ابن خلدون

ابـن خلـدون
1332- 1406م

هو ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خالد (خلدون) الحضرمي. مؤسس علم الاجتماع ومؤرخ تونسي مسلم ترك تراثا مازال تأثيره ممتدا حتى اليوم . ولد ابن خلدون في تونس عام 1332م (732هـ) بالدار الكائنة بنهج تربة الباي . أسرة ابن خلدون أسرة علم وأدب، فقد حفظ القرآن الكريم في طفولته ، وكان أبوه هو معلمه الأول. شغل أجداده في الأندلس وتونس مناصب سياسية ودينية مهمة وكانوا أهل جاه ونفوذ، نزح أهله من الأندلس في أوساط القرن السابع الهجري، وتوجهوا إلى تونس حاضرة العلوم آنذاك، وكان قدوم عائلته إلى تونس خلال حكم دولة الحفصيين . ينتهى نسبه بالصحابى وائل بن حجر الحضرمي الذى كان النبى صلى الله عليه وسلم قد دعا له :”اللهم بارك في وائل بن حجر وبارك في ولده وولد ولده إلى يوم القيامة”.

درس الأدب على أبيه، ثم لم يلبث أن التحق صغيراً ككاتب للعامة، بأمير تونس أبي إسحق الحفصي. وكانت وظيفته كتابة الشارة السلطانية بين البسملة والنص. لكن هذه الوظيفة لم ترضي طموح ابن خلدون. فقصد مراكش واتصل بسلطانها أبي عنان المريني، فأصبح أمينًا لسره سنة 1356، ولكنه خانه. ولدى اكتشاف المؤامرة طرح مترجمنا في السجن.

أطلق سراحه الوزير حسن بن عمر. بيد أن ابن خلدون انضمّ إلى أعداء الوزير وحاربه تحت راية المنصور بن سليمان. ثم ما لبث أن خان المنصور وألّب عليه القبائل لمصلحة خصمه أبي سالم الذي انتصر، فأولى أبن خلدون أمانة سر الدولة. وتغيّر عليه السلطان فسعى ابن خلدون مع أحد الوزراء السابقين وقلّبه. لكن الوزير استأثر بالوزارة فغضب ابن خلدون وسافر إلى غرناطة حيث عاش مدة في بلاط ملكها ابن الأحمر ووزيره لسان الدين بن الخطيب.

ترك ابن خلدون غرناطة ليعود عام 1365 إلى بجاية وقد تملكها صديقه القديم فولي رئاسة الوزارة. وحين قتل الأمير في حربه ضد ابن عمه، فاوض ابن خلدون الغازي لتسليمه المدينة لقاء احتفاظه بالوزارة فكان له ذلك. ثم لم يلبث أن تغيّر عليه الأمير فاضطر أن يهرب.

ظلّ ابن خلدون مدة يتنقل بين قبائل بني رياح، يستميلها تارة إلى السلطان أبي حمو وأخرى يكلف باستمالتها إلى عبد العزيز المريني.. ولكن تقلباته الدائمة أحنقت الجميع عليه فسافر إلى الأندلس. ولم يلق عند بني الأحمر ما كان ينتظره لأنهم علموا بمشايعته لوزيرهم السابق المغضوب عليه لسان الدين الخطيب.

عاد ابن خلدون إلى إفريقيا فوجد نفسه بقبضة السلطان أبي حمو الذي كان ابن خلدون قد خانه سابقا باستمالته قبائل بني رياح، فكلفه السلطان بإعادة الكرة لاستمالتها مجددا، لكنه اعتذر وانصرف إلى التأليف مدة أربع سنوات. فوضع في قلعة ابن سلامة مقدمة تاريخه وشرع بكتابة التاريخ. ثم تغير عليه صديقه مفتي تونس فأوغر صدر السلطان عليه واضطر ابن خلدون أن يسافر قصد الحج إلى مكة المكرمة 1382. ولما وصل إلى القاهرة، كانت شهرته قد سبقته، فشرع يدرس في الجامع الأزهر ثم عين أستاذا للفقه المالكي ثم قاضيا للمذهب. ولكن تشدّده أثار الناس عليه فعزل.

حجّ ابن خلدون الأماكن المقدسة ثم عاد إلى تولي القضاء ولكنه عزل. في عام 1400، رافق الحملة المصرية لمحاربة تيمورلنك في الشام. لكنه اتصل بالغازي الذي أعجب بعلمه ودهائه في مفاوضته بشأن الصلح. وبعد أن أقام ضيفا عليه 35 يومًا، عاد إلى مصر وتولى القضاء المالكي عام 1401.

اعتزل ابن خلدون الحياة بعد تجارب مليئة بالصراعات والحزن على وفاة أبويه وكثير من شيوخه إثر وباء الطاعون الذي انتشر في جميع أنحاء العالم سنة 749هجرية (1348 م)وتفرغ لأربعة سنوات في البحث والتنقيب في العلوم الإنسانية معتزلا الناس في سنينه الأخيرة، ليكتب سفره الخالد أو ما عرف بمقدمة أبن خلدون ومؤسسا لعلم الاجتماع بناء على الاستنتاج والتحليل في قصص التاريخ وحياة الإنسان. واستطاع بتلك التجربة القاسية أن يمتلك صرامة موضوعة في البحث والتفكير.

امتاز ابن خلدون بسعة اطلاعه على ما كتبه القدامى على أحوال البشر وقدرته على استعراض الآراء ونقدها، ودقة الملاحظة مع حرية في التفكير وإنصاف أصحاب الآراء المخالفة لرأيه. وقد كان لخبرته في الحياة السياسية والإدارية وفي القضاء، إلى جانب أسفاره الكثيرة من موطنه الأصيل تونس و بقية بلاد شمال أفريقيا الأمازيغية إلى بلدان أخرى مثل مصر والحجاز والشام، أثر بالغ في موضوعية وعلمية كتاباته عن التاريخ وملاحظاته.

يعتبر ابن خلدون العصبية هى الركيزة الأساسية لأى نشاط سياسي أو أجتماعي ، وأن الدولة لكى تقوم تحتاج إلى رابطة تجمع الأفراد تحت لوائها وتدفعهم للتضحية من أجلها ، والعصبية تقوم بهذا الدور ،استنادا على أن الإنسان كائن اجتماعى الطبع ويحتاج إلى كيان ينتمى إليه يوفر الحاجات التى لا يستطيع توفيرها منفرداً ، إذن الفرد والقبيلة باعتبارها أكثر أشكال الروابط شيوعاً وقتئذ كلاهما بحاجة للآخر لتستقيم أمورهما معاً . ويرى ابن خلدون في المقدمة أن الفلسفة من العلوم التي استحدثت مع انتشار العمران، وأنها كثيرة في المدن ويعرِّفها قائلاً: ¸بأن قومًا من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله، الحسي منه وما وراء الحسي، تُدرك أدواته وأحواله، بأسبابها وعللها، بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية وأن تصحيح العقائد الإيمانية من قِبَل النظر لا من جهة السمع فإنها بعض من مدارك العقل، وهؤلاء يسمون فلاسفة جمع فيلسوف، وهو باللسان اليوناني محب الحكمة. فبحثوا عن ذلك وشمروا له وحوَّموا على إصابة الغرض منه ووضعوا قانونًا يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق. ويحذّر ابن خلدون الناظرين في هذا العلم من دراسته قبل الاطلاع على العلوم الشرعية من التفسير والفقه، فيقول: ¸وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه ولا يُكبَّنَّ أحدٌ عليها وهو خِلْو من علوم الملة فقلَّ أن يَسلَمَ لذلك من معاطبها·

ولعل ابن خلدون وابن رشد اتفقا على أن البحث في هذا العلم يستوجب الإلمام بعلوم الشرع حتى لا يضل العقل ويتوه في مجاهل الفكر المجرد لأن الشرع يرد العقل إلى البسيط لا إلى المعقد وإلى التجريب لا إلى التجريد. ومن هنا كانت نصيحة هؤلاء العلماء إلى دارسي الفلسفة أن يعرفوا الشرع والنقل قبل أن يُمعنوا في التجريد العقلي.

بسبب فكر ابن خلدون الدبلوماسي الحكيم ، أُرسل أكثر من مرة لحل نزاعات دولية ، فقد عينه السلطان محمد بن الأحمر سفيراً إلى أمير قشتالة لعقد الصلح . وبعد ذلك بأعوام ، استعان أهل دمشق به لطلب الأمان من الحاكم المغولي تيمور لنك ، والتقوا بالفعل .

كثير من الكتاب الغربيين وصفوا تقديم ابن خلدون للتاريخ بأنه أول تقديم لا ديني للتأريخ ، وهو له تقدير كبير عندهم.

وربما تكون ترجمة حياة ابن خلدون من أكثر ترجمات شخصيات التاريخ الإسلامي توثيقا بسبب المؤلف الذي وضعه ابن خلدون ليؤرخ لحياته و تجاربه و دعاه التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا و غربا ، تحدث ابن خلدون في هذا الكتاب عن الكثير من تفاصيل حياته المهنية في مجال السياسة والتأليف والرحلات، ولكنه لم يضمنها كثيرا تفاصيل حياته الشخصية والعائلية.

كان ابن خلدون دبلوماسياً حكيماً أيضاً . وقد أُرسل في أكثر من وظيفة دبلوماسية لحل النزاعات بين زعماء الدول : مثلاً ، عينه السلطان محمد بن الاحمر سفيراً له إلى أمير قشتالة للتوصل لعقد صلح بينهما و كان صديقاً مقرباً لوزيره لسان الدين ابن الخطيب .كان وزيراً لدى أبي عبد الله الحفصي سلطان بجاية ، وكان مقرباً من السلطان أبي عنان المرينىقبل أن يسعى بينهما الوشاة . وبعد ذلك بأعوام استعان به أهل دمشق لطلب الأمان من الحاكم المغولي القاسي تيمورلنك ، وتم اللقاء بينهما . وصف ابن خلدون اللقاء في مذكراته. إذ يصف ما رآه من طباع الطاغية ، ووحشيته في التعامل مع المدن التي يفتحها ، ويقدم تقييماً متميزاً لكل ما شاهد في رسالة خطها لملك المغرب الخصال الإسلامية لشخصية ابن خلدون ، أسلوبه الحكيم في التعامل مع تيمور لنك مثلاً، وذكائه وكرمه ، وغيرها من الصفات التي أدت في نهاية المطاف لنجاته من هذه المحنة، تجعل من التعريف عملاً متميزاً عن غيره من نصوص أدب المذكرات العربية والعالمية. فنحن نرى هنا الملامح الإسلامية لعالم كبير واجه المحن بصبر وشجاعة وذكاء ولباقة. ويعتبر ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع. ساهم في الدعوة للسلطان أبى حمو الزيانى سلطان تلمسان بين القبائل بعد سقوط بجاية في يد سلطان قسنطينة أبى العباس الحفصى وأرسل أخاه يحيى بن خلدون ليكون وزيراً لدى أبى حمو.

وتوفي في مصر عام 1406 م، و دفن في مقابر الصوفية عند باب النصر شمال القاهرة. وقبره غير معروف.

يبقى ابن خلدون اليوم شاهدا على عظمة الفكر الإسلامي المتميز بالدقة و الجدية العلمية والقدرة على التجديد لاثراء الفكر الانساني.

يعتبر ابن خلدون أحد العلماء الذين تفخر بهم الحضارة الإسلامية، فهو مؤسس علم الاجتماع وأول من وضعه على أسسه الحديثة، وقد توصل إلى نظريات باهرة في هذا العلم حول قوانين العمران ونظرية العصبية، وبناء الدولة وأطوار عمارها وسقوطها . وقد سبقت آراؤه ونظرياته ما توصل إليه لاحقاً بعدة قرون عدد من مشاهير العلماء كالعالم الفرنسي أوجست كونت .

لم يعرف التاريخ السياسي العربي رجلاً امتلأت حياته بالحوادث مثل ابن خلدون، حتى ليمكننا القول إن أبرز صفاته هي: التقلب، الدهاء، حب الظهور، الثقة بالنفس، الذكاء، حب العمل والمغامرات السياسية.

أما آثاره، فقد ذكر له لسان الدين بن الخطيب عددًا من الكتب، ولكن لم يصل إلينا سوى تاريخه الكبير وكتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر وَمن عاصَرهم من ذوي السلطان الأكبر. يقع هذا الكتاب في سبعة مجلدات مرتبة حسب تعبير ابن خلدون نفسه، على مقدمة وثلاثة كتب، تتضمن الموضوعات التالية:

1- المقدمة: في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط وذكر شيء من أسبابها.

2- الكتاب الأول: في العمران؛ وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم وما إلى ذلك من العلل والأسباب.

3- الكتاب الثاني: في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم، منذ بدء الخليقة إلى هذا العهد، ومن عاصرهم من مشاهير الأمم ودولهم مثل النبط والسريان والفرس وبني إسرائيل واليونان والروم والقبط والترك والفرنجة.

4- الكتاب الثالث: في أخبار البربر ومَن إليهم، وذكر أوليتهم وأجيالهم وما كان لهم بديار المغرب، خاصة من المُلك والدول.

جاء في نهاية المجلد السابع من تاريخ ابن خلدون وبقلمه ما يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم

التعريف بابن خلدون مؤلف الكتاب ورحلته غرباً وشرقاً

وأصل هذا البيت من إشبيلية ؛ انتقل سلفُنا-عند الجَلاء ؤغَلَبِ ملك الجَلالقة ابن أُدْفُونْش عليها – إلى تُونس في  أواسط المائة السابعة.

نسبه :

عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خَلدون ، لا أذكر من نسَبي إلىِ خلدون غير هؤلاء العشرة، ويغلب على الظن أنهم أكثر، وأنه سقط مثلهم عدداً ؛ لأنَ خَلدون هذا هو الداخل إلى الأندلس ، فإن كان أول الفتح فالمدّة لهذا العَهد سبعُمائة سنة ، فيكونون زهُاءَ العشرين ، ثلاثة لكل مائة ، كما تقدم في أول الكتاب الأول .  وَنَسَبُنا حَضْر مَوت ، من عَرب اليمن ، إلى وائل بن حُجْر، من أقيال العَرب ، معْروف وله صُحبة . قال أبُو محمد بن حزْم في كتاب الجمهرة: وهو وائل بن حُجْر بن سعيد بن مَسْروق بن وائل بن النُّعمان بن ربيعة بن الحَرث  بن عَوف بن سعد بن عوف بن عَديَ بن مالك بن شُرحْبيل بن الحارث بن مالك بن مُرة بن حِمْيَرِ بن زيد بن الخضْرَميّ بن عمرو بن عبد اللّه بن هانىء بن جُرسم بن عبد شمسى بن زيد بن لؤيّ بن ثبْت بن قُدامة بن أعجَب بن مالك بن لؤي بن قحطان . وابنه علقَمة بن وائل وعبد الجبار بن وائل .

وذكره أبو عمر بن عبد البرّ في حرف الواو من “الاستيعاب”، وأنه وفد علىالنبي صلى الله عليه وسلم، فبسط له رداءه، وأجلسه عليه، وقال: “اللهم بارك في وائل بن حجر وولده وولد ولده إلى يوم القيامة”.

وبعث معه جارية بن أبي سفيان إلى قومه يعلمهم القرآن والإسلام؛ فكانت له بذلك صحابة مع معاوية. ووفد عليه لأوّل خلافته فأجازه؛ فرّد عليه جائزته ولم يقبلها.

ولما كانت واقعة حجر بن عديّ الكندي بالكوفة، اجتمع رؤوس أهل اليمن، وفيهم هذا، فكانوا مع زياد بن أبي سفيان عليه، حتى أوثقوه وجاؤوا به إلى معاوية، فقتله كما هو معروف.

وقال ابن حزم: ويذكر بنو خلدون الإشبيليّون من ولده، جدهم الداخل من المشرق خالد المعروف بخلدون بن عثمان بن هانىء بن الخطاب بن كريت بن معد يكرب بن الحرث بن وائل بن حجر. قال: وكان من عقبه كريب بن عثمان بن خلدون وأخوه خالد، وكانا من أعظم ثوار الأندلس.

وقال ابن حزم: وأخوه محمد، كان من عقبه أبو العاصي عمرو بن محمد بن خالد بن محمد بن خلدون. وبنو أبي العاصي: محمد، وأحمد، وعبد الله. قال:- وأخوهم عثمان، وله عقب. ومنهم الحكيم المشهور بالأندلس من تلاميذ مسلمة المجريطي، وهو أبومسلم عمر بن محمد بن تقي بن عبد الله بن أبي بكر بن خالد بن عثمان بن خالد بن عثمان بن خلدون الداخل. وابن عمّه أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله. قال: ولم يبق من ولد كريب الرئيس المذكور إلا أبو الفضل بن محمد بن خلف بن أحمد بن عبد الله بن كريت- انتهى كلام ابن حزم.

سلفه بالاندلس:

ولما دخل خلدون بن عثمان جدّنا إلى الأندلس، نزل بقرمونة في رهط من قومه حضرموت، ونشأ بيت بنيه بها، ثم انتقلوا إلى إشبيلية. وكانوا في جند اليمن، وكان الكريت من عقبه وأخيه خالد، الثورة المعروفة بإشبيلية أيام الأمير عبد الله المرواني؛ ثار على ابن أبي عبدة، وملكها من يده أعواماً، ثم ثار عليه إبراهيم بن حجاج، بإملاء الأمير عبد الله وقتله، وذلك في أواخر المائة الثالثة.

وتلخيص الخبر عن ثورته، على ما نقله ابن سعيد عن الحجازي وابن حيان وغيرهما، وينقلونه عن ابن الأشعث مؤرّخ إشبيلية: أنّ الأندلس لما اضطرمت بالفتن أيام الأمير عبد الله ، تطاول رؤساء إشبيلية إلى الثورة والإستبداد، وكان رؤساؤها المتطاولون إلى ذلك في ثلاثة بيوت: بيت بني أبي عبدة، ورئيسهم يومئذ أمية بن عبد الغافر بن أبي عبدة، وكان عبد الرحمن الداخل ولى أبا عبده إشبيلية وأعمالها، وكان حافده أمية من أعلام الدولة بقرطبة، ويولونه الممالك الضخمة. وبيت بني خلدون هؤلاء، ورئيسهم كريب المذكور، ويردفه أخوه خالد.

