الأمونيا مسعى عمليّة ثورية خلّدت صاحبها

الأمونيا مسعى عمليّة ثورية خلّدت صاحبها                                                                                                                      

اعداد : محمّد فليفل – راسيل اللبان
انترناشونال كولدج , بيروت
الصف : الثالث الثانوي – فرع العلوم العامة وعلوم الحياة

المادة : اللغة العربية وآدابها
النوع : بحث منهجي قصير ( علمي )

فهرس المحتويات:
١- الاكتشاف .
٢- الأمونيا و أبرز مميّزاتها الكيميائيّة
٣- نبذة عن فريتز هابر؟ .
٤- دوافع عمليّة هابر؟ .
أ- الحاجة المدنيّة للنيتروجين
ب- الحاجة العسكرية
٥- – خصائص العملية و أسرارها.
أ- العنصران الأساسيّان في العمليّة
ب- التفاعل بين العنصريْن (العمليّة العكسيّة)
ج- ظروفها المثلى .
٦- استخدامات الأمونيا بعد العمليّة
أ- في مجال الزراعة
ب- في مجال الصّناعة
٧- الخاتمة
٨- لائحة المصادر والمراجع

هناك إكتشافات علميّة لعبت دورا ً هامّا ً في تاريخ العالم و النشاط البشري و أدّت إلى نموّ المصانع و المجتمعات. بفضل تلك الإكتشافات، إنتقل المجتمع العالمي من مجتمع بسيط إلى آخر متقدّم علميا ً يسعى إلى تأمين حاجات الإنسان عبر الانتاج السريع و الضخم. قبل ولادة القرن العشرين ببضعة أعوام، ظهر عامل الوقت كعامل أساسي في عمليّة التصنيع. عندئذ إنطلق العلماء في أبحاث تبتكر طرقاً جديدة تمكن المصنّع من توليد المنتجات المصنّعة بوتيرة أسرع من تلك التي إعتمِدت من قبل. تنوّعت المنتجات بين سيارات ومواد كيماوية و مفروشات و ثياب و غيرها. بين الإكتشافات التي هدفت إلى زيادة إنتاج إحدى المواد الكيماويّة هي عمليّة هابر التي صمّمها العالم “فريتز هابر”.

التركيب الجزيئي للأمونيا.

الأمونيا، متوفر في الطبيعة، غاز قلوي وعديم اللون يتكوّن من العنصريْن: النيتروجين و الهيدروجين. كلّ جزيْئة من الأمونيا هي نتيجة الترابط بين ذرّة من النيتروجين وثلاث من الهيدروجين. تتصف الأمونيا بقابليتها للذوبان في الماء و يُعرف المزيج حينها بالأمونيا السائل. هذه الميزة تمكّن الإنسان من تخزين الأمونيا و إستخدامها بشكل أسلم و أكثر أمانا ً من كونها غازا ً. فالأمونيا مادّة مسمّة و تنشق الأمونيا قد يوّدي إلى الإختناق و الموت. تتحوّل الأمونيا من غاز إلى سائل عند حرارة ٣٥.٣٣- درجة مئوية و يتصلب عند ٧.٧٧- درجة. عندما تتحوّل الأمونيا من سائل إلى غاز، تسحب الحرارة من محيطها بكميات عالية. لهذا السبب، شاع توظيف الأمونيا كمادّة مبرّدة توضع في البرّادات للحفاظ على الطعام. بعد ظهور عمليّة هابر، توفرت الأمونيا بكمية أكبر في السوق وشاعت بذلك توظيفات عديدة لهذا الغاز.

فريتز هابر و هو يطوّر عمليّته.

