الإمام الغزالي

الإمام الغزالـي
1059م -1111م

وُلِدَ حجّة الإسلام الإمام أبو حامد محمّد الغزالي في ضاحية غزالة بمدينة طوس، من أعمال خُراسان.

كان والده، إلى جانب اشتغاله بغزل الصّوف، يقوم بخدمة رجال الدين والفقهاء في مجالسهم. وكانت أقصى أمانيه أن يرى أحد وَلَديه محمد وأحمد خطيبًا وعالمًا. ولكن الدّهر لم يمهله ليحقّق أمنيته، فمات والولدان قاصران، فتعهّدهما بالتربية والعلوم الأولى صديق صوفيّ لأبيهما، ينفق عليهما ممّا تركه الوالد من مالٍ قليلٍ.

دَرَس محمّد العلوم في بلدته، ثم انتقل إلى جرجان سنة 1073م طَلَبًا للتّزيد والتّعمق. رحل إلى نيسابور سنة1078م وهي من مُدن العِلمِ المعروفة آنذاك، فاتّصل بإمام الحَرَمين أبي المعالي الجويني “عالم عصره في التوحيد والإلمام بمذاهب الأشرعية وطرق الجدل والأصول والمنطق”. فدرس الغزالي عليه كل هذه العلوم والمذاهب كما دَرَس شيئًا من الفلسفة.

انتقل إلى بغداد بعد موت أستاذه الجويني عام 1085م، فاتّصل في المُعَسكر بالوزير السّلجوقي في نظام الملك طوال خمس سنوات، ظهر خلالها تفوّقه في الكلام والفقه والعلوم الشرعية أثناء مناظراته الأئمة والمفكّرين، فعيّنه الوزير أستاذًا مُشرفًا على النّظامية في بغداد وهي أشهر المدارس في عصرها.

أُعجِبَ الكُلّ بحُسن كلام الغزالي وكمال فضله وعبارته الرّشيقة ومعانيه الدقيقة. وتمتّع بما اشتهى من جاهٍ ومالٍ فأصبحت حلقات درسه مُلتقى العلماء والقضاة والأمراء والوزراء، وأقبل عليه الطّلاب إقبالاً مُنقطع النظير من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. فكان يزدحم ثلاثمائة طالب لأحاديثه في علوم الكلام والأخلاق والعقائد.

يحدّث الغزالي أنّه وقع في أول هذه المرحلة بأزمةٍ من الشك الذي كانت خطوطه بدأت تتكوّن في نيسابور، لكنه اجتازها بعد شهرين من القلق كان فيهما على مذهب السفسطة. اهتم بالفلسفة أثناء بحثه عن الحقيقة، فأكبّ على تحصيلها وطالع كتب المتقدمين والمتأخرين وألّف كتابيه: “مقاصد الفلاسفة”، “وتهافت الفلاسفة” وفيه كفّر الفلاسفة. اعتزل التّدريس سنة 1095م بعد أزمةٍ نفسيةٍ عنيفةٍ وصراعٍ شديدٍ تردّد فيه بين شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبًا من ستة أشهر، وأخذ بعده بحياة التّصوف، فخرج من بغداد إلى الشام ثم إلى بيت المقدس والحجاز حيث قضى سنوات في الزهد والعبادة على طريقة المتصوفين. وجذبته دعوات الأطفال إلى الوطن فعاد إلى طوس وعزم على الدعوة إلى الإصلاح الديني، فقام يؤلف كتابه: “إحياء علوم الدّين” ولكنه عاد إلى التدريس في نظامية نيسابور مدة سنتين (1105– 1106م) بناءً على دعوةٍ مُلحّةٍ من السلطان. انصرف بعد ذلك إلى التصوف في مسقط رأسه طوس، إلى أن وافته منيّته.

قال عنه ابن خلكان في “وفيات الأعيان” : ((أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، الملقب حجة الإسلام زين الدين الطوسي الفقيه الشافعي، لم يكن للطائفة الشافعية في آخر عصره مثله، اشتغل في مبدأ أمره بطوس على أحمد الراذكاني، ثم قدم نيسابور واختلف إلى دروس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وجد في الاشتغال حتى تخرج في مدة قريبة، وصار من الأعيان المشار إليهم في زمن أستاذه، وصنف في ذلك الوقت، وكان أستاذه يتبجح به، ولم يزل ملازما له إلى أن توفي في التاريخ المذكور في ترجمته، فخرج من نيسابور إلى العسكر، ولقي الوزير نظام الملك فأكرمه وعظمه وبالغ في الإقبال عليه، وكان بحضرة الوزير جماعة من الأفاضل، فجرى بينهم الجدال والمناظرة في عدة مجالس، فظهر عليهم واشتهر اسمه وسارت بذكره الركبان.