قال ابن حيّان: وبيت بني خلدون إلى الآن في إشبيلية نهاية في النباهة، ولم تزل أعلامه بين رياسة سلطانّية ورياسة علمية. ثم بيت بني حجّاج، ورئيسهم يومئذ عبد الله. قال ابن حيّان: هم- يعني بني حجاج- من لَخْم، وبيتهم إلى الآن في إشبيلية ثابت الأصل، نابت الفرع موسوم بالرياسة السلطانية والعلمية. فلمّا عظمت الفتنة بالأندلس أعوام الثمانين ومائتين، وكان الأمير عبد الله قد ولّى على إشبيلية أمية بن عبد الغافر، وبعث معه ابنه محمداً، وجعله في كفالته، فاجتمع هؤلاء النفر، وثاروا بمحمد ابن الأمير عبد الله وبأمّية صاحبهم، وهو يمالئهم على ذلك، ويكيد بابن الأمير عبد الله. وحاصروه  في القصر، حتى طلب منهم اللحاق بأبيه فأخرجوه، واستبدّ أمية بإشبيلية، ودسّ على عبد الله بن حجّاج من قتله، وأقام أخاه إبراهيم مكانه. وضبط إشبيلية، واسترهن أولاد بني خلدون وبني حجاج، ثم ثاروا به، وهمّ بقتل أبنائهم؛ فراجعوا طاعته، وحلفوا له، فأطلق أبناءهم فانتقضوا ثانية. وحاربوه فاستمات وقَتَل حُرَمَهَ، وعقر خيوله، وأحرق موجوده. وقاتلهم حتى قتلوه مقبلاً غير مدبر، وعاثت العامة في رأسه. وكتبوا إلى الأمير عبد الله بأنه خَلَع فقتلوه، فقبل منهم مداراة، وبعث عليهم هشام بن عبد الرحمن من قرابته، فاستبدّوا عليه، وفتكوا بابنه، وتولّى كبر ذلك كريب بن خلدون، واستقل بإمارتها.

وكان إبراهيم بن حجّاج بعدما قتل أخوه عبد الله- على ما ذكره ابن سعيد عن الحجاري- سمت نفسه إلى التفرّد، فظاهر ابن حفصون أعظم ثوّار الأندلس يومئذ، وكان بمالقة وأعمالها إلى رُنْدَة، فكان له منه ردءَ. ثم انصرف إلى مداراة كُرَيب بن خَلدون وملابسته، فردفه في أمره، وأشركه في سلطانه، وكان في كريت تحامل على الرعيّة وتعصّب، فكان يتجهّم لهم، ويغلظ عليهم، وابن حجّاج يسلك بهم الرفق والتلطف في الشفاعة لهم عنده، فانحرفوا عن كريب إلى ابراهيم. ثم دسّ إلى الأمير عبد الله يطلب منه الكتاب بولاية إشبيلية، لتسكن إليه العامّة، فكتب إليه العهد بذلك. وأطلع عليه عرفاء البلد مع ما أشربوا من حبّه، والنفرة عن كُرَيب، ثم أجمع الثورة، وهاجت العامّة بكُرَيْب فقتلوه، وبعث برأسه إلى الأمير عبد الله، واستقرّ بإمارة إشبيلية.

قال ابن حيّان: وحصّن مدينة قَرْمُوَنة من أعظم معاقل الأندلس، وجعلها مرتبطاً لخيله، وكان ينتقل بينها وبين إشبيلية. واتخذ الجند ورتّبهم طبقات، وكان يصانع الأمير عبد الله بالأموال والهدايا، ويبعث إليه المدد في الصوائف. وكان مقصوداً ممدحاً، قصده أهل البيوتات فوصلهم، ومدحه الشعراء فأجازهم، وانتجعه أبو عمر بن عبد ربّه صاحب العقد، وقصده من بين سائر الثوّار، فعرف حقه، وأعظم جائزته. ولم يزل بيت بني خلدون بإشبيلية- كما ذكره ابن حيّان وابن حزم وغيرهما- سائر أيام بني أمية إلى زمان الطوائف، وانمحت عنهم الإمارة بما ذهب لهم من الشوكة.

ولما غلب كعب ابن عبّاد بإشبيلية، واستبدّ على أهلها، استوزر من بني خلدون هؤلاء، واستعملهم في رتب دولته، وحضروا معه وقعة الجلالقة كانت لابن عبّاد وليوسف بن تاشفين على ملك الجلالقة، فاستشهد فيها طائفة كبيرة من بني خلدون هؤلاء ثبتوا في الجولة مع ابن عبّاد فاستلحمّوا في ذلك الموقف. بما كان الظهور للمسلمين، ونصرهم الله على عدّوهم. ثم تغلّب يوسف بن تاشفين والمرابطون على الأندلس، واضمحلّت دولة العرب وفنيت قبائلهم.

سلفه بأفريقية:

ولما استولى الموحدون على الأندلس، وملكوها من يد المرابطين، وكان ملوكهم: عبد المؤمن وبنيه. وكان الشيخ أبو حفص كبير هنتاتة زعيم دولتهم، وولّوه على إشبيلية وغرب الأندلس مراراً، ثم ولّوا ابنه عبد الواحد عليها في بعض أيامهم، ثم ابنه أبا زكرياء كذلك، فكان لسلفنا بإشبيلية اتصال بهم، وأهدى بعض أجدادنا من قبل الأمّهات، ويعرف بابن المحتسب، للأمير أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص أيام ولايته عليهم، جاريّة من سبي الجلالقة، اتخذها أم ولد، وكان له منها ابنه أبو يحيى زكريا وليّ عهده الهالك في أيامه، وأخواه: عمر وأبو بكر، وكانت تلقّب أمّ الخلفاء. ثم انتقل الأمير أبو زكريا إلى ولاية أفريقية سنة عشرين وستمائة. ودعا لنفسه بها، وخلع دعوة بني عبد المؤمن سنة خمس وعشرين وستمائة. واستبدّ بأفريقية، وانتقضت دولة الموحدين بالأندلس، وثار عليهم ابن هود. ثم هلك واضطربت الأندلس،وتكالب الطاغية عليها، وتردّد الغزو إلى الفرنتيرة، بسيط قرطبة وإشبيلية إلى جيّان، وثار ابن الأحمر  من غرب الأندلس من حصن أرجُونَة، يرجو التماسك لما بقي من رمق الأندلس. وفاوض أهل الشورى يومئذ بإشبيلية. وهم بنو الباجي، وبنو الجدّ، وبنو الوزير، وبنو سيّد الناس، وبنو خلدون. وداخلهم في الثورة على ابن هود، وأن يتجافوا للطاغية عن الفرنتيرة، ويتمسّكوا بالجبال الساحلية وأمصارها المتوعّرة، من مالقة إلى غرناطة إلى المريّة؛ فلم يوافقوه على بلادهم. وكان مقدّمهم أبو مروان الباجي، فنابذهم ابن الأحمر وخلع طاعة الباجي، وبايع مرّة لابن هُود، ومّرة لصاحب مراكش من بني عبد المؤمن، ومرة للأمير أبي زكرياء صاحب أفريقية. ونزل غرناطة، واتخذها دار ملكه، وبقيت الفرنتيرة وأمصارها ضاحية من ظل المُلْك؛ فخشي بنو خَلدون سوء العاقبه مع الطاغية، وارتحلوا من إشبيلية إلى العدوة، ونزلوا سبتة وأجلب الطاغية على تلك الثغور؛ فملك قرطبة، وإشبيلية، وقرمونة وجيّان وما إليها، في مدّة عشرين سنة. ولما نزل بنو خَلدون بسبتة أصهر إليهم العزِفيّ بأبنائه وبناته، فاختلط بهم، وكان له معهم صِهْرٌ مذكور. وكان جدّنا الحسن بن محمد، وهو سبط ابن المحتسب، قد أجاز فيمن أجاز إليهم؛ فذكر سوابق سلفه عند الأمير أبي زكريا؛ فقصده، وقدم عليه فأكرم قدومه. وارتحل إلى المشرق؛ فقضى فرضه. ثم رجع ولحق بالأمير أبي زكريا على بونة، فأكرمه، واستقرّ في ظل دولته، ومرعى نعمته، وفرض له الأرزاق، وأُقْطع الإقطاع. وهلك هنالك؛ فدفن ببونة. وخلف ابنه محمدا أبا بكر فنشأ في جو تلك النعمة ومرعاها. وهلك الأمير أبو زكرياء ببونة سنة سبع وأربعين وستمائة، وولي ابنه المستنصر محمد؛ فأجرى جدّنا أبا بكر على ما كان لأبيه. ثم ضرب الدهر ضربانه، وهلك المستنصر سنة خمس وسبعين وسبعمائة، وولي ابنه يحيى، وجاء أخوه الأمير أبو إسحق من الأندلس، بعد أن كان فرّ إليها أمام أخيه المستنصر. فخلع يحيى، واستقلّ هو بملك أفريقية، ودفع جدّنا أبا بكر محمداً إلى عمل الأشغال في الدولة، على سنن عظماء الموحدين فيها قبله، من الإنفراد بولاية العمّال، وعزلهم وحسبانهم، على الجباية، فاضطلع بتلك الرتبة. ثم عقد السلطان أبو اسحق لابنه محمد، وهو جدّنا الأقرب، على حجابة وليّ عهد، ابنه أبي فارس أيام اقضاه إلى بجاية. ثم استعفى جدّنا من ذلك فأعفاه، ورجع إلى الحضرة. ولما غلب الدعي ابن أبي عمارة عل ملكهم بتونس، اعتقل جدّنا أبا بكر محمداً، وصادره على الأموال، ثم قتله خنقاً في محبسه. وذهب ابنه محمد جدّنا الأقرب مع السلطان أبي اسحق وأبنائه إلى بجاية؛ فتقبّض عليه ابنه أبو فارس، وخرج مع العساكر هو وإخوته لمدافعة الدعي ابن أبي عمارة، وهو يشبه بالفضل ابن المخلوع، حتى إذا استلحمّوا بمرما جنّة خلص جدّنا محمد مع أبي حفص- ابن الأمير أبي زكريا من الملحمة، ومعهما الفازازي وأبو الحسين بن سيّد النأس؛ فلحقوا بمنجاتهم كن قلعة سنان. وكان الفازازي من صنائع المولى أبي حفص، وكان يؤثره عليهم. فأما أبل الحسين بن سيّد الناس فاستنكف من إيثار الفازازي عليه، بما كان أعلى رتبة منه ببلده إشبيلية، ولحق بالمولى أبي زكرياء الأوسط بتلمسان، وكان من شأنه ما ذكرناه. وأما محمد بن خلدون فأقام مع الأمير أبي حفص، وسكن لإيثار الفازازي. ولما استولى أبو حفص على الأمور رعى له سابقته، وأقطعه، ونظمه في جملة القواد ومراتب أهل الحروب، واستكفى به في الكثير من أمر ملكه، ورشحه لحجابته من بعد الفازازي. وهلك، فكان من بعده حافد أخيه المستنصر أبو عصيدة، واصطفى لحجابته محمد بن ابراهيم الدبّاغ كاتب الفازازي، وجعل محمد بن خلدون رديفاً في حجابته. فكان كذلك إلى أن هلك السلطان، وجاءت دولة الأمير خالد، فأبقاه على حاله من التجلّة والكرامة، ولم يستعمله ولا عقد له، إلى أن كانت دولة أبي يحيى بن اللحياني، فاصطنعه، واستكفى به عندما تنبّضت عروق التغلّب للعرب؛ ودفعه إلى حماية الجزيرة من دلاج، إحدى بطون سُلَيْم الموطنين بنواحيها؛ فكانت له في ذلك آثار مذكورة. ولما انقرضت دولة ابن اللحياني خرج إلى المشرق، وقضى فرضه سنة ثمان عشرة، وأظهر التوبة والإقلاع، وعاود الحج متنقلا سنة ثلاث وعشرين، ولزم كسر بيته. وأبقى السلطان أبو يحيى عليه نعمته في كثير مما كان بيده من الاقطاع والجراية، ودعاه إلى حجابته مراراً، فامتنع.

أخبرني محمد بن منصور بن مزنى، قال: لما هلك الحاجب محمد بن عبد العزيز الكردي المعروف بالمزوار سنة سبع وعشرين وسبعمائة، استدعى السلطان جدّك محمد بن خلدون، وأراده على الحجابة، وأن يفوض إليه في أمره، فأبى واستعفى، فأعفاه، وآمره فيمن يوليه حجابته، فأثار عليه بصاحب الثغر بجاية، محمد بن أبي الحسين بن سيدّ الناس، لاستحقاقة ذلك بكفايته واضطلاعه، ولقديم صحابة بين سلفهما بتونس، وإشبيلية من قبل. وقال له: هو أقدر على ذلك بما هو عليه من الحاشية والدين، فعمل السلطان على إشارته، واستدعى ابن سيّد الناس، وولاّه حجابته. وكان السلطان أبو يحى إذا خرج من تونس يستعمل جدّنا محمداً عليها، وثوقاً بنظره واستنامة إليه، إلى أن هلك سنة سبع وثلاثين، ونزع ابنه، وهو والدي محمد أبو بكر، عن طريقة السيف والخدمة، إلى طريقة العلم والرباط، لما نشأ عليها في حجر أبي عبد الله الزبيدي الشهير بالفقيه، كان كبير تونس لعهده، في العلم والفتيا، وانتحال طرق الولاية التي ورثها عن أبيه حسين وعمّه حسن، الوليّين الشهيرين. وكان جدّنا رحمه الله قد لازمه من يوم نزوعه عن طريقه، وألزمه ابنه، وهو والدي رحمه الله فقرأ وتفقّه، وكان مقدّما في صناعة العربية، وله بصر بالشعر وفنونه. عهدي بأهل البلد بتحاكمون إليه فيه، ويعرضون حَوْكَهُم عليه، وهلك في الطاعون الجارف سنة تسع وإربعين وسبعمائة.

نشأته ومشيخته وحاله:

أمّا نشأتي فإني ولدت بتونس في غرّة رمضان سنة إثنتين وثلاثين وسبعمائة، وربّيت في حجر والدي رحمه الله إلى أن أيفعتُ وقرأتُ القرآن العظيم على  الاستاذ المكتب أبي عبد الله محمد بن سعد بن برال الأنصاري، أصله من جالية الأندلس من أعمال بلنسية، أخذ عن مشيخة بلنسية وأعمالها، وكان إماما في القراءآت، لا يلحق شأوه، وكان من أشهر شيوخه ففي القراءآت السبع أبو العباس أحمد بن محمد البطرني، ومشيخته فيها، وأسانيده معروفة. وبعد أن استظهرت القرآن الكريم من حفظي، قرأته عليه بالقراءات السبع المشهورة إفراداً وجمعاً في إحدى وعشرين ختمة، ثم جمعتها في ختمة واحدة أخرى، ثم قرأت برواية يعقوب ختمة واحدة جمعاً بين الروايتين عنه؛ وعرضت عليه رحمه الله قصيدتي الشاطبي؛ اللامية في القراءآت، والرائية في الرسم، وأخبرني بهما عن الأستاذ أبي العباس البطوي وغيره من شيوخه، وعرضت عليه كتاب التفسير لأحاديث الموطأ لابن عبد البرّ، حذا به حذو كتابه التمهيد على الموطأ، مقتصراً على الأحاديث فقط. ودرست عليه كتباً جمّة، مثل كتاب التسهيل لابن مالك ومختصر ابن الجاجب في الفقه، ولم أكملهما بالحفظ، وفي خلال ذلك تعلمت صناعة العربية على والدي  وعلى أستاذي تونس: منهم الشيخ أبو عبد الله بن العربي الحصايري، وكان إماماً في النحو وله شرح مستوفى على كتاب التسهيل. ومنهم أبو عبد الله محمد بن الشواش الزرزالي. ومنهم أبو العباس أحمد بن القصّار؛ كان ممتعاً في صناعة النحو، وله شرح على قصيدة البردة المشهورة في مدح الجناب النبوي وهو حيّ لهذا العهد بتونس.

ومنهم إمام العربية والأدب بتونس أبو عبد الله محمد بن بحر؛ لازمت مجلسه وأفدت عليه، وكان بحراً زاخراً في علوم اللسان. وأشار عليّ بحفظ الشعر؛ فحفظت كتاب الأشعار الستة، والحماسة للأعلم، وشعر حبيب، وطائفة من شعر المتنبي، ومن أشعار كتاب الأغاني. ولازمت أيضاً مجلس إمام المحدّثين بتونس؛ شمس الدين أبي عبد الله بن جابر بن سلطان القيسيّ الوادياشي، صاحب الرحلتين؛ وسمعت عليه كتاب مسلم بن الحجّاج، إلاّ فوتا يسيراً من كتاب الصَّيد؛ وسمعت عليه كتاب الموطأ من أوّله إلى آخره، وبعضاً من الأمّهات الخمس؛ وناولني كتباً كثيرة في العربية والفقة، وأجازني إجازة عامّة، وأخبرني عن مشايخه المذكورين  أشهرهم بتونس قاضي الجماعة أبو العبّاس أحمد بن الغمّاز الخزرجي.

وأخذت الفقه بتونس عن جماعة؛ منهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحيّاني، وأبو القاسم محمد القصير، قرأت عليه كتاب التهذيب لأبي سعيدد البرادعي، مختصر المدوّنة، وكتاب المالكيّة، وتفقهت عليه. وكنت في خلال ذلك أنتاب مجلس شيخنا الإمام، قاضي الجماعة أبي عبد الله محمد بن عبد السلام، مع أخي عمر رحمة الله عليهما. وأفدت منه، وسمعت عليه أثناء ذلك كتاب الموطأ للإمام مالك، وكانت له فيه طرق عالية، عن أبي محمد بن هارون الطائي قبل اختلاطه إلى غير هؤلاء من مشيخة تونس، وكلّهم سمعت عليه ، وكتب لي وأجازني، ثم درجوا كلهم في الطاعون الجارف.

وكان قدم علينا في جملة السلطان أبي الحسن، عندما ملك أفريقية سنة ثمان وأربعين، جماعة من أهل العلم، وكان يلزمهم شهود مجلسه ويتجمّل بمكانهم فيه: فمنهم شيخ الفُتيا بالمغرب، وإمام مذهب ممالك، أبو عبد الله محمد بن سليمان السطّي؛ فكنت انتاب مجلسه، وأفدت عليه. ومنهم كاتب السلطان أبي الحسن، وصاحب علامته التي توضع أسافل مكتوباته، إمام المحدثين والنحاة بالمغرب، أبو محمد  بن عبد المهيمن الحضرمي؛ لازمته، وأخذت عنه، سماعاً، وإجازة، الأمهات الست، وكتاب الموطأ، والسير لابن اسحق، وكتاب ابن الصلاح في الحديث، وكتباً كثيرة شذت عن حفظي. وكانت بضاعته في الحديث وافرة، ونحلته في التقييد والحفظ كاملة؛ كانت له خزانة من الكتب تزيد على ثلاثة آلاف سفر في الحديث والفقه، والعربية، والأدب، والمعقول، وسائر الفنون؛ مضبوطة كلها، مقابلة. ولا يخلو ديوان منها عن ثبت بخط بعض شيوخه المعروفين في سنده إلى مؤلفه، حتى الفقه، والعربية، الغريبة الإسناد إلى مؤلفيها في هذه العصور. ومنهم الشيخ أبو العباس أحمد الزواوي، إمام المقرئين بالمغرب. قرأت عليه القرآن العظيم، بالجمع الكبير بين القراءات السبع، من طريق أبي عمرو الداني، وابن شريح، في ختمة لم أكملها، وسمعت عليه عدة كتب، وأجازنى بالإجازة العامة.