ولد فريتز هابر في مدينة بريسلو في بروسيا عام ١٨٦٨ إبنا ً لتاجر موادّ كيماويّة يهوديّ الأصل.عُرف بطموحاته في مجال الكيمياء، فغادر الشركات العائلية لإكمال دراساته العليا ثمّ نيل شهادة الدكتوراه في الكيمياء العضوية. خلال دراسته في عدّة جامعات في المانيا، إهتمّ بتأثير الحرارة على كيمياء الغازات. عمل على تصميم عمليّة تركّب الأمونيا من عنصريْها الغازيّيْن و نجح في تصميم و تطوير عمليّته نهائيّا ً عام ١٩٠٨. في عام ١٩١١، فاز بمنصب إداري في المعهد الألماني حيث كان له دور فاعل مباشر في الحرب العالميّة الأولى عبر التفسير للألمان كيفيّة الإستفادة من الأمونيا في القنابل. في تلك الفترة، كانت حامت شكوك حول اذا ما كان هابر يدعم اليهود، فاعتنق الديانة المسيحيّة لتأكيد ولائه للألمان. فاز بجائزة نوبل للكيمياء سنة ١٩١٨ لتركيب الأمونيا من عنصريْها المذكورين سابقاً .

النيتروجين عنصر أساسي في تشكيل حياة الكائنات الحيّة من انسان و حيوان ونبات و خاصّة أجسادها، و كلّ مادّة نيتروجينيّة تصبح مصدرا ً للنيتروجين يعتمد عليه الكائنات. في القطاع الزراعي، كان العالم بحاجة إلى زيادة الانتاج لمسايرة النمو السكاني السريع. من المعروف أنّ الغلاف الجوّيّ غنيّ بالنيتروجين و بقدرة الانسان تحويل هذا الغاز المتوفر إلى مادة تلبّي حاجات المجال الزراعي على نطاق واسع و تنتشر في الأسواق بثمن رخيص.

في نهاية القرن التاسع عشر، كانت التشيلي هي المصدر الأساسي للمواد النيتروجينية في العالم. في هذه الفترة، بات إندلاع حرب عالمية قريبا ً، و الكمية المتوفرة من هذه المواد في التشيلي لم تكن قادرة على مسايرة الطلب المتزايد للأمونيا، أبرز المواد النيتروجينية و أكثرها طلبا ً. كما أنّ كل دولة أو إمبراطورية لم تتوفر لها هذه المواد لن تستطيع خوض الحرب. فكانت حينها الأمونيا الأساس للمتفجرات و بودرة البنادق. من هذه الامبراطوريات كانت ألمانيا، وطن فريتز هابر الأمّ، التي سعت كغيرها من الدول لتأمين تلك المادة. بعدما أخذت ألمانيا موقف الحرب مع الحلفاء، توقّفت صادرات التشيلي، التي كانت تابعة حينها الى البريطانيّين و الحلفاء، إلى ألمانيا. عندها، كانت الامبراطورية بحاجة إلى مصدر أو خطة بديلين لتأمين المتفجّرات.

سعى هابر، حينها، إلى تطوير عمليّة لتصنيع مادة الأمونيا بكميات ضخمة للضرورات الزراعيّة و الحربيّة. بدا هذا الأمر مستحيلا ً، لكنه إستطاع تحقيق هذا الحلم. لولا عمليّة هابر، لما نقص عدد الجياع في العالم و ما صمدت ألمانيا لأربع سنوات في الحرب . لقد حاول أخصام ألمانيا تقليد العمليّة أو سرقتها بطريقة ما، لكنهم فشلوا لأنّهم لم يعرفوا أسرارها .

عمليّة هابر هي عمليّة معقّدة كيميائيّا ً نجحت في تعزيز إنتاج الأمونيا. تستمدّ هذه العمليّة النيتروجين من الهواء و تجمعه مع الهيدروجين تحت الضغوط العالية و درجات الحرارة المرتفعة في خزانات مخصّصة للعمليّة بذاتها. تعتمد العمليّة على التفاعل بين الغازيْن النيتروجين و الهيدروجين للحصول على الأمونيا تبعا ً للمعادلة الكيميائية التالية:

N2 + 3 H2 = 2 NH3
هذه العمليّة عكسيّة، أي أنّ التفاعل لا يسعى إلى إستنزاف الغازيْن المتفاعليْن بأكملهما، بل يُنشئ مزيجا ً من النيتروجين و الهيدوجين و الأمونيا. كان هدف عمليّة هابر إنتاج أكبر كميّة من مادّة الأمونيا إنطلاقا ً من نفس كمية الموادّ المتفاعلة في ظروف متوفرة و ممكنة إقتصاديا ً و في فترة زمنية قصيرة.