ثم فوض إليه الوزير تدريس مدرسته النظامية بمدينة بغداد، فجاءها وباشر إلقاء الدروس بها، وذلك في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وأعجب به أهل العراق وارتفعت عندهم منزلته، ثم ترك جميع ما كان عليه في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وسلك طريق الزهد والانقطاع وقصد الحج وناب عنه أخوه أحمد في التدريس فلما رجع توجه إلى الشام فأقام بمدينة دمشق مدة يذكر الدروس في زاوية الجامع في الجانب الغربي منه، وانتقل منها إلى البيت المقدس، واجتهد في العبادة وزيارة المشاهد والمواضع المعظمة، ثم قصد مصر وأقام بالإسكندرية مدة، ويقال إنه قصد منها الركوب في البحر إلى بلاد المغرب على عزم الاجتماع بالأمير يوسف بن تاشفين صاحب مراكش، – وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى – فبينا هو كذلك بلغه نعي يوسف بن تاشفين المذكور، فصرف عزمه عن تلك الناحية.

ثم عاد إلى وطنه بطوس واشتغل بنفسه وصنف الكتب المفيدة في عدة فنون منها ما هو أشهرها كتاب الوسيط والبسيط والوجيز والخلاصة في الفقه، ومنها إحياء علوم الدين وهو من أنفس الكتب وأجملها، وله في أصول الفقه المستصفى فرغ من تصنيفه في سادس المحرم سنة ثلاث وخمسمائة، وله المنحول والمنتحل في علم الجدل وله تهافت الفلاسفة ومحك النظر ومعيار العلم والمقاصد والمضنون به على غير أهله والمقصد الأقصى في شرح أسماء الله الحسنى ومشكاة الأنوار والمنقذ من الضلال وحقيقة القولين وكتبه كثيرة وكلها نافعة.

ثم ألزم بالعود إلى نيسابور والتدريس بها بالمدرسة النظامية، فأجاب إلى ذلك بعد تكرار المعاودات، ثم ترك ذلك وعاد إلى بيته في وطنه، واتخذ خانقاه للصوفية ومدرسة للمشتغلين بالعلم في جواره، ووزع أوقاته على وظائف الخير: من ختم القرآن ومجالسة أهل القلوب والقعود للتدريس، إلى أن انتقل إلى ربه. ويروى له شعر، فمن ذلك ما نسبه إليه الحافظ أبو سعد السمعاني في الذيل وهو قوله:

حلت عقارب صدغه في خده         قمرا فجل بها عن التشبـيه

 ولقد عهدناه يحل ببرجـهـا           فمن العجائب كيف حلت فيه

 ورأيت هذين البيتين في موضع آخر لغيره والله أعلم. ونسب إليه العماد الأصبهاني في الخريدة هذين البيتين، وهما:

هبـنـي صـبـوت كـمـا تـرون بـزعـمـكـــم           وحـظـيت مـنـه بـلـثـــم خـــد أزهـــر

 إني اعتزلت فلا تلوموا إنه                            أضحى يقابلني بوجه أشعر ي

ونسب إليه البيتين اللذين قبلهما.

وكانت ولادته سنة خمسين وأربعمائة، وقيل سنة إحدى وخمسين بالطابران، وتوفي يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة بالطابران، ورثاه الأديب أبو المظفر محمد الأبيوردي الشاعر المشهور – وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى – بأبيات فائية من جملتها:

مضى وأعظم مفقود فجعت به   من لا نظير له في الناس يخلفه

وتمثل الإمام إسماعيل الحاكمي بعد وفاته بقول أبي تمام من جملة قصيدة مشهورة:

عجبت لصبري بعده وهـو مـيت      وكنت امرءا أبكي دما وهو غائب

 على أنها الأيام قد صرن كلـهـا       عجائب حتى ليس فيها عجـائب

 ودفن بظاهر الطابران، وهي قصبة طوس، رحمه الله تعالى.

وقد تقدم الكلام على الطوسي والغزالي في ترجمة أخيه أحمد الزاهد الواعظ المذكور في حرف الهمزة، والطابران، بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وراء مهملة وبعد الألف الثانية نون، وهي إحدى بلدتي طوس، كما تقدم ترجمة أحمد أيضا.))

ترك الغزالي عددًا كبيرًا من المؤلّفات في شتى فروع النّشاط الفكري، أهمّها:

1- في التصوف والأخلاق: إحياء علوم الدين، كتاب الأربعين في أصول الدين، الأدب في الدين، آداب الصوفية، ميزان العمل، أيّها الولد، جواهر القرآن، معراج السالكين، منهاج العابدين، مشكاة الأنوار… إلخ.

2- في العقائد والفقه والأصول: عقيدة أهل السنة، القسطاس المستقيم، الإقتصاد في الإعتقاد، إلجام العوام عن علم الكلام، الرسالة القدسية، المُستظهري (فضائح الباطنية)، المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحُسنى.

3- في الفلسفة والمنطق: مقاصد الفلاسفة، تهافت الفلاسفة، معيار العلم في المنطق.

4- ترجمة حياة: المُنقذ من الضلال.

المراجع: وفيات الأعيان لابن خلكان