام وتولى خدمتهم بنفسه، فإذا أكلوا وغسلوا أيديهم كسا كل واحد منهم قميصاً ودفع إليه سبة دراهم أو ثلاثة، فإذا فعل ذلك قام له قيام الحج، فلما فرغ منها التفت إليه أبو عمر القاضي وقال له: من أين لك هذا؟ قال: من كتاب “الإخلاص” للحسن البصري، فقال له أبو عمر: كذبت يا حلاج، اللهم قد سمعنا كتاب “الإخلاص” للحسن بمكة وليس فيه شيء مما ذكرت الخ.

ومن الشعر المنسوب إليه على اصطلاحهم وإشاراتهم قوله:

لا كنت إن كنت أدري كيف كنت، ولا           لا كنت إن كنت أدري كيف لم أكـن

وقوله أيضاً على هذا الاصطلاح:

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له        إياك إياك أن تبتل بالمـاء

وغير ذلك مما يجري هذا المجرى وينبني على هذا الأسلوب.

وقال أبو بكر ابن ثواية القصري: سمعت الحسين بن منصور وهو على الخشبة يقول:

طلبت المستقر بكل أرض          فلم أر لي بأرض مستقرا

أطعت مطامعي فاستعبدتني     ولو أني قنعت لكنت حرا

والبيت الذي قبل قوله:

لا كنت إن كـنـت أدري…

أرسلت تسأل عني كيف كنت وما          لاقيت بعدك من هم ومن حزن

وقيل: إن بعضهم كتب إلى أبي القاسم سمنون بن حمزة الزاهد يسأله عن حاله، فكتب إليه هذين البيتين، والله أعلم.

وبالجملة فحديثه طويل وقصته مشهورة والله يتولى السرائر.

وكان جده مجوسياً وصحب هو أبا القاسم الجنيد ومن في طبقته، وأفتى أكثر علماء عصرة بإباحة دمه.

ويقال: إن أبا العباس ابن سريج كان إذا سئل عنه يقول: هذا رجل خفي عني حاله، وما أقول فيه شيئاً. وكان قد جرى منه كلام في مجلس حامد بن العباس وزير الإمام المقتدر بحضرة القاضي أبي عمر، فأفتى بحل دمه وكتب خطه بذلك وكتب معه من حضر المجلس من الفقهاء، فقال لهم الحلاج: ظهري حمى ودمي حرام، وما يحل لكم أن تتأولوا علي بما يبيحه، وأنا اعتقادي الإسلام ومذهبي السنة وتفضيل الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين وبقية العشرة من الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، ولي كتب في السنة موجودة في الوراقين فالله الله في دمي، ولم ينزل يردد هذا القول وهم يكتبون خطوطهم إلى أن استكملوا ما احتاجوا إليه ونهضوا من المجلس، وحمل الحلاج إلى السجن.

وكتب الوزير إلى المقتدر يخبره بما جرى في المجلس وسير الفتوى، فعاد جواب المقتدر بأن القضاة إذا كانوا قد أفتوا بقتله فليسلم إلى صاحب الشرطة، وليتقدم إليه بضربه ألف سوط، فإن مات من الضرب وإلا ضربه ألف سوط أخرى؛ ثم تضرب عنقه، فسلمه الوزير إلى الشرطي وقال له ما رسم به المقتدر، وقال: إن لم يتلف بالضرب فتقطع يده ثم رجله ثم يده ثم رجله ثم تحز رقبته وتحرق جثته، وإن خدعك وقال لك: أنا أجري الفرات ودجلة ذهباً وفضة، فلا تقبل ذلك منه ولا ترفع العقوبة عنه، فتسلمه الشرطي ليلاً، وأصبح يوم الثلاثاء لسبع بقين، وقيل لست بقين من ذي القعدة، سنة تسع وثلثمائة، فأخرجه عند باب الطاق، واجتمع من العامة خلق كثير لا يحصى عددهم، وضربه الجلاد ألف سوط، ولم يتأوه بل قال للشرطي لما بلغ ستمائة: ادع بي إليك، فإن لك عندي نصيحة تعدل فتح قسطنطينية، فقال له: قد قيل لي عنك إنك تقول هذا واكثر منه وليس إلى أن أرفع الضرب عنك سبيل، فلما فرغ ضربه قطع أطرافه الأربعة، ثم حز رأسه وأحرق جثته، ولما صارت رماداً ألقاها في دجلة، ونصب الرأس ببغداد على الجسر، وجعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوماً.

واتفق أن زادت دجلة في تلك السنة زيادة وافرة، فادعى أصحابه أن ذلك بسبب إلقاء رماده فيها. وادعى بعض أصحابه أنه لم يقتل، وإنما ألقى شبهه على عدو له. وادعى بعضهم أنه رآه في ذلك اليوم بعد الذي عاينوه من الحال التي جرت عليه وهو راكب على حمار في طريق النهروان وقال لهم: لعلكم مثل هؤلاء النفر الذين ظنوا أني هو المضروب والمقتول؛ ومن شعره المنسوب إليه:

متى سهرت عيني لغيرك أو بكـت              فلا بلغت ما أمـلـت وتـمـنـت

وإن أضمرت نفسي سواك فلا رعت            بأرض المنى من وجنتيك وجـنـت

وشرح حاله فيه طول، وفيما ذكرناه كفاية.

والحلاج: بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام وبعدها ألف ثم جيم. وإنما لقب بذلك لأنه جلس على حانوت حلاج واستقضاه شغلاً، فقال الحلاج: أنا مشتغل بالحلج، فقال له: امض في شغلي حتى أحلج عنك، فمضى الحلاج وتركه، فلما عاد رأى قطنه جميعه محلوجاً. وقيل إنه كان يتكلم قبل أن ينسب إليه على الأسرار ويخبر عنها، فسمي بذلك حلاج الأسرار.

والبيضاء: بفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الضاد المعجمة وبعدها همزة ممدودة)).

من قصائده:..

للعلم أهل وللإيمان ترتيب
لم يبق بيني و بين الحـقّ  تِبْيَانـي
و أيّ أرض تخـلـو مـنـك حـتّـى
أشار لحظي بعين علِــم
أُقْتُلُوني يا ثقاتـــي
سكوتٌ ثم صمتٌ ثم خَرْسُ
عجبتُ منك و منـّـي
لبّيكَ لبّيكَ يا سرّي و نجوائـــي

المراجع: وفيات الأعيان لابن خلكان