التصميم التي إعتمد عليه هابر في تجاربه.

باستطاعة الإنسان أن يتحكم بالظروف التي تحيط بالعمليّة العكسيّة كي يزيد نسبة المنتجات في المزيج، و من هذه الظروف الحرارة و الضغط في الخزّان. بعد اختبارات عدّة، وجد هابر أن الظروف المثلى إقتصاديّا ً و كيميائيّا ً التي أنتجت أكبر كمية من الأمونيا هي وضع العمليّة على حرارة ٤٠٠ درجة مئويّة و تحت ضغط يساوي مئتي ضعف الضغط الجوي الطبيعي داخل خزان مغلق. يُصنع الخزان تبعا ً لمميزات خاصة و ضرورية: على الخزان أن يكون حديديّا ً، يبلغ ارتفاعه عشرين مترا ً و وزنه مئتي طنا ً. قد يكون الخزان مكلفاً بتلك المواصفات لكنّ كلفة هذا الخزان تبقى أقلّ بكثير من كلفة زيادة الضغط داخله. زيادة الضغط الداخلي للخزان يحتم زيادة ارتفاعه و قوّة حديده.

تأثير الحرارة و الضغط على إنتاج الأمونيا.

إنّ ارتفاع الضغط قد يؤثر في سلامة العمليّة بذاتها إذ ترتفع خطورة العمليّة مع زيادة الضغط الداخلي. لقد أرسى هابر اختياره على الحديد كمادّة لصنع الخزان لأنّ الحديد في هذه العمليّة قد يلعب دور المسرّع للعمليّة فيتوصّل المصنّع إلى الأمونيا خلال وقت قصير. إنخفاض الحرارة يبطئ العمليّة اذ تخفّ حركة الغازات و التفاعلات فيما بينها، علما ً أنّ بطء العمليّة غير محبّب اقتصاديّا ً. كي تزداد نسبة الانتاج في العمليّة على المصنّع أن يخرج الأمونيا المنتجة من المزيج الغازيّ، و خير وسيلة هي تسييل الأمونيا في الخزان من خلال ضخّ الأمونيا المنتجة إلى خزّان آخر على حرارة أدنى من حرارة خزّان العمليّة. عندئذ تندفع العمليّة تلقاء نفسها لإبقاء التوازن بين الغازات المتفاعلة و الصادرة ممّا يزيد من انتاج الأمونيا.

لا تتطلب عمليّة هابر عدداً كبيراً من العمّال، فبإستطاعة ثلاثة أشخاص على الأكثر مراقبة العمليّة و الظروف التي تحيط بها للتأكد من سيرها بشكل سليم. تستطيع الشركات الزراعية إنشاء المصانع قرب السهول الزراعيّة لإختصار الوقت و المواصلات بين مصدر الأمونيا، أي المصنع، و وجهتها، أي السهول.

رش الأمونيا في سهل زراعي.