ومنهم شيخ العلوم العقلية، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي. أصله من تلمسان، وبها نشأ، وقرأ كتب التعاليم، وحذق فيها. وأظله الحصار الكبير بتلمسان أعوام المائة السابعة؛ فخرج منها، وحج. ولقي أعلام المشرق يومئذ؛ فلم يأخذ عنهم، لأنه كان مختلطا بعارض عرض في عقله. ثم رجع من المشرق، وأفاق، وقرأ المنطق والأصلين، على الشيخ أبي موسى عيسى ابن الإمام، وكان قرأ بتونس، مع أخيه أبي زيد عبد الرحمن، على تلاميذ ابن زيتون الشهير الذكر؛ وجاء إلى تلمسان بعلم كثير من المعقول والمنقول، فقرأ الآبلي على أبي موسى منهما كما قلناه. ثم خرج من تلمسان هاربا إلى المغرب، لأن سلطانها يومئذ، أبو حمّو من ولد يغمراسن بن زيان، كان يكرهه على التصرف في أعماله، وضبط الجباية بحسبانه، ففر إلى المغرب، ولحق بمراكش، ولزم العالم الشهير أبا العباس بن البناء الشهير الذكر، فحصل عنه سائر العلوم العقلية، وورث مقامه فيها وأرفع، ثم صعد إلى جبال الهساكرة، بعد وفاة الشيخ، باستدعاء علي بن محمد بن تروميت، ليقرأ عليه، فأفاده. وبعد أعوام استنزله ملك المغرب، السلطان أبو سعيد، وأسكنه بالبلد الجديد، والآبلي معه.

ثم اختصه السلطان أبو الحسن، ونظمه في جملة العلماء بمجلسه، وهو في خلال ذلك يعلم العلوم العقلية، ويبثها بين أهل المغرب، حتى حذق فيها الكثير منهم من سائر أمصارها، وألحق الأصاغر بالأكابر في تعليمه. ولما قدم على تونس في جملة السلطان أبي الحسن، لزمته، وأخذت عنه الأصلين، والمنطق، وسائر الفنون الحكمية، والتعليمية؛ وكان رحمه الله، يشهد لي بالتبريز في ذلك.

وممن قدم في جملة السلطان أبي الحسن: صاحبنا أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان المالقي. كان يكتب عن السلطان، وبلازم خدمة أبي محمد عبد المهيمن رئيس الكتاب يومئذ، وصاحب العلامة التي توضع عن السلطان أسفل المراسيم والمخاطبات، وبعضها يضعه السلطان بخطه. وكان ابن رضوان هذا من مفاخر المغرب، في براعة خطه، وكثرة علمه، وحسن سمته، وإجادته في فقه الوثائق، والبلاغة في الترسيل عن السلطان، وحوك الشِعْر، والخطابة على المنابر، لأنه كان كثيرا ما يصلي بالسلطان. فلما قدم علينا بتونس، صحبته، واغتبطت به، وإن لم أتخذه شيخا، لمقاربة السن، فقد أفدت منه كما أفدت منهم. وقد مدحه صاحبنا أبو القاسم الرحوي شاعر تونس في قصيدة علي روي النون، يرغب منه تذكرة شيخه أبي محمد عبد المهيمن في إيصال مدحه إلى السلطان أبي الحسن، في قصيدته على روي الباء، وقد تقدم ذكرها في أخبار السلطان. وذكر في مدح ابن رضوان أعلام العلماء القادمين مع السلطان وهي هذه:

عرفت زماني حين أنكرت عرفاني                 وأيقنت أن لا حظ في كف كيوان

وأن لا اختيار في اختيار مقـوم                     وأن لا قراع بالقـــران لأقران

وأن نظام الشكل أكمل نظمـــه                    لأضعاف قاض في الدليل برجحـان

وأنّ افتقار المرء في فقراتـــه                        ومن ثقله يغني اللبيب بـــأوزان

فمن بعدما شمت الخلاب ولم أرع                 لهشة راض أو لشرة غضبـــان

ولم يعشني للنار لمع شعاعــهـا                  فما كل نار نار موسى بن عمـران

ولم يبق لي في الغيب من أمل سوى                       لقاء ابن رضوان وجنة رضــوان

هنالك ألفيت العلا تنتـــمي إلى                   أناس ضئيل عندهم فخر غســان

وأرعيت من روض التأدب يـانعا                      وحييت من كنز العلـــوم بقعيان

وردت فلم تجدب لديه ريــادتي                     وصدق طرفي ما تلقته آذانـــي

فحسبك من آدابه كل زاخـــر                        يحييك معسولا بدر ومرجـــان

يحييك بالسلك الذي لم تحـط به                  طروس ابن سهل أو سوالف بوران

فقل بابلي إن ينافثك لفظـــة                       وفي وشيه الأطراس قل هو صنعاني

خلائق لم تخلق سدى بل تكملت                بإسداء إنعام وإبلاء إحســـــان

ثم يقول في ذكر العلماء القادمين:

هم القوم كل القوم، أما حُلومُهــــم              فأرسخ من طودي ثبير وثهلان

فلا طيش يعروهم وأما علومهــــم                 فأعلامها تهديك من غير نيران

بفقه يشيم الأصبحي صباحـــــه                  وأشهب منه يستدل بشهبــان

وحسن جدال للخصوم ومنطـــــق                 يجيئان في الأخفى بأوضح برهان

سقت روضة الآداب منهم سحائـــب              سحبن على سحبان أذيال نسيـان

فلم يبق نأي ابن الإمام شماخـــــة              على مدن الدنيا لأنف تلمســـان

وبعد نوى السطي لم تسط فأســــه             بفخر على بغدان في عصر بغدان

وبالآبلي استسقت الأرض وبلهــــا                ومستوبل ما مال عنه لأظعــان

وهامت على عبد المهيمن تونــــس             وقد ظفرت منه بوصل وقربــان

وما علقت مني الضمائر غيـــــره                   وإن هويت كلا بحب ابن رضوان

 وكتب هذا الشاعر: صاحبنا الرحوي يذكر عبد المهيمن بذلك:

لهي النفس في اكتساب وسعـــــي             وهو العمر في انتهاب وفي

وأربى الناس بين ساع لرشــــــد                  يتوخى الهدى وساع لغـي

وأرى العلم للبرية زينـــــــــا             فتزي منه بأحســـن زي

وأرى الفضل قد تجمع كـــــــلا                       في ابن عبد المهيمن الحضرمي

حل بالرتبة العلية في حضــــــرة                   ملك سامي العماد علــــي

قلم أوسع الأقاليم أمـــــــــرا                             فله قد أطاع كل عصـــي

قدر ما يفيد منـــه احتــــــذار                                    فبأي تراه يقضي بـــــأي

يمنح العز والعلا ويــوالــــــي                      بالعطايا الجسام كل ولــــي

يلجأ الدارعون خوفا إليــــــــه                       هو يزري بالصارم المشرفــي

هو أعلى الأقلام في كل عصـــــر                  ث ينمى إلى الإمــــام علي

حليت تلكم الرياسة منـــــــــه                     بفريد في كل معنــــى سني

سالك ففي النظام درا وطــــــورا                   ناثر دره بنشر وطــــــي

بدع للبديع ترمي بحصــــــــر                        ولصابي بني بويه بعـــــي

ويرى أخرس العراق لديـــــــه                        إنه بالشام كالأعجمــــــي

وعلوم هي البحور ولكــــــــن                       ينثني الواردون منها بــــري

تصدر الأمة العظيمة عنـــــــه                       بحديث مجـــــــود مروي

وبفقه فيه وحسن مقـــــــــال                                  يضع النور في لحاظ العمــــي

وبنحو ينحي على سيبويـــــــه                    ببيان في المبهمات جلــــــي

عمي الأخفشان عنه وســــــدت                  عن خفاياه فطنة الفارســـــي

يا أخا الحكم في الأنام وإنــــــي                   لأنادي رب الندى والنــــــدي

بنت فكري تعرضت لحماكــــــم                     فألقها راضيا بوجه رضــــــي

تبتغي القرب من مراقــــــــي                       الأماني والترقي للجانب العلـــوي

فأنلها مرامها نلت سهــــــــلا                       كل دان تبغي وكل قصـــــي

ثم كانت واقعة العرب على السلطان بالقيروان، فاتح تسع وأربعين وسبعمائة، فشغلوا عن ذلك، ولم يظفر هذا الرحوي بطلبته. ثم جاء الطاعون الجارف، فطوى البساط بما فيه، وهلك عبد المهيمن فيمن هلك، ودفن بمقبرة سلفنا بتونس، لخلّة كانت بينه وبين والدي، رحمه الله، أيام قدومهم علينا.

فلما كانت واقعة القيروان، ثار أهل تونس بمن كان عندهم من أشياع السلطان أبي الحسن، فاعتصموا بالقصبة دار الملك، حيث كان ولد السلطان وأهله، وانتقض عليه ابن تافراكين، وخرج من القيروان إلى العرب، وهم يحاصرون السلطان، وقد  اجتمعوا على ابن أبي دبّوس، وبايعوا له كما مرّ في أخبار السلطان، فبعثوا ابن تافراكين إلى تونس، فحاصر القصبة، وامتنعت عليه. وكان عبد المهيمن يوم ثورة أهل تونس، ووقوع الهيعة، خرج من بيته إلى دارنا، فاختفى عند أبي رحمه الله، وأقام مختفياً عندنا نحواً من ثلاثة أشهر. ثم نجا السلطان من القيروان إلى سوسة، وركب البحر إلى تونس، وفرّ ابن تافراكين إلى المشرق. وخرج عبد المهيمن من الاختفاء، وأعاده السلطان إلى ما كان عليه، من وظيفة الولاية والكتابة، وكان كثيراً ما يخاطب والدي رحمه الله ويشكره على موالاته، ومما كتب إليه وحفظته من خطّه:

محمد ذوي المكارم قد ثنانـــــــي                 فعال شكرُهُ أبداً عناني

جزى الله ابن خلدونٍ حيــــــــاةً                     مُنَعَّمةً وخُلداً في الجنـان

فكم أولى ووالى من جمــيــــــل                   وبر بالفعال وباللســـان

وراعى الحضرمية في الذي قـــــد                 حبا من ورده ومن الجنــان

أبا بكر ثناؤُك طول دهـــــــرى                        أردّد باللسان وبالجنــــان

وعن علياك ما امتدت حياتــــــي                  أكافح بالحسام وباللســــان

فمنك أفدت خلا لست دهــــــري                  أرى عن حبه أثني عنـــان

وهؤلاء الأعلام الذين ذكرهم الرحوي في شعره، هم سُباق الحلبة في مجلس السلطان أبي الحسن، اصطفاهم لصحابته من بين أهل المغرب. فأمّا ابنا الإمام منهم فكانا أخوين من أهل برشك، من أعمال تلمسان، واسم أكبرهما: أبو زيد عبد الرحمن، واسم الأصغر: أبو موسى عيسى، وكان أبوهما إماماً ببعض مساجد برشك، واتهمه المتغلّب يومئذ على البلد زيرم بن حمّاد، بأنّ عنده وديعة من المال لبعض أعدائه، فطالبه بها، ولاذ بالامتناع، وبيتّه زيرم، لينتزع المال من يده، فدافعه وقتل وارتحل ابناه هذان الأخوان إلى تونس في آخر المائة السابعة، وأخذا العلم بها عن تلاميذ ابن زيتون، وتفقّها على أصحاب أبي عبد الله بن شعيب الدُّكّالي، وانقلبا إلى المغرب بحظّ وافر من العلم. وأقاما بالجزائر يبثّان بها العلم، لامتناع برشك عليهما من أجل أضرر، زيرم المتغلب عليها، والسلطان أبو يعقوب يومئذ، صاحب المغرب الأقصى من بني مرين، جاثم على تلمسان يحاصرها الحصار الطويل المشهور، وقد بث جيوشه في نواحيها، وغلب على الكثير من أعمالها وأمصارها، وملك عمر مغراوة بشلف، وحصر مليانة، فبعث إليها الحسن بن علي بن أبي الطلاق من بني عسكر، وعليّ بن محمد ابن الخيّرمن بني ورتاجن، ومعهما لضبط الجباية واستخلاص الأموال الكاتب منديل بن محمد الكناني، فارتحل هذان الاخوان يومئذ من الجزائر، واحتلا بمليانة، فحليا بعين منديل الكناني، فقرّبهما واصطفاهما، واتخذهما لتعليم ولده محمد. ثم هلك يوسف بن يعقوب سلطان المغرب، بمكانه من حصار تلمسان، سنة خمس وسبعمائة على يد خصيّ من خصيانه؛ طعنه فأشواه، وهلك. وأقام بالملك بعده حافده أبو ثابت بعد أمور ذكرناها في أخبارهم، ووقع بينه وبين صاحب تلمسان من بعده يومئذ أبي زيان محمد بن عثمان بن يغمراسن، وأخيه ابي حمّو، العهد المتأكد على الإفراج عن تلمسان، وردّ أعمالها عليه، فوفّى لهم بذلك، وعاد إلى المغرب. وارتحل ابن أبي الطلاق من شلف والخبري، والكناني من مليانة راجعين إلى المغرب. ومرّوا بتلمسان، ومع الكناني هذان الاخوان، فأوصى لهما أبو حمّو، وأثنى عليهما. حلّه بمقامهما في العلم؛ واغتبط بهما أبو حمّو، واختط لهما المدرسة المعروفة بهما بتلمسان. وأقاما عنده على هدي أهل العلم وسننهم. وهلك أبو حمّو؛ فكانا كذلك مع ابنه أبي تاشفين إلى أن زحف السلطان أبو الحسن المريني إلى تلمسان، وملكها عنوة، سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. وكانت لهما شهرة في أقطار المغرب، أسست لهما في نفس السلطان عقيدة صالحة؛ فاستدعاهما لحين دخوله، وأدنى مجلسهما، وشاد بمكرمتهما، ورفع جاههما على أهل طبقتهما. وصار يجمّل بهما مجلسه متى مرّ بتلمسان، ووفدا عليه في الأولى التي نفر فيها أعيان بلادهما. ثم استنفرهما إلى الغزو، وحضرا معه واقعة طريف، وعادا إلى بلدهما. وتوفي أبو زيد منهما إثر ذلك، وبقي أخوه أبو موسى متبوّئاً ما شاء من ظلال تلك الكرامة. ولما سار السلطان أبو الحسن إلى أفريقية سنة ثمان وأربعين، كما مرّ في أخباره استصحب أبا موسى ابن الإمام معه مكّرماً موقّراً، عالي المحل، قريب المجلس منه. فلما استولى على أفريقية، سرّحه إلى بلده، فأقام بها يسيرآ، وهلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة. وبقي أعقابهما بتلمسان دارجين في مسالك تلك الكرامة، وموقرين فيها طبقاً عن طبق إلى هذا العهد.

وأمّا السطّي، واسمه محمد بن علي بن سليمان، من قبيلة سطّة، من بطون أوربة بنواحي فاس. فنزل أبوه سليمان مدينة فاس، ونشأ محمد بها وأخذ العلم عن الشيخ أبي الحسن الصغير إمام المالكيّة بالمغرب، والطائر الذكر، وقاضي الجماعة بفاس، وتفقّه وقرأ عليه. وكان أحفظ الناس لمذهب مالك، وأفقههم فيه. وكان السلطان أبو الحسن لدينه وسراوته، وبعد شأوه في الفضل، يتشوف إلى تزيين مجلسه بالعلماء، واختار منهم جماعة لصحابته ومجالسته. كان منهم هذا الإمام محمد بن سليمان. وقدم علينا بتونس في جملته، وشهدنا وفور فضائله. وكان في الفقه من بينها لا يجارى، حفظاً وفهماً، عهدي به وأخي محمد رحمه الله يقرأ عليه من كتاب التبصرة لأبي الحسن اللخمي، وهو يصححه عليه من إملائه وحفظه، في مجالس عديدة. وكذا كان حاله في أكثر ما يعاني حمله من الكتب. وحضر مع السلطان أبي الحسن، واقعة القيروان، وخلص معه إلى تونس، وأقام بها نحواً من سنتين. وانتقض المغرب على السلطان، واستقل به ابنه أبو عنان. ثم ركب السلطان أبو الحسن في أساطيله من تونس آخر سنة خمسين، ومر ببجاية، فأدركه الغرق في سواحلها، فغرقت أساطيله، وغرق أهله، وأكثر من كان معه من هؤلاء الفضلاء وغيرهم. وألقاه البحر ببعض الجزر هناك، حتى استنفذه منه بعض أساطيله، ونجا إلى الجزائر بعد أن تلف موجوده، وهلك الكثير من عياله وأصحابه، وكان من أمره ما مرّ في أخباره.

