ابن زهر

ابن زهر

تميزت أسرة ابن زهر الأندلسية بنبوغ أبنائها في الطب والأدب والشعر والسياسة. استقر أبناؤها أولاً في جفن شاطبة من الجنوب الشرقي، ثم تفرّق حفدتهم في عدة حواضر. وتوالى نوابغهم في أعلى مراتب الطب والفقه والشعر والأدب، كما تولوا أرفع مناصب الإدارة والوزارة. من أبرزهم:

عبد الله بن زُهر

هو أبو مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد بن زُهر الايادي. اشتغل بالفقه كأبيه، إلا أنه اشتهر بالطب. مارس في حواضر الشرق العربي، فتولى رئاسة الطب في بغداد، في منتصف القرن الخامس للهجرة، ثم في مصر، فالقيروان. عاد إلى بلاده، فاستقر في دانية على عهد الأمير مجاهد الذي قرّبه إليه وأجزل له العطاء. ومن بلاط هذا الأمير طار ذكره في أنحاء الأندلس والمغرب، وظل في دانية الأندلسية متمتعاً بالجاه العريض، والثروة الطائلة، حتى وفاته. ويقول ابن أبي أصيبعة أنه ترك دانية إلى إشبيلية حيث توفي.

زهر بن زُهر
هو أبو العلاء زهر بن أبي مروان عبد الملك، ابن عبد الله، عرف بأبي العلاء زهر، وصحف اسمه باللغة اللاتينية في القرون الوسطى على أشكال شتى، اشهرها تصحيف “أبو العلاء زهر”. وهذا دليل على شهرته وسير اسمه في أوساط الطب، وحلقات الأطباء الأوروبيين إذذاك. وكان قد أتقن هذا العلم على أبيه، كما درس الفلسفة والمنطق، وأخذ الأدب والحديث من شيوخ قرطبة. مارس الطب نظرياً وعملياً، فخرّج عدة تلامذة، وأصبح علماً في تشخيص الأمراض وبلغت شهرته المعتمد بن عباد، أمير إشبيلية، فاستدعاه إليه وألحقه ببلاطه. وكان لجده أبي بكر محمد ضيعة صادرها أرباب السلطان، فأعادها المعتمد إليه. وظل أبو العلاء في بلاط إشبيلية حتى غزاها المرابطون وأُسر أميرها سنة 484 هـ. ثم استدرجه السلطان يوسف بن تاشفين المرابطي لخدمته، فالتحق ببلاطه، فوزره منصب الوزارة. وكانت وفاته من تأثير نُغْلة، أي دمَّل فاسد، بين كتفيه، سنة 1147م في قرطبة، على قول ابن الأبار وابن دحية ومن أخذ عنهما، ونقل جثمانه إلى إشبيلية. إلا أن ابن أبي أصيبعة يقول أنه توفي بإشبيلية.

عبد الملك بن أبي العلاء بن زُهر

ولد أبو مروان عبد الملك بن أبي العلاء زهر، أشهر أبناء الأسرة في إشبيلية، ولم يذكر مترجموه سنة ولادته، وقد تكون بين 1106-1109م. كان أشهر أطباء عصره بالأندلس.

يذكر له تاريخ الطب اكتشافات طبية مهمة منها وصفه الأورام الحيزومية وخرّاج التامور، وهي أمراض لم توصف من قبل. وكان أول طبيب عربي أشار بعملية شق الحجب، منها شرحه لطريقة التغذية القيسرية أو الاصطناعية بطريق الحلقوم أو بطريق الشرج. وقد دوّن كل ذلك في سلسلة من المؤلفات أهمها: كتاب التيسير في المداواة والتدبير الذي ترجم وطبع مرات عديدة ، كتاب الاقتصاد في إصلاح النفس والأجساد، كتاب الأغذية، كتاب الجامع. عمل وزيراً لدى عبد المؤمن بن علي الموحدي.

وافاه الأجل من جرّاء خرّاج خبيث، سنة 1162م في إشبيلية، ودفن خارج باب النصر، وخلّف ابناً هو أبو بكر الشاعر والطبيب وابنة طبيبة. ومن غريب الصدف أن أباه قد توفي بتأثير دمّل خبيث كذلك.

محمد بن زُهر
1129- 1217م

هو أبو بكر محمد بن أبي مروان، ابن السابق، ويعرف بالحفيد ابن زهر، وُلد بإشبيلية سنة 507 هـ. جرى على سنن آبائه من التثقف بالطب والأدب.

انصرف في الشؤون الطبية إلى الناحية العملية، فكان حسن المعالجة، جيد التدبير، لا يماثله أحد في ذلك. ولم يذكر من تأليفه إلا رسائله في طب العيون. وكان مع ابن زهر بنت أخت له علمها الطب، فمهرت في فن التوليد وأمراض النساء. بيد أن هبات الملك للطبيب، وإقباله عليه، مع ما أنعم الله عليه به من عريض الجاه، أثار حسد الوزير أبي زيد عبد الرحمن، فعمل على دسّ السم له ولبنت أخته، فتوفيا .

وتجدر الإشارة إلى أن شهرة أبي بكر بن زهر لا تقوم على إنجازاته في حقل الطب وحده، بل بصورة خاصة على شعره، لا سيما موشحاته المبتكرة التي كان فيها من المتقدمين. فقد تثقف، إلى ثقافته الطبية العلمية، بثقافة فقهية لغوية أدبية متينة وعميقة. وله موشحه المشهور “أيها الساقي” الذي انتشر في المغرب والمشرق.

عبد الله بن زُهر
1199-1224م

هو أبو محمد عبد الله بن أبي بكر. ولد في إشبيلية وكان أبوه قد شاخ لكنه اهتم بابنه اهتماماً شديداً، وثقفه على يده في الطب والأدب. حتى إذا شب جعله في خدمة الملك المنصور الموحدي، ثم خدم خليفته الملك محمد الناصر. وظل معززاً في مركزه، ونال شهرة باكرة في ميدان الطب العملي، حتى توفي مسموماً كأبيه برباط الفتح في طريقه إلى مراكش، وهو في شرخ الشباب. ترك ولدين هما أبا مروان عبد الملك، وأبا العلاء محمداً الذي كان، هو أيضاً، طبيباً مشهوراً.