أبرز إستخدامات الأمونيا هي في القطاع الزراعي، حيث تستخدم الولايات المتحدة الأميريكية حوالي ٨٠٪ من انتاجها للأمونيا كمواد كيماوية لتعزيز الانتاج الزراعي. لم يعد المزارع يقلق للعثور على مصدر للنيتروجين. أصبحت الأمونيا تنتشر في الأسواق كعبوات بلاستيكيّة تحمل سائل الأمونيا الذي يُرشّ على الأراضي المزروعة. يحمل هذا السائل إلى جانب الأمونيا غيرها من المواد النيتروجينيّة كنيترات الأمونيا و اليوريا. بالاضافة إلى قدرتها على مضاعفة الإنتاج، تعطى الأمونيا للمواشي كمصدر أساسي للبروتين.
أمّا في مجال الصناعة، فتدخل الأمونيا في عمليّة صناعة الأصباغ و تحضير الأدوية كالفيتامينات و مستحضرات التجميل. للأمونيا دور أيضاً في استخراج المعادن من المناجم كالنّحاس و النّيكل. ومن الإستخدامات البارزة للأمونيا هي التبريد حيث تستطيع هذه المادة تأمين جو بارد للحفاظ على المأكولات و المشروبات في البرادات المخصصة لذلك. في مصانع المطاط، تدخل الأمونيا كمادة للحفاظ على شكل الربطة و منعها من خسارة قوتها فوراً. الى جانب تلك الاستخدامات، تستطيع الأمونيا العمل كمسحوق تنظيف منزلي فعّال .

بعد وفاة فريتز هابر، تنقسم المجتمعات البشريّة العالميّة في توصيفها لهابر الإنسان، متأثرة بعمليّته و إنعكاساتها الايجابية والسلبية على العالم .

قسْمٌ من البشر ينظر إليه كمنقذ . فقد حققت العمليّة غايتها التي على أساسها نشأت و أمّنت إنتاجا ً زراعيّا ً مرتفعا ً. بهذا الانجاز، تصبّ العمليّة في خدمة “الثورة الخضراء” التي انطلقت في القرن العشرين.

عبوات من غاز تسايكلون بي وجدها الحلفاء بعد نهاية الحرب العلمية الثانية.

في المقابل، يكنّ القسم الآخر منهم لهابر الكره الشديد ويلقّبونه بـ “تاجر الموت”. فقد سبّبت عمليّته في رأيهم إختلالات خطيرة في دورة النيتروجين. يضيف العالم أجمع إلى محيطه من الهواء و التربة و المياه حوالي ١٤٠ مليون طن من النيتروجين بينما يوصي العلماء بخفض هذه الكمية إلى ٣٥ مليون طن. كما يستخدم صانعو الأسمدة النيتروجينية في العمليّة حوالي ٥ ٪ من إنتاج العالم من الغاز الطبيعي أي ما يعادل ١ إلى ٢ ٪ من إستهلاك الطاقة في العالم وهذا الأمر يؤدي إلى هدر إحتياطي النفط. ويزيد العنف بعد أن إنتشرت ظاهرة إستغلال الأمونيا – بعيدا ً عن غايتها الأساسية السلمية – في القنابل و غيرها من أشكال الأسلحة،فقد تبيّن أن هابر أ طوّر غازا ً سُمِّي بـ “تسايكلون بي” (Zyklon B) وظّف في إزهاق الكثير من الأرواح .
فهل تبرّر الغاية الوسيلة ؟ و هل سيكون المستقبل وحده قاضيا ً بين الرأيين ؟

المصادر والمراجع :
ammonia (NH3). (2011). In Encyclopædia Britannica. Retrieved from http://www.britannica.com/EBchecked/topic/20940/ammonia
Armbruster, D. C. (2003) Ammonia: Properties of ammonia. In D.W. Jacobs (Ed.), The world book encyclopedia. (Vol. 1, pp. 433-434). Chicago, IL: World Book.
Fritz Haber – Biography. (2011). Retrieved from http://nobelprize.org/nobel_prizes/chemistry/laureates/1918/haber-bio.html
Hollar, A. (2011). Fritz Haber – Savoir and Death Dealer. Retrieved from http://www.suite101.com/content/fritz-haber—savior-and-death-dealer-a351318
Jayant, M.(2002). Haber Process for Ammonia Synthesis. Retrieved from http://www.hsc.csu.edu.au/chemistry/core/monitoring/chem942/942net. html
Leslie, J.(2008).The Haber Process: Nitrogen Fertilizer from the Air. Retrieved from http://www.the-compost-gardener.com/haber-process.html