وأمّا الآيّلي واسمه محمد بن إبراهيم، فمنشؤه بتلمسان، وأصله من جالية الأندلس، من أهل آيُلّة، من بلد الجوف منها، أجاز بأبيه وعمه أحمد، فاستخدمهم يغمراسن بن زيّان، وولده في جندهم، وأصهر إبراهيم منهما إلى القاضي بتلمسان محمد بن غلبون في ابنته، فولدت له محمداً هذا. ونشأ بتلمسان في كفالة جدّه القاضي؛ فنشأ له بذلك ميل إلى انتحال العلم عن الجنديّة التي كانت منتحل أبيه وعمّه. فلما أيفع وأدرك سبق إلى ذهنه محبّة التعاليم؛ فبرز بها، واشتهر. وعكف الناس عليه في تعلّمها وهذا في سنّ البلوغ. ثم أظل السلطان يوسف بن يعقوب على تلمسان، وخيّم عليها يحاصرها. وسيّر العساكر إلى الأعمال فافتتح أكثرها. وكان إبراهيم الآيُلّي قائداً بهنين؛ مرسى تلمسان في لجّة من الجند. فلمّا ملكها يوسف بن يعقوب، اعتقل من وجد بها من أشياع ابن زيان، واعتقل ابراهيم الآيُلّي فيهم. وشاع الخبر في تلمسان بانّ يوسف بن يعقوب يسترهن أبناءهم ويطلقهم فتشوّف ابنه محمد إلى اللحاق بهم، من أجل ذلك. وأغراه أهله بالعزم عليه فتسوّر الأسوار، وخرج إلى أبيه فلم يجد خبر الاسترهان صحيحاً. واستخدمه يوسف بن يعقوب قائداً على الجند الأندلسيين بتاوريرت، فكره المقام على ذلك، ونزع عن طوره، ولبس المسوح، وسار قاصداً الحجّ. وانتهى إلى رباط العبّاد مختفياً في صحبة الفقراء؛ فوجد هنالك رئيساً من كربلاء ثم من بني الحسين، جاء إلى المغرب يروم إقامة دعوتهم فيه، وكان معقلأ؛ فلما رأى عساكر يوسف بن يعقوب، وشدّة هيبته غلب عليه اليأس من مرامه، ونزع عن ذلك، واعتزم الرجوع إلى بلده، فسار شيخنا محمد بن إبراهيم في جملته. قال لي رحمه الله: وبعد حين انكشف لي حاله، وما جاء له، واندرجت في جملتة وأصحابه وتابعيه. قال: وكان يتلقّاه في كل بلد من أصحابه وأشياعه وخدمه من يأتيه بالأزواد، والنفقات من بلده، إلى أن ركبنا البحر من تونس إلى الإسكندرية. قال: واشتدّت علي الغلُمَة في البحر، واستحييت من كثرة الاغتسال لكان هذا الرئيس فأشار عليّ بعض بطانته بشرب الكافور؛ فاغترفت منه غرفة، فشربتها فاختلطت. وقدم الديار المصرية على تلك الحال، وبها يومئذ تقيّ الدين بن دقيق العيد، وابن الرفُعَة وصفيّ الدين الهندي، والتبريزي، وابن البديع وغيرهم من فرسان المعقول والمنقول. فلم يكن قُصَارَاه إلاّ تمييز أشخاصهم، إذا ذكرهم لنا، لما كان به من الاختلاط. ثم حجّ مع ذلك الرئيس، وسار في جملته إلى كربلاء؛ فبعث به من أصحابه من أوصله إلى مأمنه من بلاد زواوة من أطراف المغرب. وقال لي شيخنا رحمه الله: كان معي دنانير كثيرة تزودتها من المغرب، واستبطنتها في جبّة كنت ألبسها؛ فلمّا نزل بي ما نزل انتزعها مني حتى إذا بعث أصحابه يشيّعونني إلى المغرب، دفعها إليهم، حتى إذا أوصلوني إلى المأمن، أعطوني إياها وأشهدوا عليّ بها في كتاب حملوه معهم إليه كما أمرهم. ثم قارن وصول شيخنا إلى المغرب مهلك يوسف بن يعقوب وخلاص أهل تلمسان من الحصار، فعاد إلى تلمسان، وقد أفاق من اختلاطه، وانبعثت همّته إلى تعلّم العلم. وكان مائلاً إلى العقليات؛ فقرأ المنطق على أبي موسى ابن الإمام، وجملة من الأصلين، وكان أبو حمّو صاحب تلمسان يومئذ قد استفحل ملكه، وكان ضابطاً للأمور، وبلغه عن شيخنا تقدّمه في علم الحساب؛ فدفعه إلى ضبط أمواله ومشارفة عماله. وتفادى شيخنا من ذلك؛ فأكرهه عليه، فأعمل الحيلة في الفرار منه، ولحق بفاس أيام السلطان أبي الربيع. وبعث فيه أبو حمّو، فاختفى بفاس عند شيخ التعاليم من اليهود، خلوف المغيلي؛ فاستوفى عليه فنونها، وحذق. وخرج متوارياً من فاس؛ فلحق بمراكش، أعوام عشروسبعمائة. ونزل على الإمام أبي العبّاس بن البنّاء شيخ المعقول والمنقول، والمّبرز في التصوّف علماً وحالاً، فلزمه، وأخذ عنه. وتضلّع من علم المعقول والتعاليم والحكمة. ثم استدعاه شيخ الهساكرة علي بن محمد بن تروميت ليقرأ عليه، وكان ممرضا في طاعه السلطان؛ فصعد إليه شيخنا وأقام عنده مدة، قرأ عليه فيها وحصّل. واجتمع طلبة العلم هنالك على الشيخ، فكثرت إفادته، واستفادته، وعلي بن محمد في ذلك على محبته وتعظيمه، ومحبته، وامتثال إشارته، فغلب على هواه، وعظمت رياسته في تلك القبائل. ولما استنزل السلطان أبو سعيد علي بن تروميت من جبله، نزل الشيخ معه، وسكن بفاس. وانثال عليه طلبة العلم من كلّ ناحية؛ فانتشر علمه، واشتهر ذكره، فلمّا فتح السلطان أبو الحسن تلمسان ولقي أبا موسى ابن الإمام، ذكره له بأطيب الذكر، ووصفه بالتقدّم في العلوم. وكان السلطان معتنياً بجمع العلماء بمجلسه، كما ذكرنا. فاستدعاه من مكانه بفاس، ونظمه في طبقة العلماء بمجلسه، وعكف على التدريس والتعليم، ولزم صحابة السلطان، وحضر معه واقعة طريف، وواقعة القيروان بأفريقية. وكانت قد حصلت بينه وبين والدي رحمه الله صحابة، كانت وسيلتي إليه في القراءة عليه؛ فلزمت مجلسه، وأخذت عنه. وافتتحت العلوم العقليّة بالتعاليم. ثم قرأت المنطق، وما بعده من الأصليْن، وعلوم الحكمة وعرض أثناء ذلك ركوب السلطان أساطيله من تونس إلى المغرب، وكان الشيخ في نزلنا وكفالتنا، فأشرنا عليه بالمقام، وثبّطناه عن السفر؛ فقبل، وأقام. وطالبنا به السلطان أبو الحسن؛ فأحسنّا له العذر. فتجافى عنه، وكان من حديث غرقه في البحر ما قدّمناه. وأقام الشيخ بتونس، ونحن وأهل بلدنا جميعاً نتساجل هنتاتة، وفرغ ابنه أبو عنان من شواغله، وملك تلمسان من بني عبد الواد، كتب فيه يطلبه من صاحب تونس، وسلطانها يومئذ أبو إسحق ابراهيم ابن السلطان أبي يحيى، في كفالة شيخ الموحّدين أبي محمد بن تافراكين؛ فأسلمه إلى سفيره، وركب معه البحر في أسطول السلطان الذي جاء فيه السفير. ومرّ ببجاية، ودخلها، وأقام بها شهراً، حتى قرأ عليه طلبة العلم بها مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه، برغبتهم في ذلك منه ومن صاحب الأسطول. ثم ارتحل، ونزل بمرسى هنين وقدم على السلطان بتلمسان، وأحلّه محل التكرمة، ونظمه في طبقة أشياخه من العلماء. وكان يقرأ عليه، ويأخذ عنه إلى أن هلك بفاس سنة سبع وخمسين وسبعمائة. وأخبرني رحمه الله أن مولده بتلمسان سنة إحدى وثمانين وستمائة.

وأمّا عبد المهيمن كاتب السلطان أبي الحسن، فأصله من سبتة، وبيتهم بها قديم، ويعرفون ببني عبد المهيمن وكان أبوه محمد قاضيها أيام بني العزفي. ونشأ ابنه عبد المهيمن في كفالته، وأخذ عن مشيختها. واختصّ بالأستاذ أبي إسحق الغافقي. ولما ملك عليهم الرئيس أبو سعيد، صاحب الأندلس، سبتة ونقل بني العزفي، مع جملة أعيانها إلى غرناطة، ونقل معهم القاضي محمد بن عبد المهيمن، وابنه عبد المهيمن؛ فاستكمل قراءة العلم هنالك وأخذ عن أبي جعفر بن الزبير ونظرائه، وتقدّم في معرفة كتاب سيبويه، وبرز في علو الإسناد، وكثرة المشيخة. وكتب له أهل المغرب والأندلس والمشرق، واستكتبه رئيس الأندلس يومئذ، الوزير أبو عبد الله بن الحكيم الرُندي، المستبد على السلطان المخلوع من بني الأحمر، فكتب عنه، ونظمه في طبقة الفضلاء الذين كانوا بمجلسه، مثل المحدّث الرحالة أبي عبد الله بن رشيد الفهري، وأبي العباس أحمد العزفي، والعالم الصوفيّ المتجرّد، أبي عبد الله محمد بن خميس التلمساني، وكانا لا يجاريان في البلاغة والشعر- إلى غير هؤلاء ممن كان مختصًّاً به؛ وقد ذكرهم ابن الخطيب في تاريخ غرناطة. فلما انكب الوزير ابن الحكيم، وعادت سبتة إلى طاعة بني مرين عاد عبد المهيمن إليها واستقر بها، ثم ولى الأمرأبو سعيد، وغلب عليه ابنه أبو علي، واستبدّ بحمل الدولة. تشّوف إلى استدعاء الفضلاء، وتجمّل الدولة بمكانهم فاستقدم عبد المهيمن من سبتة، واستكتبه سنة إثنتي عشرة وسبعمائة. ثم خالف على أبيه سنة أربع عشرة وسبعمائة، وامتنع بالبلد الجديد، وخرج منها إلى سجلماسة لصلح عقده مع أبيه، فتمسّك السلطان أبو سعيد بعبد المهيمن، واتخذه كاتباً، إلى أن دفعه لرياسة الكتّاب، ورسم علامته في الرسائل والأوامر؛ فتقدّم لذلك سنة ثمان عشرة وسبعمائة، ولم يزل عليها سائر أيام السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن. وسار مع أبي الحسن إلى أفريقية، وتخلّف عن واقعة القيروان بتونس؛ لما كان به علّة التقرس. فلمّا كانت الهيعة بتونس، ووصل خبر الواقعة، وتحيّز أولياء السلطان إلى القصبة، مع حرمه، تسرب عبد المهيمن في المدينة، منتبذاً عنهم، وتوارى في بيتنا، خشية أن يصاب معهم بمكروه. فلمّا انجلت تلك الغيابة. ورجع السلطان من القيراوان إلى سوسة، وركب منها البحر إلى تونس، أعرض عن عبد المهيمن، لما سخط غيبته عن قومه بالقصبة، وجعل العلامة لأبي الفضل ابن الرئيس عبد الله بن أبي مدين، وقد كانت من قبل مقصورة من قبل على هذا البيت، وأقام عبد المهيمن عطلاً من العمل مدة أشهر. ثم اعتبه السلطان، ورضي عنه، وأعاد إليه العلامة كما كان، وهلك لأيام قلائل بتونس في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة. ومولده سنة خمس وسبعين وستمائة من المائة قبلها، وقد استوعب ابن الخطيب التعريف به في تاريخ غرناطة فليطالعه هناك من أحبّ الوقوف عليه.

 وإما ابن رضوان الذي ذكره الرحويّ في قصيدته، فهو أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان البحاري؛ أصله من الأندلس نشأ بمالقة، وأخذ عن مشيختها، وحذق في العربية والأدب، وتفنّن في العلوم، ونظم ونثر، وكان مجيداً في الترسيل، ومحسناً في كتابة الوثائق. وارتحل بعد واقعة طريف، ونزل بسبتة، ولقي بها السلطان أبا الحسن، ومدحه، وأجازه، واختصّ بالقاضي إبراهيم بن أبي يحيى، وهو يومئذ قاضي العساكر، وخطيب السلطان، وكان يستنيبه في القضاء والخطابة، ثم نظمه في حلبة الكتّاب بباب السلطان. واختص بخدمة عبد المهيمن رئيس الكتاب والأخذ عنه، إلى أن رحل السلطان إلى أفريقية، وكانت واقعة القيروان، وانحصر بقصبة تونس مع من انحصر بها من أشياعه مع أهله وحرمه. وكان السلطان قد خلّف ابن رضوان هذا بتونس في بعض خدمه، فجلا عند الحصار فيما عرض لهم من المكاتبات. وتولّى كبر ذلك، فقام فيه أحسن قيام، إلى أن وصل السلطان من القيروان، فرعى له حق خدمته، تأنيساً، وقرباً، وكثرة استعمال، إلى أن ارتحل من تونس في الأسطول، إلى المغرب سنة خمسين وسبعمائة كما مرّ. واستخلف بتونس ابنه أبا الفضل وخلّف أبا القاسم بن رضوان كاتباً له؛ فأقاما كذلك أياماً. ثم غلبهم على تونس سلطان الموحدّين الفضل ابن السلطان أبي يحى. ونجا أبو الفضل إلى أبيه، ولم يطق ابن رضوان الرحلة معه؛ فأقام بتونس حولاً، ثم ركب البحر إلى الأندلس، وأقام بالمريّة مع جملة من هنالك من أشياع السلطان أبي الحسن؛ كان فيهم عامر بن محمد بن علي شيخ هنتاتة، كافلاً لحرم السلطان أبي الحسن؛ وابنه. أركبهم السفين معه من تونس عندما ارتحل؛ فخلص إلى الأندلس، ونزلوا بالمرية، وأقاموا بها تحت جراية سلطان الأندلس؛ فلحق بهم ابن رضوان، وأقام معهم. ودعاه أبو الحجاج سلطان الأندلس إلى أن يستكتبه فامتنع، ثم هلك السلطان أبو الحسن، وارتحل مخلّفه الذين كانوا بالمرّية. ووفدوا على السلطان أبي عنان. ووفد. معهم ابن رضوان؛ فرعى له وسائله في خدمة أبيه، واستكتبه، واختصه بشهود مجلسه، مع طلبة العلم بحضرته. وكان محمد بن أبي عمرو يومئذ رئيس الدولة، ونجي الخلوة، وصاحب العلامة، وحسبان الجباية والعساكر، قد غلب على هوى السلطان، واختص به؛ فاستخدم له ابن رضوان حتى علق منه بدمه. ولاية وصحبة، وانتظاماً في السمر، وغشيان المجالس الخاصة، وهو من ذلك يدنيه من السلطان. وينفق سوقه عنده، ويستكفي به في مواقف خدمته إذا غاب عنها لما هو أهم فحلي بعين السلطان، ونفقت عنده فضائله. فلما سار ابن أبي عمرو في العساكر إلى بجاية، سنة أربع وخمسين، انفرد ابن رضوان بعلامة الكتاب عن السلطان. ثم رجع ابن أبي عمرو، وقد سخطه السلطان؛ فأقصاه إلى بجاية وولاّه عليها، وعلى سائر أعمالها، وعلى حرب الموحّدين بقسنطينة. وأفرد ابن رضوان بالكتابة، وجعل إليه العلامة، كما كانت لابن أبي عمرو، فاستقلّ بها، موفّر الاقطاع، والإسهام، والجاه. ثم سخطه آخر سبع وخمسين وسبعمائة، وجعل العلامة لمحمد بن أبي القاسم بن أبي مدين، والإنشاء والتوقيع لأبي إسحق إبراهيم بن الحاج الغرناطي. فلما كانت دولة السلطان أبي سالم، جعل العلامة لعلي بن محمد بن سعود صاحب ديوان العساكر، والإنشاء والتوقيع والسرّ لمؤلف الكتاب عبد الرحمن بن خلدون. ثم هلك أبو سالم سنة إثنتين وستين، واستبدّ الوزير عمر بن عبد الله على من كفله من أبنائه، فجعل العلامة لابن رضوان، سائر أيامه، وقتله عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن، واستبدّ بملكه، فلم يزل ابن رضوان على العلامة، وهلك عبد العزيز، وولى ابنه السعيد في كفالة الوزير أبي بكر بن غازي بن الكاس، وابن رضوان على حاله، ثم غلب السلطان أحمد على الملك، وانتزعه من السعيد، وأبي بكر بن غازي، وقام بتدبير دولته محمد بن عثمان بن الكاس، مستبدّاً عليه، والعلامة لابن رضوان، كما كانت، إلى أن هلك بأزمور في حركات السلطان أحمد إلى مراكش، لحصار عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي وكان في جملة السلطان أبي الحسن جماعة كثيرة من فضلاء المغرب وأعيانه،هلك كثيرون منهم في الطاعون الجارف بتونس، وغرق جماعة منهم في أسطوله لما غرق، وتخطت النكبة منهم آخرين إلى أن استوفوا ما قدّر من آجالهم. فمن حضر معه بأفريقية من العلماء، شيخنا أبو العباس أحمد بن محمد الزواوي، شيخ القراءات بالمغرب: أخذ العلم والعربية عن مشيخة فاس، وروى عن الرحالة أبي عبد الله محمد بن رشيد، وكان إماماً في فن القراءات وصاحب ملكة فيها لا تجارى. وله مع ذلك صوت من مزامير آل داود، وكان يصلّي بالسلطان التراويح، ويقرأ عليه بعض الأحيان

حزبه. وممن حضر معه بأفريقية، الفقيه أبو عبد الله محمد بن محمد بن الصبّاغ من أهل مكناسة. كان مبرّزاً في المعقول والمنقول، وعارفاً بالحديث وبرجاله، وإماماً في معرفة كتّاب الموطأ وإقرائه أخذ العلوم عن مشيخة فاس ومكناسة، ولقي شيخنا أبا عبد الله الأيلّئ، ولازمه، وأخذ عنه العلوم العقلية فاستنفد بقية طلبه عليه، فبرز آخراً، واختاره السلطان لمجلسه، واستدعاه، ولم يزل معه إلى أن هلك غريقاً في ذلك الأسطول.

ومنهم القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد النور، من أعمال ندرومة، ونسبه في صنهاجة كان مبرّزاً في الفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس، تفقّه فيه على الأخوين أبي زيد، وأبي موسى ابني الإمام، وكان من جملة أصحابهما.

ولما استولى السلطان أبو الحسن على تلمسان، رفع من منزلة ابني الإمام، واختصهما بالشورى في بلدهما. وكان يستكثر من أهل العلم في دولته، ويجري لهم الأرزاق، ويعمر بهم مجلسه؛ فطلب يومئذ من ابن الإمام أن يختار له من أصحابه من ينظمه في فقهاء المجالس؛ فأشاروا عليه بابن عبد النور هذا؛ فأدناه، وقرّب مجلسه، وولاه قضاء عسكره، ولم يزل في جملته إلى أن هلك في الطاعون بتونس سنة تسع وأربعين. وكان قد خلف بتلمسان أخاه علياً رفيقه في دروس ابن الإمام، إلا أنه أقصر باعاً منه في الفقه. فلمّا خلع السلطان أبو عنان طاعة أبيه السلطان أبي الحسن، ونهض إلى فاس، استنفره في جملته. وولاّه قضاء مكناسة؛ فلم يزل بها، حتى إذا تغلّب عمر بن عبد الله على الدولة كما مرّ، نزع إلى قضاء فرضه؛ فسرّحه. وخرج حاجا سنة أربع وستين؛ فلما قدم على مكة، وكان به بقيه مرض، هلك في طواف القدوم. وأوصى أمير الحاج على ابنه محمد، وأن يبلغ وصيته به للأمير المتغلب على الديار المصرية يومئذ، يلبغا الخاصكي، فأحسن خلافته فيه، وولاّه من وظائف الفقهاء ما سدّ به خلّته، وصان عن سؤال الناس وجهه؛ وكان له عفا الله عنه كلف بعمل الكيمياء، تابعاً لمن غلظ في ذلك من أمثاله. فلم يزل يعاني من ذلك ما يورّطه مع الناس في دينه وعرضه، إلى أن دعته الضرورة للترحل عن مصر، ولحق ببغداد. وناله مثل ذلك؛ فلحق بماردين، واستقر عند صاحبها، وأحسن جواره، إلى أن بلغنا بعد التسعين أنه هلك هنالك حتف أنفه، والبقاء لله وحده.

ومنهم شيخ التعاليم أبو عبد الله محمد بن النجّار من أهل تلمسان؛ أخذ العلم ببلده عن مشيختها، وعن شيخنا الآُيلي، وبرّز عليه. ثم ارتحل إلى المغرب، فلقي بسبتة إمام التعاليم، أبا عبد الله محمد بن هلال شارح المجسطي في الهيئة، وأخذ بمراكش عن الإمام أبي العباس بن البناء، وكان إماماً في علوم النجامة وأحكامها، وما يتعلق بها، ورجع إلى تلمسان بعلم كثير، واستخلصته الدولة. فلما هلك أبو تاشفين، وملك السلطان أبو الحسن، نظمه في جملته وأجرى له رزقه، فحضر معه بإفريقية، وهلك في الطاعون.

ومنهم أبو العباس أحمد بن شعيب من أهل فاس، برع في الادب واللسان، والأدب، والعلوم العقلية، من الفلسفة، والتعاليم، والطب، وغيرها، ونظمه السلطان أبو سعيد في جملة الكتاب، وأجرى عليه رزق الأطباء لتقدمه فيه؛ فكان كاتبه، وطبيبه؛ وكذا مع السلطان أبي الحسن بعده؛ فحضر بأفريقية، وهلك بها في ذلك الطاعون. وكان له شعر سابق به الفحول من المتقدّمين والمتأخّرين، وكانت له إمامة في نقد الشعر، وبصر به؛ وما حضرني الآن من شعره:

دار الهوى نجد وساكنهــــــا             أقصى أماني النفس من نجد

هل باكر الوسمي ساحتهـــــا                      واستن في قيعانها الجــرد

أو بات معتل النسيم بهــــــا                        مستشفياً بالبان والرنـــد

يتلو أحاديث الذين هـــــــم              قصدي وإن جاروا عن القصد

أيام سمر ظلالها وطنــــــي             منها وزرق مياههــا وردي

ومطارح النظرات في رشـــاءٍ            أحوى المدامع أهيف القـــد

يرنو إليك بعين جــاريــــة                 قُتل المحب بها على عمـــد

حتى أجدّ على عجـــــــل               ريب الخطوب وعاثر الجــد

فقدوا فما وأبيك بعدهــــــم              ما عشت لا آسى على الفقــد

وغدوا: دفيناً قد تضمّنـــــه               بطن الثرى وقرارة اللحــد

ومشرداً من دون رؤيتـــــه               قذف النوى وتنوفة البعـــد

أجرى علي العيش بعدهــــم                       أني فقدت جميعهم وحـــدي

لا تلحني يا صاح في شجـــن                      أخفيت منه فوق ما أبـــدي

بالقرب لي سكن تأوبنـــــي                        من ذكره سهد على سهـــد

فرخان قد تركا بمضيعـــــةٍ               زويت عن الرفداء والـــرفد

ومنهم صاحبنا الخطيب أبو عبد الله بن أحمد بن مرزوق من أهل تلمسان، كان سلفه نزلاء الشيخ أبي مدين بالعُباد، ومتوارثين خدمة تربته، من لدن جدهم خادمه في حياته. وكان جده الخامس أو السادس، واسمه أبو بكر بن مرزوق، معروفاً بالولاية فيهم. ولما هلك دفنه يغمراسن بن زيان، سلطان بتلمسان من بني عبد الواد، ففي التربة بقصره، ليدفن بإزائه، متى قدّر بوفاته. ونشأ محمد هذا بتلمسان. ومولده فيما أخبرني سنة عشر وسبعمائة وارتحل مع أبيه إلى المشرق. وجاور أبوه بالحرمين الشريفين، ورجع هو إلى القاهرة؛ فأقام بها. وقرأ على برهان الدين الصفاقسي المالكي وأخيه. وبرع في الطلب والرواية، وكان يجيد الخطّين؛ ثم رجع سنة خمس وثلاثين وسبعمائة إلى المغرب، ولقي السلطان أبا الحسن بمكانه من حصار تلمسان، وقد شيد بالعباد مسجداً عظيماً؛ وكان عمه محمد بن مرزوق خطيباً به على عادتهم بالعبّاد. وتوفي، فولاه السلطان خطابة ذلك المسجد مكان عمّه. وسمعه يخطب على المنبر، ويشيد بذكره، والثناء عليه، فحلا بعينه، واختصه، وقرّبه، وهو مع ذلك يلازم مجلس الشيخين ابني الإمام، ويأخذ نفسه بلقاء الفضلاء، والأكابر، والأخذ عنهم؛ والسلطان في كل يوم يزيده رتبة؛ وحضر معه واقعة طريف التي كان فيها تمحيص المسلمين؛ فكان يستعمله في السفارة عنه إلى صاحب الأندلس. ثم سفر عنه، بعد أن ملك أفريقية، إلى ابن أدفونش ملك قشتاله في تقرير الصلح، واستنقاذ ابنه أبي عمر تاشفين. كان أسر يوم طريف، فغاب في تلك السفارة عن واقعة القيروان. ورجع بأبي تاشفين مع طائفة من زعماء النصرانيّة، جاءوا في السفارة عن ملكهم، ولقيهم خبر واقعة القيروان، بقسنطينة، من بلاد أفريقية، وبها عامل السلطان وحاميته، فثار أهل قسنطينة بهم جميعأ، ونهبوهم، وخطبوا للفضل ابن السلطان أبي يحيى، وراجعوا دعوة الموحّدين، واستدعوه فجاء إليهم، وملك البلد. وانطلق ابن مرزوق عائداً إلى المغرب مع جماعة من الأعيان، والعمّال والسفراء عن الملوك. ووفد على السلطان أبي عنان بفاس مع أمه حظية أبي الحسن وأثيرته. كانت راحلة إليه، فأدركها الخبر بقسنطينة. وحضرت الهيعة. واتصل بها الخبر بتوثب ابنها أبي عنان على ملك أبيه، واستيلائه على فاس؛ فرجعت إليه، وابن مرزوق في خدمتها، ثم طلب اللحاق بتلمسان؛ فسرّحوه إليها، وأقام بالعبّاد مكان سلفه. وعلى تلمسان يومئذ أبو سعيد عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان، قد بايع له قبيله بنو عبد الواد بعد واقعة القيروان بتونس، وابن تافراكين يومئذ محاصر للقصبة، كما مرّ في أخبارهم. وانصرفوا إلى تلمسان، فوجدوا بها أبا سعيد عثمان بن جرّار، من بيت ملوكهم، قد استعمله عليها السلطان أبو عنان، عند انتقاضه على أبيه، ومسيره إلى فاس؛ وانتقض ابن جرّار من بعده، ودعا لنفسه، وصمد إليه عثمان بن عبد الرحمن ومعه أخوه أبو ثابت وقومهما، فملكوا تلمسان من يد ابن جرّار، وحبسوه ثم قتلوه؛ واستبدّ أبو سعيد بملك تلمسان، وأخوه أبو ثابت يردفه. وركب السلطان أبو الحسن البحر من تونس، وغرق أسطوله، ونجا هو إلى الجزائر، فاحتل بها، وأخذ في الحشد إلى تلمسان؛ فرأى أبو سعيد أن يكف غربه عنهم، بمواصلة تقع بينهما، واختار لذلك الخطيب بن مرزوى؛ فاستدعاه وأسر إليه بما يلقيه عنه للسلطان أبي الحسن، وذهب لذلك على طريق الصحراء. واطلّ أبو ثابت وقومهم على الخبر، فنكروه على أبي سعيد، وعاتبوه فأنكر، فبعثوا صغير ابن عامر في اعتراض ابن مرزوق، فجاء به، وحبسوه أياماً. ثم أجازوه البحر إلى الأندلس؛ فنزل على السلطان أبي الحجّاج بغرناطة، وله إليه وسيلة منذ اجتماعه به بمجلس السلطان أبي الحسن بسبتة إثر واقعة طريف؛ فرعى له أبو الحجّاج ذمة تلك المعرفة، وأدناه، واستعمله في الخطابة بجامعه بالحمراء؛ فلم يزل خطيبه إلى إن استدعاه السلطان أبو عنان سنة أربع وخمسين بعد مهلك أبيه، واستيلائه على تلمسان وأعمالها؛ فقدم عليه ورعى له وسائله، ونظمه في أكابر أهل مجلسه. وكان يقرأ الكتاب بين يديه في مجلسه العليّ، ويدرّس في نوبته مع من يدرس في مجلسه منهم. ثم بعثه إلى تونس عام ملكها سنة ثمان وخمسين؛ ليخطب له ابنة السلطان أبي يحيى، فردت تلك الخطبة واختفت بتونس. ووشي إلى السلطان أبي عنان أنه كان مطلعاً على مكانها، فسخطه لذلك، ورجع السلطان من قسنطينة؛ فثار أهل تونس بمن كان بها من عماله وحاميته. واستقدموا أبا محمد بن تافراكين من المهدية، فجاء، وملك البلد. وركب القوم الاسطول، ونزلوا بمراسي تلمسان. وأوعز السلطان أبو عنان، باعتقال ابن مرزوق، وخرج لذلك يحيى بن شعيب من مقدمي الجنادرة ببابه، فلقيه بتاسالة، فقيده هنالك. وجاء به، فأحضره السلطان وقرعه، ثم حبسه مدة، وأطلقه بين يدي مهلكه؛ واضطربت الدولة بعد موت السلطان أبي عنان، وبايع بنو مرين لبعض الأعياص من بني يعقوب بن عبد الحق. وحاصروا البلد الجديد، وبها ابنه السعيد، ووزيره المستبد عليه، الحسن بن عمر؛ وكان السلطان أبو سالم بالأندلس، غرّبه إليها أخوه السلطان أبو عنان، مع بني عمّهم، ولد السلطان أبي علي بعد وفاة السلطان أبي الحسن، وحصولهم جميعاً في قبضته. فلما توفي، أراد أبو سالم النهوض لملكه بالمغرب، فمنعه رضوان القائم يومئذ بملك الأندلس، مستبداً على ابن السلطان أبي الحجّاج، فلحق هو بإشبيلية، من دار الحرب، ونزل على بطره، ملكهم يومئذ، فهيأ له السفين، وأجازه إلى العدوة، فنزل بجبل الصفيحة، من بلاد غمارة، وقام بدعوته بنو مثنى، وبنو منير أهل ذلك الجبل منهم، حتى تم أمره، واستولى على ملكه؛ في خبر طويل، ذكرناه في أخبار دولتهم. وكان ابن مرزوق يداخله، وهو بالأندلس، ويستخدم له، ويفاوضه في أموره، وربما كان يكاتبه، وهو بجبل الصفيحة، ويداخل زعماء قومه، في الأخذ بدعوته. فلما ملك السلطان أبو سالم، رعى له تلك الوسائل أجمع، ورفعه على الناس، وألقى عليه محبته، وجعل زمام الأمور بيده، فوطىء الناس عقبه، وغشي أشراف الدولة بابه، وصرفت الوجوه إليه، فمرضت لذلك قلوب أهل الدولة، ونقموه على السلطان، وتربصوا به، حتى توثب عمر ابن عبد الله بالبلد الجديد، وافترق الناس عن السلطان. وقتله عمر بن عبد الله آخر إثنتين وستين وسبعمائة، وحبس ابن مرزوق وأغرى به سلطانه الذي نصبه؛ محمد بن عبد الرحمن بن أبي الحسن، فامتحنه، واستصفاه، ثم أطلقه، بعد أن رام كثير من أهل الدولة قتله، فمنعه منهم. ولحق بتونس، سنة أربع وستين، ونزل على السلطان أبي إسحق، وصاحب دولته المستبد عليه، أبي محمد بن تافراكين، فأكرموا نزله، وولوه الخطابة، بجامع الموحدين بتونس. وأقام بها، إلى أن هلك السلطان أبو إسحق سنة سبعين وسبعمائة، وولي ابنه خالد. وزحف السلطان أبو العباس، حافد السلطان أبي يحيى، مقره بقسنطينة إلى تونس، فملكها، وقتل خالداً، سنة إثنتين وسبعين وسبعمائة.

وكان ابن مرزوق يستريب منه، لما كان يميل، وهو بفاس، مع ابن عمّه أبى عبد الله محمد، صاحب بجاية، ويؤثره عند السلطان أبي سالم عليه؛ فعزله السلطان أبو العبّاس عن الخطبة بتونس؛ فوجم لها، وأجمع الرحلة إلى المشرق. وسرّحه السلطان، فركب السفن، ونزل بالإسكندرية، ثم ارتحل إلى القاهرة، ولقي أهل العلم، وأمراء الدولة، ونفقت بضائعه عندهم، وأوصلوه إلى السلطان، وهو يومئذ الأشرف. فكان يحضر يومئذ مجلسه، وولاه الوظائف العلمية، وكان ينتجع منها معاشه. وكان الذي وصل حبله بالسلطان أستاذ داره محمد بن أقبغا آص، لقيه أول قدومه، فحلا بعينه، واستظرف جملته، فسعى له، وأنجح سعايته، ولم يزل مقيماً بالقاهرة، موقّر الرتبة، معروف الفضيلة، مرشحا لقضاء المالكية، ملازما للتدريس في وظائفه، إلى إن هلك سنة إحدى وثمانين.هذا ذكر من حضرنا من جملة السلطان أبي الحسن، من أشياخنا، وأصحابنا؛ وليس موضوع الكتاب الإطالة فلنقتصر على هذا القدر، ونرجع إلى ما كنا فيه من أخبار المؤلف.

ولاية العلامة بتونس، ثم الرحلة بعدها إلي المغرب، والكتابة على السلطان أبي عنان:

ولم أزل منذ نشأت، وناهزت مكبّاً على تحصيل العلم، حريصاً على اقتناء الفضائل، متنقّلاً بين دروس العلم وحلقاته، إلى أن كان الطاعون الجارف، وذهب بالأعيان، والصدور، وجميع المشيخة، وهلك أبواي، رحمهما الله. ولزمت مجلس شيخنا أبي عبد الله الآيُلّيالأُيُلّي؛ وعكفت على القراءة عليه ثلاث سنين، إلى أن شدوت بعض الشىء؛ واستدعاه السلطان أبو عنان، فارتحل إليه، واستدعاني أبو محمد بن تافراكين، المستبد على الدولة يومئذ بتونس، إلى كتابة العلامة عن سلطانه أبي إسحق. مذ نهض إليهم من قسنطينة صاحبها الأمير أبو زيد، حافد السلطان أبي يحيى في عساكره، ومعه العرب أولاد مهلهل الذين استنجدوه لذلك، فأخرج ابن تافراكين سلطانه أبا إسحق مع العرب، أولاد أبي الليل، وبث العطاء في عسكره، وعمر له المراتب والوظائف. وتعلل عليه صاحب العلامة أبو عبد الله بن عمر بالإستزادة من العطاء؛ فعزله، وأدالني منه؛ فكتبت العلامة عن لالسلطان، وهي وضع “الحمد لله والشكر لله “، بالقلم الغليظ، مما بين البسملة وما بعدها، من مخاطبة أو مرسوم وخرجت معهم أول سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة. وقد كنت منطوياً على الرحلة من أفريقية، لما أصابني من الاستيحاش لذهاب أشياخي، وعطلاتني عن طلب العلم. فلما رجع بنو مرين إلى مراكزهم بالمغرب، وانحسر تيّارهم عن أفريقية، وأكثر من كان معهم من الفضلاء صحابة وأشياخ، فاعتزمت على اللحاق بهم. وصدّني عن ذلك أخى وكبيري محمد، رحمه الله، فلما دُعيت إلى هذه الوظيفة، سارعت إلى الإجابة، لتحصيل غرضي من اللحاق بالمغرب، وكان كذلك، فإنّا لمّا خرجنا من تونس، نزلنا بلاد هوّارة، وزحفت العساكر بعضها إلى بعض؛ بفحص مرما جنَّة، وانهزم صفُّنا، ونجوت أنا إلى أبَّة؛ فأقمت بها عند الشيخ عبد الرحمن الوشستناتني، من كبراء المرابطين. ثم تحوّلت إلى سبتة، ونزلت بها على محمد بن عبدون، صاحبها؛ فأقمت عنده ليالي حتى هيّأ لي الطريق، وبذرق لي مع رفيق من المغعرب، وسافرت إلى قفصة، وأقمت بها أياماً أترصد الطريق، حتى قدم علينا بها الفقيه محمد بن الرئيس منصور بن مزني، وأخوه يوسف يومئذ صاحب الزاب. وكان هو بتونس، فلمّا حاصرها الأمير أبو زيد، خرج إليه، فكان معه. ثم بلغهم الخبر بأنّ السلطان أبا عنان ملك المغرب، نهض إلى تلمسان؛ فملكها، وقتل سلطانها، عثمان بن عبد الرحمن، وأخاه أبا ثابت، وأنه انتهى إلى المدية، وملك بجاية من يد صاحبها، الأمير أبي عبد الله من حفدة السلطان أبي يحيى، راسله عندما أطلّ على بلده؛ فسار إليه، ونزل له عنها، وصار في جملته، وولى أبو عنان على بجاية عمر بن علي شيخ بني وطّاس، من بني الوزير شيوخهم. فلمّا بلغ هذا الخبر، أجفل الأمير عبد الرحمن من مكانه على حصار تونس، ومرّ بقفصة، فدخل إلينا محمد بن مزني ذاهباً إلى الزاب؛ فرافقته إلى بسكرة، ودخلت إلى أخيه هنالك. ونزل هو ببعض قرى الزاب تحت جراية أخيه، إلى أن انصرم الشتاء.

وكان أبو عنان لما ملك بجاية، ولى عليها عمر بن علي بن الوزير، من شيوخ بني وطّاس، وجاء فارح، مولى الأمير أبي عبد الله لنقل حرمه وولده، فداخل بعض السفهاء من صنهاجة في قتل عمر بن علي فقتله في مجلسه. ووثب هو على البلد، وبعث إلى الأمير أبي زيد، يستدعيه من قسنطينة؛ فتمشّت رجالات البلد بينهم بينهم خشية من سطوة السلطان.

ثم ثاروا بفارح فقتلوه، وأعادوا دعوة السلطان كما كانت. وبعثوا عن عامل السلطان بتدلس، يحياتن بن عمر بن عبد المؤمن، ي خ بني ونكاسن من بني مرين، فملكوه قيادهم. وبعثوا إلى السلطان بطاعتهم؛ فأخرج لوقته حاجبه محمد بن أبي عمرو، وأكثف له الجند، وصرف معه وجوه دولته وأعيان بطانته. وارتَحَلْتُ من بسكرة، وافداً على السلطان أبي عنان بتلمسان، فلقيت ابن أبي عمرو بالبطحاء، وتلقّاني من الكرامة بما لم أحتسبه، وردّني معه إلى بجاية، فشهدت الفتح. وتسايلت وفود أفريقية إليه فلمّا رجع السلطان، وفدت معهم، فنالني من كرامته وإحسانه ما لم أحتسبه، إذ كنت شاباً لم يطّر شاربي. ثم انصرفت مع الوفود، ورجع ابن أبي عمرو إلى بجاية؛ فأقمت عنده، حتى انصرم الشتاء من أواخر أربع وخمسين وسبعمائة؛ وعاد السلطان أبو عنان إلى فاس، وجمع أهل العلم للتحليق بمجلسه، وجرى ذكري عنده، وهو ينتقي طلبة العلم للمذاكرة في ذلك المجلس، فأخبره الذين لقيتهم بتونس عني، ووصفوني له؛ فكتب إلى الحاجب يستقدمني، فقدمت عليه، سنة خمس وخمسين وسبعمائة، ونظمني في أهل مجلسه العلمي، وألزمني شهود الصلوات معه؛ ثم استعملني في كتابته، والتوقيع بين يديه، على كره مني، إذ كنت لم أعهد مثله لسلفي. وعكفت على النظر، والقراءة، ولقاء المشيخة، من أهل المغرب، ومن أهل الأندلس الوافدين في غرض السفارة؛ وحصلت من الإفادة منهم على البغية. وكان في جملته يومئذ الأستاذ أبو عبد الله محمد بن الصفّار، من أهل مراكش إمام القراءآت لوقته؛ أخذ عن جماعة من مشيخة المغرب، وكبيرهم شيخ المحدثين الرحّالة أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري، سيّد أهل المغرب، وكان يعارض السلطان القرآن برواياته السبع إلى أن توفي. ومنهم: قاضي الجماعة بفاس، أبو عبد الله محمد المغربي، صاحبنا، من أهل تلمسان. أخذ العلم بها عن أبي عبد الله السلاوي، ورد عليها من المغرب خلوا من المعارف. ثم دعته همته إلى التحلي بالعلم، فعكف في بيته على مدارسة القرآن فحفظه، وقرأه بالسبع. ثم عكف على كتاب التسهيل في العربية، فحفظه ثم على مختصر ابن الحاجب في الفقه، والأصول، فحفظهما، ثم لزم الفقيه عمران المشدّ الي من تلاميذ أبي علي ناصر الدين وتفقه عليه، وبرز في العلوم، إلى حيث لم تلحق غايته. وبنى السلطان أبو تاشفين مدرسة بتلمسان، فقدّمه للتدريس بها، يضاهي به أولاد الإمام. وتفقّه عليه بتلمسان جماعة، كان من أوفرهم سهماً في العلوم أبو عبد الله المغربي هذا.

ولما جاء شيخنا أبو عبد الله الابلي إلى تلمسان، عند استيلاء السلطان أبي الحسن عليها، وكان أبو عبد الله السلوي قد قتل يوم فتح تلمسان، قتله بعض أشياع السلطان، لذنب أسلفه في خدمة أخيه أبي على بسجلماسة، قبل انتحاله العلم، وكان السلطان توعده عليه، فقتل بباب المدرسة، فلزم أبو عبد الله المغربي بعده مجلس شيخنا الايليئ، ومجالس إبني الإمام، واستبحر في العلوم وتفنّن. ولما انتقض السلطان أبو عنان، سنة تسع وأربعين وخلع أباه، ندبه إلى كتب البيعة، فكتبها وقرأها على الناس في يوم مشهود. وارتحل مع السلطان إلى فاس، فلمّا ملكها، عزل قاضيها الشيخ المعمّر أبا عبد الله بن عبد الرزاق وولاّه مكانه، فلم يزل قاضياً بها، إلى أن أسخطه لبعض النزعات الملوكيّة، فعزله وأدال منه بالفقيه أبي عبد الله الفشتالي آخر سنة ست وخمسين وسبعمائة، ثم بعثه في سفارة إلى الأندلس، فامتنع من الرجوع. وقام السلطان لها في ركابه، ونكر على صاحب الأندلس ابن الأحمر تمسّكه به، وبعث إليه فيه يستقدمه، فلاذ منه ابن الأحمر بالشفاعة فيه، واقتضى له كتاب أمان بخط السلطان أبي عنان، وأوفده مع الجماعة من شيوخ العلم بغرناطة، ومنهم: القاضيان بغرناطة، شيخنا أبو القاسم الشريف السبتي، شيخ الدنيا جلالة وعلماً ووقاراً، ورياسةً، وإمام اللسان حوكا ونقداً، في نظمه ونثره. وشيخنا الآخر أبو البركات محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحاج البلقيني من أهل المرية، شيخ المحدّثين والفقهاء والأدباء والصوفية والخطباء بالأندلس، وسيّد أهل العلم بإطلاق، والمتفنن في أساليب المعارف، وآداب الصحابة للملوك فمن دونهم؛ فوفدوا به على السلطان شفيعين على عظيم تشوّقه للقائهما؛ فقبلت الشفاعة، وأنجحت الوسيلة.

حضرت بمجلس السلطان يوم وفادتهما، سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وكان يوماً مشهوداً. واستقرّ القاضي المغربي في مكانه، بباب السلطان، عُطلاً من الولاية والجراية. وجرت عليه بعد ذلك محنة من السلطان، بسبب خصومة وقعت بينه وبين أقاربه امتنع من الحضور معهم عند القاضي الفشتالي، فتقدّم السلطان إلى بعض أكابر الوزعة ببابه، أن يسحبه إلى مجلس القاضي حتى ينفذ فيه حكمه، فكان الناس يعدّونها محنة. ثم ولاّه السلطان، بعد ذلك، قضاء العساكر في دولته، عندما ارتحل إلى قسنطينة. فلما افتتحها، وعاد إلى دار ملكه بفاس آخر ثمان وخمسين وسبعمائة، اعتلّ القاضي المغربي في طريقه، وهلك عند قدومه بفاس.

ومنهم صاحبنا الإمام العالم الفذ، فارس المعقول والمنقول، صاحب الفروع والأصول، أبو عبد الله محمد بن أحمد الشريف الحسني، ويعرف بالعلوي، نسبة إلى قرية من أعمال تلمسان، تسمّى العلوين، فكان أهل بلده لا يدافعون في نسبهم، وربّما بغمز فيه بعض الفجرة، ممن يروعه دينه، ولا معرفته بالأنساب، ببعض من اللغو، لا يلتفت إليه. نشأ هذا الرجل بتلمسان، وأخذ العلم عن مشيختها، واختص بأولاد الإمام، وتفقّه عليهما في الفقه، والأصول والكلام؛ ثم لزم شيخنا أبا عبد الله الآبلي. وتضلّع من معارفه؛ فاستبحر، وتفجّرت ينابيع العلوم من مداركه؛ ثم ارتحل إلى تونس في بعض مذاهبه، سنة أربعين، ولقي شيخنا القاضي أبا عبد الله بن عبد السلام، وحضر مجلسه، وأفاد منه، واستعظم رتبته في العلم. وكان ابن عبد السلام يصغي إليه ويؤثر محله، ويعرف حقه، حتى لقد زعموا أنه كان يخلو به في بيته، فيقرأ عليه فصل التصوّف من كتاب الإشارات لابن سينا، بما كان هو أحكم ذلك الكتاب على شيخنا  الآبلي؛ وقرأ عليه كثيراً من كتاب الشفاء لابن سينا، ومن تلاخيص كتب أرسطو لابن رشد، ومن الحساب والهندسة، والفرائض، علاوة على ما كان يحمله من الفقه والعربية وسائر علوم الشريعة. وكانت له في كتب الخلافيات يد طولى، وقدم عالية، فعرف له ابن عبد السلام ذلك كله، وأوجب حقه وانقلب إلى تلمسان؛ وانتصب لتدريس العلم وبثه، فملأ المغرب معارف وتلاميذ، إلى اضطراب المغرب، بعد واقعة القيروان؛ ثم هلك السلطان أبو الحسن، وزحف ابنه أبو عنان، إلى تلمسان؛ فملكها، سنة ثلاث وخمسين؛ فاستخلص الشريف أبا عبد الله، واختاره لمجلسه العلمي، مع من اختار من المشيخة. ورحل به إلى فاس، فتبرم الى شريف من الاغتراب، وردّد الشكوى فأحفظ السلطان بذلك، وارتاب به. ثم بلغه أثناء ذلك أنّ عثمان بن عبد الرحمن، سلطان تلمسان، أوصاه على ولده، وأودع له مالاً عند بعض الأعيان من أهل تلمسان، وأن الشريف مطلع على ذلك فانتزع الوديعة، وسخط الشريف بذلك ونكبه، وأقام في اعتقاله أشهراً، ثم أطلقه أول ست وخمسين وسبعمائة وأقصاه، ثم أعتبه بعد فتح قسنطينة وأعاده إلى مجلسه، إلى أن هلك السلطان، آخر تسع وخمسين وسبعمائة.

وملك أبو حمّو بن يوسف بن عبد الرحمن تلمسان من يد بني مرين، واستدعى الشريف من فاس، فسرحه القائم بالأمر يومئذ، الوزير عمر بن عبد الله فانطلق إلى تلمساني. وتلقاه أبو حمّو براحتيه، وأصهر له في ابنته، فزؤجها إياه، وبنى له مدرسة جعل في بعض جوانبها مدفن أبيه وعمه. وأقام الشريف يدرس العلم إلى أن هلك سنة إحدى وسبعين. وأخبرني رحمه الله، إن مولده سنة عشر وسبعمائة .

ومنهم صاحبنا الكاتب القاضي أبو القاسم محمد بن يحى البرجي من برجة الأندلس. كان كاتب السلطان أبي عنان، وصاحب الإنشاء والسر في دولته، وكان مختصًّاً به، وأثيراً لديه. وأصله من برجة الأندلس، نشأ بها، واجتهد في العلم والتحصيل، وقرأ، وسمع، وتفقه على مشيخة الأندلس، واستبحر في الأدب، وبرز في النظم والنثر. وكان لا يجارى في كرم الطباع، وحسن المعاشرة، ولين الجانب، وبذل البشر والمعروف.

 وارتحل إلى بجاية في عشر الأربعين والسبعمائة، وبها الأمير أبو زكرياء ابن السلطان أبي يحيى، منفرداً بملكها، على حين أقفر من رسم الكتابة والبلاغة، فبادرت أهل الدولة إلى اصطفائه، وإيثاره بخطة الإنشاء، والكتاب عن السلطان، إلى أن هلك الأمير أبو زكريا، ونصب ابنه محمّد مكانه، فكتب عنه على رسمه ثم هلك السلطان أبو يحيى، وزحف السلطان أبو الحسن إلى أفريقية، واستولى على بجاية، ونقل الأمير محمداً بأهله وحاشيته إلى تلمسان، كما تقدّم في أخباره. فنزل أبو القاسم البرجي تلمسان وأقام بها، واتصل خبره بأبي عنان، ابن السلطان أبي الحسن، وهو يومئذ أميرها. ولقيه، فوقع من قلبه بمكان، إلى أن كانت واقعة القيروان.

وخلع أبو عنان، واستبدّ بالأمر، فاستكتبه وحمله إلى المغرب، ولم يسم به إلى العلامة، لأنه آثر بها محمد بن أبي عمر بما كان أبوه يعلّمه القرآن والعلم. وربّي محمد بداره، فولاه العلامة، والبرجي مرادف له في رياسته، إلى أن انقرضوا جميعاً. وهلك السلطان أبو عنان، واستولى أخوه أبو سالم على ملك المغرب وغلب ابن مرزوق على هواه كما قدّمناه؛ فنقل البرجي من الكتابة، واستعمله في قضاء العساكر، فلم يزل على القضاء، إلى أن هلك سنة ست وثمانين وسبعمائة. وأخبرني رحمه الله أن مولده سنة عشر وسبعمائة.

ومنهم: شيخنا المعمّر الرحالة أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق شيخ وقته جلالة وتربية وعلماً وخبرةً بأهل بلده، وعظمة فيهم. نشأ بفاس، وأخذ عن مشيختها. وارتحل إلى تونس فلقي القاضي أبا إسحق بن عبد الرفيع، والقاضي أبا عبد الله النفزاوي، وأهل طبقتهما. وأخذ عنهم، وتفقّه عليهم، ورجع إلى المغرب. ولازم سنن الأكابر والمشايخ، إلى أن ولاّه السلطان أبو الحسن القضاء بمدينة فاس فأقام على ذلك، إلى أن جاء السلطان أبو عنان من تلمسان، بعد واقعة القيروان، وخلعه أباه، فعزله بالفقيه أبي عبد الله المغربى، وأقام عطلا في بيته.

ولما جمع السلطان مشيخة العلم للتحليق بمجلسه، والإفادة منهم، واستدعى شيخنا أبا عبد الله بن عبد الرزاق فكان يأخذ عنه الحديث، ويقرأ عليه القرآن برواياته، في مجلس خاص إلى أن هلك، رحمه الله، بين يدي مهلك السلطان أبي عنان. إلى آخرين، وآخرين، من أهل المغرب والأندلس، كلهم لقيت وذاكرت وأفدت منه، وأجازني بالإجازة العامّة.

حدوث النكبة من السلطان أبي عنان:

كان اتصالي بالسلطان أبي عنان، آخر  سنة ست وخمسين وسبعمائة، وقربني وأدناني، واستعملني في كتابته، حتى تكدر جوي عنده، بعد أن كان لا يعبر عن صفائه؛ ثم اعتلّ السلطان، آخر سبع وخمسين وسبعمائة، وكان قد حصلت بيني و بين الأمير محمد صاحب بجاية من الموحّدين مداخلة، أحكمها ما كان لسلفي في دولتهم. وغفلت عن التحفّظ في مثل ذلك، من غَيْرة السلطان، فما هو إلا أن شغل بوجعه، حتى نمى إليه بعض الغواة، أنّ صاحب بجاية، معتمل في الفرار ليسترجع بلده، وبها يومئذ وزيره الكبير، عبد الله بن عليّ؛ فانبعث السلطان لذلك، وبادر بالقبض عليه. وكان فيما نمي إليه، أني داخلته في ذلك؛ فقبض عليّ، وامتحنني وحبسني، وذلك في ثامن عشر صفر، سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. ثم أطلق الأمير محمداً، وما زلت أنا في اعتقاله، إلى أن هلك. وخاطبتُه بين يدي مَهْلكه، مستعطفأ بقصيدة أولها:

على أي حال لليالي أعاتـــــب                     وأي صروف للزمان أغالب

كفى حزناً إني على القرب نــازحٌ                 وأني على دعوى شهُودي غائبُ

وأني على حكم الحوادث نـــازل                   تسالمني طوراً وطورأ تحـارب

ومنها في التشوق:

سلوتهم إلا ادكار معاهــــــد                         لها في الليالي الغابرات غرائبُ

وإنّ نسيم الريح منهم يشوقنـــي                 إليهم وتصبيني البُروق اللواعبُ

وهي طويلة، نحو مائتين بيتاً، ذهبت عن حفظي، فكان لها منه موّقع، وهَشَّ لها. وكان بتلمسان فوعَد بالإفراج عني عند حلوله بفاس، ولخمس ليال من حلوله طرقَه الوجع. وهلك لخمسَ عشرة ليلة، في رابع وعشرين ذي الحجّة، خاتم تسع وخمسين وسبعمائة. وبادر القائم بالدولة، الوزير الحسن بن عُمَر إلى إطلاق جماعة من المعتقلين، كنت فيهم، فخلع عليَّ، وحملني، وأعادني إلى ما كنتُ عليه. وطلبتُ منه الإنصراف إلى بلدي، فأبىَ عليَّ، وعاملني بوجوه كرامته، ومذاهب إحسانه، إلى أن اضطرب أمُره، وانتقض عليه بنو مرين، وكان ما قدَّمناه في أخبارهم.

الكتابة عن السلطان أبي سالم في السر والانشاء:

ولما أجاز السلطان أبو سالم من الأندلُس لطلب مُلكه، ونزَل بجبل الصَّفيحة من بلاد غُماره. وكان الخطيب ابن مرزوق بفاس، فبثَّ دعوته سراً، واستعان بي على أمره، بما كان بيني وبين أشياخ بني مرين من المحبَّة والائتلاف؛ فحملتُ الكثير منهم على ذلك، وأجابوني إليه، وأنا يومئذ أكتب عن القائم بأمر بني مرين منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، وقد نصبوه للملك، وحاصروا الوزير الحسن بن عُمر، وسلطانه السَّعيد ابن أبي عِنَان، بالبلد الجديد. فقصدني ابنُ مرزوق في ذلك، وأوصل إليَّ كتاب السلطان أبي سالم. بالحضّ على ذلك، وإجمال الوعد فيه. وألقى عليَّ حمله؛ فنهَضت به، وتقدّمتُ إلى شيوخ بني مرين، وأمراء الدولة بالتحريض على ذلك، حتى أجابوا، وبعث ابنُ مرزوق إلى الحسن بن عُمَر، يدعو إلى طاعة السلطان أبي سالم، وقد ضجر من الحصار؛ فبادر إلى الإجابة. واتفق رأي بَني مرين على الانفضاض عن منصور بن سُليمان، والدخول إلى البلد الجديد؛ فلما تمّ عقدُهم على ذلك نزعتُ إلى السلطان أبي سالم في طائفة من وجوه أهل الدولة، كان منهم محمد بن عثمان بن الكاس، المستبدّ بعد ذلك بمُلك المغرب على سلطانه، وكان ذلك النُّزوع مبدأ حظّه، وفاتحة رياسته، بسِعايتي له عند السلطان. فلما قدمِتُ على السلطان بالصَّفِيحة، بما عندي من أخبار الدولة، وما أجمعوا عليه من خَلْع منصور بن سليمان، وبالموعد الذي ضربوه لذلك، واستحثثته. فارتحل، ولقِيَنا البشيرُ بإجفال منصور بن سليمان، وفراره إلى نواح بادِس، ودخول بني مرين إلى البلد الجديد، وإظهار الحسن بن عُمر دَعوةَ السلطان أبي سالم. ثم لقِيَتنا، بالقصر الكبير، قبائلُ السلطان، وعساكرُه، على راياتهم، ووزيرُ منصور بن سليمان، وهو مسعود بن رَحُّو بن مَاسَايْ؛ فتلقّاه السلطان بالكرامة كما يجب له، واستوزره نائباً للحسن بن يوسف بن عليّ بن محمد الورتاجني السابق إلى وزارته، لقِيَه بسبتة، وقد غرّ به منصور بن سليمان إلى الأندلس، فاستوزره واستكفاه.

ولما اجتمعت العساكر عنده بالقصر، صَعِد إلى فاس. ولقيه الحسن بن عمر بظاهرها؛ فأعطاه طاعته، ودخل إلى دار ملكه وأنا في ركابه، لخمس عشرة ليلة من نزوعى إليه، منتصف شعبان سنة ستين وسبعمائة؛ فرعى لي السابقة، واستعملني في كتابة سرّه، والترسيل عنه، والإنشاء لمخاطباته، وكان أكثرها يصدر عني بالكلام المرسل، أن يشاركني أحد ممن ينتحل الكتابة في الاسجاع، لضعف انتحالها، وخفاء المعاني منها على أكثر الناس، بخلاف غير المرسل، فانفردت به يومئذ، وكان مستغرباً عند من هم  أهل الصناعة.

ثم أخذت نفسي بالشعر، وانثال عليّ منه بحور، توسطت بين الإجادة والقصور، وكان مما أنشدته إيّاه، ليلة المولد النبوي من سنة اثنتين وستين وسبعمائة:

أسرفن في هجري وفي تعذيبـــــي               وأطلن موقف عبرتي ونحيبي

وأبين يوم البين وقفة ساعـــــــة                  لوداع مشغوف الفؤاد كئيب

لله عهد الظاعنين وغـــــــادروا                      قلبي رهين صبابة ووجيب

غربت ركائبهم ودمعي سافــــــح                  فشرقت بعدهم بماء غروب

يا ناقعا بالعتب غلة شوقهـــــــم                   رحماك في عذلي وفي تأنيبي

يستعذب الصب الملام وإننــــــي                  ماء الملام لدي غير شروب

ما هاجني طرب ولا اعتاد الجــــوى               لو لا تذكر منزل وحبيب

أصبوا إلى أطلالٍ كانت مطلعـــــاً                   للبدر منهم أو كناس ربيب

عبثت بها أيدي البلى وتـــــرددت                  في عطفها للدهر أي خطوب

تبلى معاهدها وإن عهودهـــــــا                   ليجدها وصفي وحسن نسيبي

واذا الديار تعرضت لمتيــــــــم                       هزته ذكراها إلى التشبيب

إيه عن الصبر الجميل فإنـــــــه                     ألوى بدين فؤادي المنهوب

لم أنسها والدهر يثني صرفــــــه                  ويغض طرفي حاسد ورقيب

والدار مونقة محاسنها بمـــــــا                     لبست من الأيام كلى قشيب

يا سائق الأظعان يعتسف الفـــــلا                ويواصل الأسآد بالتأويب

متهافتاً عن رحل كل مذلـــــــل                     نشوان من أين ومس لغوب

تتجاذب النفحات فضل ردائــــــه                    في ملتقاها من صبا وجنوب

إن هام من ظمإ الصبابة ضحبـــــه                نهلوا بمورد دمعه المسكوب

أو تعترض مسراهم سدف الدجــــى              صدعوا الدجى بغرامه المشبوب

في كل شعب منية من دونهــــــا                  هجر الأماني أو لقاء شعوب

هلا عطفت صدورهن إلى التـــــي                فيها لبانة أعين وقلوب

فتؤم من أكناف يثرب مأمنـــــــاً                    يكفيك ما تخشاه من تثريب

حيث النبوة آيها مجلـــــــــوة                                    تتلو من الآثار كل غريب

سر عجيب لم يحجبه الثـــــــرى                   ما كان سر الله بالمحجوب

ومنها بعد تعديد معجزاته صلى الله عليه وسلم، والإطناب في مدحه:

إني دعوتك واثقاً بإجابتــــــي                         يا خير مدعو وخير مجيب

قصرت في مدحي فإن يك طيبـــاً                  فبما لذكرك من أريج الطيب

ماذا عسى يبغي المطيل وقد حــوى             في مدحك القرآن كل مطيب

يا هل تبلغني الليالـــــــي زورةً                    تدني إليّ الفوز بالمرغوب

أمحو خطيئاتي بإخلاصي بهــــــا                  وأحط  أوزاري وإصر ذنوبي

في فتية هجروا المنى وتعـــــودوا                 إنضاء كل نجيبة ونجيب

يطوي صحائف ليلهم نوق الفـــــلا                 ما شئت من خببٍ ومن تقريب

إن رنم الحادي بذكــــــرك رددوا                     أنفاس مشتاق إليك طروب

أو غرد الركب الخلي بطيبــــــة                     حنوا لمغناها حنين النيب

ورثوا اعتساف البيد عن آبائهـــــم                 إرث الخلافة في بني يعقوب

الظاعنون الخيل وهي عوابـــــس                  يغشى مثار النقع كل سبيب

والواهبين المقربات صوافنــــــاً                     من كل خوار العنان لعوب

والمانعين الجار حتى عرضــــــه                    في منتددى الاعداء غير معيب

تخشى بوادرهم ويرجى حلمهـــــم              والعز شيمة مرتجىً ومهيب

ومنها في ذكر إجازته البحر، واستيلائه على ملكه:

سائل به طامي العباب وقد ســــرى              تزجيه ريح العزم ذات هبوب

تهديه سهب أسنة وعزائــــــــم                    يصدعن ليلى الحادث المرهوب

حتى انجلت ظلم الضلال بسعيـــــه              وسطا الهدى بفريقها المغلوب

يابن الألى شادوا الخلافة بالتقـــــى             واستأثروك بتاجها المغصوب

جمعوا الحفظ الدين أفي مناقــــــبٍ               كرموا بها في مشهد ومغيب

لله مجدك طارفاً أو تالـــــــــداً                        فلقد شهدنا منهن كل عجيب

كم رهبة أو رغبة بك والعلـــــــى                  تقتاد بالترغيب والترهيب

لا زلت مسروراً بأشرف دولــــــة                    يبدو الهدى من أفقها المرقوب

تحمي المعالي غاديا أو رائحــــــاً                  وحديد سعدك ضامن المطلوب

ومن قصيدة خاطبته بها عند وصول هدية ملك السودان إليه، وفيها الحيوان الغريب المسمى بالزرافة:

قدحت يد الأشواق من زنــــــدي                   وهفت بقلبي زفرة الوجد

ونبذت سلواني على ثقـــــــــة                    بالقرب فاستبدلت بالبعد

ولرب وصل كنت آملـــــــــه                           فاعتضت منه بمؤلمٍ الصد

لا عهد عند الصبر اطلبــــــــه                       إن الغرام أضاع من عهدي

يلحى العدول فما أعنفـــــــــه                                  وأقول ضل فأبتغي رشدي|

وأعارض النفحات أسألهــــــــا                       برد الجوى فتزيد في الوقد

يهدى الغرام إلى مسالكهــــــــا                    لتعللي بضعيف ما تهدي

يا سائق الأظعان معتسفــــــــاً                    طي الفلاة لطية الوجد\

أرح الركاب ففي الصبا نبـــــــأً                       يغني عن المستنة الجرد

وسل الربوع برامة خبــــــــراً             عن ساكني نجد وعن نجد

مالي تلام على الهوى خلقـــــــي                وهي التي تأبى سوى الحمد

لأبيت إلا الرشد مذ وضحــــــت                     بالمستعين معالم الرشد

نعم الخليفة في هدى وتقـــــــى                 وبناء عز شامخ الطود

نجل السراة الغر شأنهـــــــــم                                  كسب العلى بمواهب الوجد

ومنها في ذكر خلوصي إليه، وما ارتكبته فيه:

لله مني إذ تأوبنـــــــــي                  ذكراه وهو بشاهق فرد

شهم يفل بواتراً قضبـــــــاً               وجموع أقيالٍ أولي أيد

أوريت زند العزم في طلبــــي           وقضيت حق المجد من قصدي

ووردت عن ظمأ مناهلــــــه             فرويت من عز ومن رفد

هي جنة المأوى لمن كلفـــــت        آماله بمطالب المجد

لو لم أغل بورد كوثرهــــــا               ما قلت هذي جنة الخلد

من مبلغ قومي ودونهـــــــم             قذف النوى وتنوفة البعد

أني أنفت على رجائهـــــــم                        وملكت عز جميعهم وحدي

ورقيمة الأعطاف حاليـــــــة              موشية بوشائح البرد

وحشية الأنساب ما أنســــــت                    في موحش البيداء بالقود

تسمو بجيد بالغ صعـــــــداً              شرف الصروح بغير ما جهد

طالت رءوس الشامخات بــــه          ولربما قصرت عن الوهد

قطعت إليك تنائفاً وصلـــــت             إسآدها بالنص والوخد

تخدي على استصعابها ذلــــلاً         وتبيت طوع القن والقد

بسعودك اللأتي ضمن لنـــــا                        طول الحياة بعيشه رغد

جاءتك في وفد الأحابــــش لا                       يرجون غيرك مكرم الوفد

وافوك أنضاء تقلبهـــــــم                  أندي السرى بالغور والنجد

كالطيف يستقري مضاجعــــه           أو كالحسام يسل من غمد

يثنون بالحسنى التي سبقــــت                  من غير إنكار ولا جحد

ويرون لحظك من ونادتهــــم             نخراً على الاتراك والهند

يامستعيناً جل في شـــــرف                        عن رتبة المنصور والمهدي

جازاك ربك عن خليقتـــــه               خير الجزاء فنعم ما يسدي

وبقيت للدنيا وساكنهــــــا               في عزةٍ أبداً وفي سعد

وأنشدته في سائر أيامه غير هاتين القصيدتين كثيراً، لم يحضرني الآن شيء منه.

ثم غلب ابن مرزوق على هواه، وانفرد بمخالطته، وكبح الشكائم عن قربه؛ فانقبضت، وقصرت الخطو، مع البقاء على ما كنت فيه من كتابة سره، وإنشاء مخاطباته ومراسمه.

ثم ولأني آخر الدولة “خطة المظالم “، فوفيتها حقها، ودفعت للكثير مما أرجو وثوابه. ولم يزل ابن مرزوق آخذاً في سعايته بي وبأمثالي من أهل الدولة، غيرة ومنافسة، لى أن انتقض الأمر على السلطان بسببه. وثار الوزير عمر بن عبد الله بدار المفك؛ فصار ليه الناس، ونبذوا السلطان وبيعته، وكان في ذلك هلاكه، على من ذكرناه في أخبارهم.

 ولما مقام الوزير ضر بالأمر، أقرني على ما كنت عليه، ووفر إقطاعي، وزاد في جرايتي؛ وكنت أسمو، بطغيان الشباب، إلى أرفع مما كنت فيه، وأدل في ذلك بسابقة مودة معه، منذ أيام السلطان أبي عنان، وصحابة استحكم عقدها بيني وبينه، وبين الأمير أبي عبد الله صاحب بجاية، فكان ثالث آثافينا، ومصقلة فكاهتنا. واشتدت غيرة سلطان لذلك كما مرّ، وسطا بنا، وتغافل عن غفر بن عبد الله لمكان أبيه من ثغر بجاية؛ ثم حملني الإدلال عليه أيام سلطانه، وما ارتكبه في حي من القصور بي عما أسمو إليه، إلى أن هجرته، وقعدت عن دار السلطان، مغاضباً له؛ فتنكل لي، وأقطعني جانباً من الأعراض؛ فطلبت الرحلة إلى بلدي بإفريقية. وكان بنو عبد الواد قد راجعوا ملكهم بتلمسان، والمغرب الأوسط، فمنعني من ذلك، أن يغتبط أبو حمّو صاحب تلمسان بمكاني، فأقيم عنده. ولج في المنع من ذلك، وأبيت أنا إلا الرحلة؛ واستجرت في ذلك برديفه وصديقا، الوزير مسعود بن رحو بن ماساي، ودخلت عليه يوم الفطر، سنة ثلاث وستين وسبعمائة. فأنشدته:

هنيئاً لصوم لاعداه قبـــــول                         وبشرى بعيد أنت فيه منيل

وهنئتها من عزة وسعـــــادة                                    تتابع أعوام بها وفصول

سقى الله دهراً أنص إنسان عينه                 ولا مس ربعاً في حمال محول

فعصرك ما بين الليالي مواسـم                    لها غرر وضاحة وحجول

وجانبك المأمول للجود مشـرع                     يحوم عليه عالم وجهول

عساك، وإن ضن الزمان منولي                    فرسم الأماني من سواك محيل

أجرني فليس الدهر لي بمسالـم                 إذا لم يكن لي في ذراك مقيل

وأوليتني الحسنى بما أنا آمــل                    فمثلك يؤلى راجياً وينيل

ووالله ما رمت الترحل عن قلى                     ولا سخطةً للعيش فهو جزيل

ولا رغبةً عن هذه الدار إنهــا                        لظل على هذا الأنام ظليل

ولكن نأى بالشعب عني حبائـب                  شجاهن خطب للفراق طويل

يهيج بهن الوجد أني نـــازح             وأن فؤادي حيث هن حلول|

عزيزعليهن الذي قد لقيتـــه                        وأن اغترابي في البلاد يطول

توارت بأنبائي البقاع كأننـــي                      تخطفت أو غالت ركابي غول

ذكرتك يا مغنى الأحبة والهـوى         فطارت لقلبي أنة وعويل

وحببت عن سوق رباك كأنمـــــــا                  يمثل لي نؤي بها وطلول

أحبابنا والعهد بيني وبينكـــــــــم                  كريم وما عهد الكريم يحول

إذا أنا لم ترض الحمّول مدامعــــــي               فلا قربتني للقاء حمّول

إلام مقامي حيث لم ترد العـــــــلا                 مرادي ولم تعط القياد ذلول

أجاذب فضل العمر يوماً وليلـــــةً                    وساء صباح بينها وأصيل

ويذهب بي ما بين يأس ومطمــــع                زمان بنيل المعلوات بخيل

تعللني عنه أمان خــــــــوادع                       ويؤنسني ليان منه مطول

أما لليالي لا ترد خطوبهـــــــا                       ففي كبدي من وقعهن فلول

يروعني من صرفها كل حــــادث                    تكاد له صم البلاد تزول

أداري على الرغم العدى لا لريبـــة                يصانع واشٍ خوفها وعذول

وأغدو بأشجاني عليلاً كأنمــــــا                    تجود بنفسي زفرة وغليل

وإنى وإن أصبحت في دار غربـــة                  تحيل الليالي سلوتي وتديل

وصدتني الأيام عن خير منـــــزل                   عهدت به أن لا يضام نزيل

لأعلم أن الخير والشر ينتهــــــي                  مداه وأن الله سوف يديل

وأني عزيز بابن ماساي مكثــــــر                   وإن هان أنصار وبان خليل

فأعانني الوزير مسعود عليه، حتى أذن لي في الانطلاق على شريطة العدول عن تلمسان، في أي مذهب أردت، فاخترت الأندلس، وصرفت ولدي وأمهم إلى أخوالهم، أولاد القائد محمد بن الحكيم بقسنطينة، فاتح أربع وستين وسبعمائة. وجعلت أنا طريقي على الأندلس، وكان سلطانها أبو عبد الله المخلوع، حين وفد على السلطان أبي سالم بفاس، وأقام عنده، حصلت لي معه سابقة وصلة ووسيلة خدمة، من جهة وزيره أبي عبد الله لن الخطيب، وما كان بيني وبينه من الصحابة، فكنت أقوم بخدمته، وأعتمل في قضاء حاجاته في الدولة. ولما أجاز، باستدعاء الطاغية لاسترجاع ملكه، حين فسد ما بين الطاغية وبين الرئيس المتوثب عليه بالأندلس من قرابته، خلفته فيما ترك من عياله وولده بفاس، خير خلف؛ في قضاء حاجاتهم، وإدرار أرزاقهم، من المتولين لها، والاستخدام لهم. ثم فسد ما بين الطاغية وبينه، قبل ظفره بملكه، برجوعه عما اشترطه له؛ من التجافي عن حصون المسلمين التي تملكها بأجلابه؛ ففارفي إلى بلد المسلمين، ونزلى بأسجة. وكتب إلى عمر بن عبد الله يطلب

مصراً ينزله، من أمصار الأندلس الغربية، التي كانت ركابا لملوك المغرب في جهادهم. وخاطبني أنا في ذلك، فكنت له نعم الوسيلة عند عمر، حتى تم قصده من ذلك. وتجافى عن رندة وأعمالها؛ فنزلها وتملكها، وكانت دار هجرته، وركاب فتحه؛ وملك منها الأندلس أواسط ثلاث وستين وسبعمائة، واستوحشت أنا من عمر، إثر ذلك كما مرّ. وارتحلت إليه، معولاً على سوابقي عنده، فغرب في المكافأة كما نذكر إن شاء الله تعالى.

الرحلة الى الاندلس:

ولما أجمعت الرحلة إلى الأندلس، بعثت بأهلي وولدي إلى أخوالهم بقسنطينة، وكتبت لهم إلى صاحبها السلطان أبي العباس، من حفدة السلطان أبي يحيى، وأني أمر على الأندلس، وأجيز إليه من هنالك. وسرت إلى سبتة فرضة المجاز، وكبيرها يومئذ الشريف أبو العباس أحمد بن الشريف الحسني، ذو النسب الواضح، السالم من الريبة عند كافة أهل المغرب؛ انتقل سلفه إلى سبتة من صقلية، وأكرمهم بنو العزفي أولاً وصاهروهم. ثم عظم صيتهم في البلد، فتنكروا لهم. وغربهم يحيى العزفي آخرهم إلى الجزيرة؛ فاعترضتهم مراكب النصارى في الزقاق؛ فأسروهم. وانتدب السلطان أبو سعيد إلى فديتهم، رعاية لشرفهم؛ فبعث إلى النصارى في ذلك فأجابوه. وفادى هذا الرجل وأباه على ثلاثة آلاف دينار، ورجعوا إلى سبتة. وانقرض بنو العزفي  ودولتهم، وهل والد الشريف، وصار هو إلى رياسة الشورى. ولما كانت واقعة القيروان، وخلع أبو عنان أباه، واستولى على المغرب، وكان بسبتة عبد الله بن علي الوزير، والياً من قبل السلطان أبي الحسن، فتمسك بدعوته، ومال أهل البلد إلى السلطان أبي عنان. وبث فيهم الشريف دعوته؛ فثاروا بالوزير وأخرجوه، ووفدوا على أبي عنان. وأمكنوه من بلدهم؛ فولى عليها من عظماء دولته سعيد بن موسى العجيسي؛ كافل تربيته في صغره. و أفرد هذا الشريف برياسة الشورى في سبتة؛ فلم يكن يقطع أمر دونه. ووفد على السلطان بعض الأيام، فتلقاه من الكرامة بما لا يشاركه فيه أحد من وفود الملوك والعظماء. ولم يزل على ذلك سائر أيام السلطان وبعد وفاته. وكان معظماً وقور المجلس، هش اللقاء، كريم الوفادة، متحلياً بالعلم والأدب، منتحلاً للشعر، غاية في الكرم وحسن العهد، وسذاجة النفس، ولما مررت به سنة أربع وستين وسبعمائة، أنزلني ببيته إزاء المسجد الجامع، وبلوت منه ما لا يقدر مثله من الملوك، وأركبني الحراقة ليلة سفري؛ يباشر دحرجتها إلى الماء بيده، إغراباً في الفضل والمساهمة. وحططت بجبل الفتح وهو يومئذ لصاحب المغرب. ثم خرجت منه إلى غرناطة، وكتبت إلى السلطان ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب بشأني. وليلة بت بقرب غرناطة على بريد منها، لقيني كتاب ابن الخطيب يهنئني بالقدوم ويؤنسني، ونصه:

حللت حلول الغيث بالبلد المحـــــل               على الطائر الميمون والرحب والسهل

يميناً بمن تعنو الوجوه لوجهــــــه                 من الشيخ والطفل المهدا والكهل

لقد نشأت عندي للقياك غبطــــــة               تنسي اغتباطي بالشبيبة والأهل

وودي لا يحتاج فيه لشاهــــــــد                    وتقريري المعلوم ضرب من الجهل

 أقسمت بمن حجت قريش لبيته، وقبر صرفت؛ أزمة الأحياء لميته، ونور ضربت الأمثال بمشكاته رزيته. لو خيرت أيها الحبيب الذي زيارته الأمنية السنية، والعارفة الوارفة، والمطيفة المطيفة، بين رجع الشباب يقطر ماء، ويرف نماء، ويغازل عيون الكواكب، فضلاً عن الكواعب، إشارة وإيماء، بحيث لا آلو في خط يلم بسياج لمته، أو بقدح ذباله في ظلمته، أو يقدم حواريه في ملته، من الأحابش وأفته، وزمانة روح وراح، ومغدىً في النعيم ومراح، وقصف صراح، ورقى وجراح، وانتخاب واقتراح، وصدور ما بها إلا انشراح، ومسرات تردفها أفراح؛ وبين قدومك خليع الرسن، ممتعاً  والحمد لله باليقظة والوسن، محكما في نسك الجنيد أو فتك الحسن، ممتعاً بظرف المعارف، مالئاً أكف الصيارف، ماحياً بأنوار البراهين شبه الزخارف لما اخترت الشباب وإن شاقني زمنه، وأعياني ثمنه، وأجرت سحاب دمعي دمنه. فالحمد لله الذي رقى جنون اغترابي، وملكبني أزمة آرابي، وغبطني بمائي وترابي، ومألف أترابي، وقد أغصني بلذيذ شرابي، ووقع على سطوره المعتبرة إضرابي. وعجلت هذه مغبطة بمناخ الماطية، منتهى الطية، وملتقى للسعود غير البطية، وتهني الآمال الوثيرة الوطية. فما شئت من نفوس عاطشة إلى ربك، متجملة بزيك، عاقلة خطاً مهريك؛ ومولى مكارمه نشيدة أمثالك، ومظان مثالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، وشمع فضل مجدك في التخلف عن الإصحار، لا، بل للقاء من وراء البحار، والسلام.

ثم أصبحت من الغد قادما على البلد، وذلك ثامن ربيع الأول عام أربعة وستين وسبعمائة، وقد اهتز السلطان لقدومي، وهيأ لي المنزل من قصوره، بفرشه وماعونه، وأركب خاضته للقائي، تحفياً وبراً، ومجازاة بالحسنى؛ ثم دخلت عليه فقابلني بما يناسب ذلك، وخلع علي وانصرفت. وخرج الوزير ابن الخطيب فشيعني إلى مكان نزلي؛ ثم نظمني في علية أهل مجلسه، واختصني بالنجي في خلوته، والمواكبة في ركوبه، والمواكلة والمطايبة والفكاهة في خلوات أنسه؛ وأقمت على ذلك عنده؛ وسفرت عنه سنة خمس وستين وسبعمائة إلى الطاغية ملك قشتالة يومئذ؛ بتره بن الهنشه بن أذفونش، لإتمام عقد الصلح ما بينه وبين ملوك العدوة، بهدية فاخرة، من ثياب الحرير، والجياد المقربات بمراكب الذهب الثقيلة؛ فلقيت الطاغية بإشبيلية، وعاينت آثار سلفي بها، وعاملني من الكرامة بما لا مزيد عليه، وأظهر الاغتباط بمكاني، وعلم أولية سلفنا بإشبيلية. وأثنى علي عنده طبيبه إبراهيم بن زرور اليهودي، المقدم في الطب والنجامة، وكان لقيني بمجلس السلطان أبي عنان، وقد استدعاه يستطبه، وهو يومئذ بدار ابن الأحمر بالأندلس. ثم نزع بعد مهلك رضوان القائم بدولتهم إلى الطاغية؛  فأقام عنده، ونظمه في أطبائه. فلما قدمت أنا عليه، أثنى علي عنده، فطلب الطاغية مني حينئذ المقام عنده، وأن يرد علي تراث سلفي بإشبيلية، وكان بيد زعماء دولته، فتفاديت من ذلك بما قبله. ولم يزل على اغتباطه إلى أن انصرفت عنه؛ فزودني وحملني، واختصني ببغلة فارهة، بمركب ثقيل ولجام ذهبيين، أهديتهما إلى السلطان، فأقطعني قرية إلبيرة من إراضي السقي بمرج غرناطة، وكتب بها منشورا كان نصه:

ثم حضرت المولد النبوي لخامسة قدومي، وكان يحتفل في الصنيع فيها والدعوة، وإنشاد الشعراء، اقتداء بملوك المغرب، فأنشدته ليلتئذ:

حي المعاهد كانت قبل تحيينـــــي               بواكف الدمع يرويها ويظميني

إن الألى نزحت داري ودارهـــــم                   تحملوا القلب في آثارهم دوني

وقفت أنشد صبراً ضاع بعدهـــــم                  فيهم وأسأل رسماً لا يناجيني

أمثل الربع من شوق فألثمــــــه                   وكيف والفكر يدنيه ويقصيني

وينهب الوجد مني كل لؤلــــــؤة                    ما زال قلبي عليها غير مأمون

سقت جفوني مغاني الربع بعدهــــم                        فالدمع وقف على أطلاله الجون

قد كان للقلب داعي الهوى شغــــل              لو لأن قلبي إلى السلوان يدعوني

أحبابنا هل لعهد الوصل مدكـــــر                   منكم وهل نسمة عنكم تحييني

ما لي وللطيف لا يعتاد زائـــــره                    وللنسيم عليلاً لا يداويني

يا أهل نجد وما نجد وساكنهــــــا                  حسناً سوى جبة الفردوس والعين

أعندكم أنني ما مرّ ذكركــــــــم                     إلا انثنيت كأن الراح تثنيني

أصبو إلى البرق من أنحاء أرضكـــم                شوقاً ولولاكم ما كان يصبيني

يا نازحاً والمنى تدنيه من خلـــــدي              حتى لأحسمه قرباً يناجيني

أسلى هواك فؤادي عن سواك ومــــا             سواك يوماً بحال عنك يسليني

ترى الليالي أنستك إدكاري يــــــا                 من لم تكن ذكره الأيام تنسيني

ومنها في وصف الايوان الذي بناه لجلوسه بين قصوره:

يا مصنعاً شيدت منه السعود حمــــىً                       لا يطرق الدهر مبناه بتوهين

صرح يحار لديه الطرف مفتتنـــــاً                   فيما يروقك من شكل وتلوين

بعداً لإيوان كسرى إن مشـــــورك                  السامي لأعظم من تلك الاواوين

ودع دمشق ومغناها عصـــــرك ذا                  أشهى إلى القلب من أبواب جيرون “

ومنها في التعريف بمنصرفي من العدوة:

من مبلغ عني الصحب الألى تركـــوا             ودي وضاع حماهم إذ أضاعوني

أني أويت من العليا إلى حــــــرم                  كادت مغانيه بالبشرى تحييني

وأنني ظاعناً لم ألق بعدهـــــــم                   دهرا أشاكي ولا خصماً يشاكيني

لا كالتي أخفرت عهدي ليالــــي إذ               أقلب الطرف بين الخوف والهون

سقياً ورعياً لأيامي التي ظفــــرت                يداي منها بحظ غير مغبون

ارتاد منها ملياً لا يماطلنـــــــي                    وعداً وارجو كريماً لا يعنينى

وهاك منها قواف طيها حكــــــم                    مثل الأزاهر في طي الرياحين

تلوح إن جليت درا وإن تليـــــت                     تثني عليك بأنفاس البساتين

عانيت منها بجهدي كل شـــــاردةٍ                 لولا سعودك ما كادت تواتين

يمانع الفكرعنها ما تقسمـــــــه                   من كل حزن بطي الصدر مكنون

لكن بسعدك ذلت لي شواردهـــــا                فرضت منها تجبير وتزيين

بقيت دهرك في أمن وفي دعـــــة                ودام ملكك في نصر وتمكين

وأنشدته سنة خمس وستين وسبعمائة في إعذار ولده، والصنيع الذي احتفل لهم فيه، ودعا إليه الجفلى من نواحي الأندلس، ولم يحضرني منها إلا ما أذكره:

صحا الشوق لولا عبرة ونحيــــب                   وذكرى تجد الوجد حين تثوب

وقلب أبى إلا الوفاء بعهـــــــده                      وإن نزحت دار وبان حبيب

ولته مني بعد حادثة النـــــــوى                    فؤاد لتذكار العهود طروب

يؤرقه طيف الخيال إذا ســـــرى                    وتذكي حشاه نفحة وهبوب

خليلي إلا تسعدا فدعا الأســــــى                فإني لما يدعو الأسى لمجيب

ألما على الأطلال يقض حقوقهــــا                 من الدمع فياض الشئون سكوب

ولا تعذلاني في البكاء فإنهــــــا                    حشاشة نفسي في الدموع تذوب

ومنها في تقدم ولده للأعذار من غير نكول:

فيمم منه الحفل لا متقاعــــس                               لخطب ولانكسر اللقاء هيوب

وراح كما راح الحسام من الوغى                  تروق حلاه والفرند خضيب

شواهد اهدتهن منك شمائـــل                                وخلق بصفو المجد منك مشوب

 ومنها في الثناء على ولديه:

هما النيران الطالعان على الهدى                 بآيات فتح شأنهن عجيب

شهابان في الهيجا غمامان في الندى                      تسح المعالي منهما وتصوب

يدان لبسط المكرمات نماهمــــا                   إلى المجد فياض اليدين وهوب

وأنشدته ليلة المولد الكريم من هذه السنة:

أبى الطيف أن يعتاد إلا توهمـــــاً                  فمن لي بأن ألقى الخيالى المسلما

وقد كنت استهديه لو كان نافعـــــي              وأستمطر الأجفان لو تنقع الظما

ولكن خيال كاذب وطماعـــــــة                      تعلل قلباً بالأماني متيما

أيا صاحبي نجواي والحب لوعــــة                 تبيح بشكواها الضمير المكتما

خذا لفؤادي العهد من نفس الصبــــا              وطي النقا والبان من اجرع الحمى

ألا صنع الشوق الذي هو صانـــــع                 فحبي مقيم أقصر الشوق أو سما

وإني ليدعوني السلو تعلــــــــلاً                   وتنهاني الأشجان أن أتقدما

لمن دمن اقفرن إلا هواتـــــــف                     ترد في اطلالهن الترنما

عرفت بها سيما الهوى وتنكـــــرت                 فعجبت على آياتها متوسما

وذو الشوق يعتاد الربوع دوارســــاً                 ويعرف آثار الديار توهما

تأؤبني والليل بيني وبينــــــــه                     وميض بأطراف الثنايا تضرما

أجد لي العهد القديم كأنــــــــه                    أشار بتذكار العهود فأفهما

عجبت لمرتاع الجوانح خافـــــق                    بكيت له خلف الدجى وتبسما

وبت أرويه كؤوس مدامعــــــي                      وبات يعاطيني الحديث عن الحمى

وصافحته عن رسم دار بذي الغضـى              لبست بها ثوب الشبيبة معلما

لعهدي بها تدني الظباء أو انســــا                 وتطلع في آفاقها الغيد أنجما

أحن إليها حيث سار بي الهــــوى                 وأنجد رحلي في البلاد وأنهما

ولما استقر، واطمأنت الدار، وكان من السلطان الاغتباط والاستئثار وكثر الحنين إلى الأهل والتذكار، أمر باستقدام أهلي من مطرح اغترابهم بقسنطينة، فبعث عنهم من جاء بهم إلى تلمسان. وأمر قائد الاسطول بالمرية؛ فسار لاجازتهم في اسطوله، واحتلوا بالمرية. واستأذنت السلطان في تلقيهم، وقدمت بهم على الحضرة، بعد أن هيأت لهم المنزل والبستان، ودمنة الفلح، وسائر ضرورات المعاش.

وكتب الوزير ابن الخطيب عندما قاربت الحضرة، وقد كتبت إليه استأذنه في القدوم، وما أعتمده في أحواله: سيدي، قدمت بالطير الميامين، على البلد الأمين، واستضفت الرفاء إلى البنين، ومتعت بطول السنين. وصلتني البراءة المعربة عن كثب اللقاء، ودنو المزار، وذهاب البعد، وقرب الدار؛ واستفهم سيدي عفا عندي في القدوم على المخدوم، والحق أن بتقدم سيدي إلى الباب الكريم، في الوقت الذي يجد المجلس الجمهوري لم يفض حجيجه، ولا صوح بهيجه، ويصل الأهل بعده إلى المحل الذي هيأته السعادة لاستقرارهم، واختاره اليمن قبل اختيارهم، والسلام.

ثم لم يلبث الأعداء وأهل السعايات أن حملوا الوزير ابن الخطيب من ملابستي للسلطان، واشتماله علي، وحركوا له جواد الغيرة فتنكر. وشممت منه رائحة الانقباض، مع استبداده بالدولة، وتحكمه في سائر أحوالها؛ وجاءتني كتب السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية، بأنه استولى عليها في رمضان خمس وستين وسبعمائة. واستدعاني إليه؛ فاستأذنت السلطان ابن الأحمر في الارتحال إليه. وعميت عليه شأن ابن الخطيب إبقاء لمودته؛ فارتمض لذلك، ولم يسعه إلا الإسعاف، فودع وزود، وكتب لي مرسوماً بالتشييع من إملاء الوزير ابن الخطيب نصه:

هذا ظهير كريم، تضمن تشييعاً وترفيعاً، وإكراماً وإعظاماً، وكان لعمل الصنيعة ختاماً، وعلى الذي أحسن تماماً، وأشاد للمعتمد به بالاغتباط الذي راق قساما وتوفر أقسامأ، وأعلن له بالقبول إن نوى بعد النوى رجوعاً أو آثر على الظعن المزمع مقاماً.

أمر به، وأمضى العمل بمقتضاه وحسبه، الأمير عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر، أيد الله أمره، وأعز نصره، وأعلى ذكره، للولي الجليس، الحظي المكين، المقرب الأود الأحب، الفقيه الجليل، الصدر الأوحد، الرئيس العلم، الفاضل الكامل، المرفع الأسمى، الأظهر الأرضى، الأخلص الأصفى، أبي زيد عبد الرحمن بن الشيخ الجليل، الحسيب الأصيل، الفقيه المرفع المعظم، الصدر الأوحد الأسنى، الأفضل الأكمل، الموقر المبرور، أبي يحيى أبي بكر، ابن الشيخ الجليل الكبير، الرفيع الماجد، القائد الحظي، المعظم الموقر، المبرور المرحوم، أبي عبد الله بن خلدون. وصل الله له أسباب السعادة، وبلغه من فضله أقصى الإرادة؛ أعلن بما عنده، أيده الله، من الاعتقاد الجميل في جانبه المرفع، وإن كان غنياً عن الإعلان. وأعرب عن معرفته بمقداره، في الحسبان العلماء الرؤساء الأعيان، وأشاد باتصال رضاه عن مقاصده البرة وشيمه الحسان، من لذن وفد بابه، وفادة العز الراسخ البنيان، وأقام المقام الذي عين له رفعة المكان، وإجلال الشان، إلى أن عزم على قصد وطنه، أبلغه الله ذلك في ظل اليمن والأمان، وكفالة الرحمن بعد الاغتباط المربى على الخبر بالعيان، والتمسك بجواره بجهد الإمكان، ثم قبول عذره بما جبلت الأنفس عليه من الحنين إلى المعاهد والأوطان. وبعد أن لم يذخر عنه كرامة رفيعة، ولم يحجب عنه وجه صنيعة، فولاه القيادة والسفارة، وأحله جليساً معتمداً بالإستشارة، وألبسه من الحظوة والتقريب أبهى الشارة، وجعل محله من حضرته مقصوداً بالمثل معنياً بالإشارة، ثم أصحبه تشييعاً يشهد بالضنانة بفراقه، ويجمع له بر الوجهة من جميع آفاقه، ويجعله بيده رتيمة خنصر، ووثيقة سامع أو مبصر؛ فمهما لوى أخدعه إلى هذه البلاد بعد قضاء وطره، وتمليه من نهمة سفره، أو نزع به حسن العهد وحنين الود، فصدر العناية به مشروح، وباب الرضا والقبول مفتوح، وما عهده من الحظوة والبر ممنوح. فما كان القصد في مثله من أمجاد الأولياء ليتحول، ولا الاعتقاد الكريم ليتبذل، ولا الأخير من الأحوال لينسخ الأول. على هذا فليطو ضميره، وليرد متى شاء نميره، ومن وقف عليه من القواد والأشياخ والخدام، برا وبحرا، على اختلاف الخطط والرتب، وتباين الأحوال والنسب، أن يعرفوا حق هذا الاعتقاد، في كل ما يحتاج إليه من تشييع ونزول؛ وإعانة وقبول، واعتناء موصول، إلى أن يكمل الغرض، ويؤدى من امتثال هذا الأمر الواجب المفترض، بحول الله وقوته.

وكتب في التاسع عشر من جمادى الأولى عام ستة وستين وسبعمائة .

وبعد التاريخ العلامة بخط السلطان، ونصها: “صح هذا”.

الرحلة من الاندلس إلي بجاية، وولاية الحجابة بها علي الاستبداد:

كانت بجاية ثغرا لإفريقية في دولة بني أبي حفص من الموحدين. ولما صار أمرهم للسلطان أبي بكر بن يحيى منهم، واستقل بملك أفريقية، ولى في ثغر بجاية إبنه الأمير أبا زكريا، وفي ثغر قسنطينة ابنه الأمير عبد الله. وكان بنو عبد الواد ملوك تلمسان والمغرب الأوسط، ينازعونه في أعماله، ويحمرون العساكر على بجاية، ويجلبون على قسنطينة، إلى أن تمسك السلطان أبو بكر بذمة من السلطان أبي الحسن، ملك المغرب الأقصى من بني مرين، وله الشفوف على سائر ملوكهم. وزحف السلطان أبو الحسن إلى تلمسان؛ فأخذ بمخنقها سنتين أو أزيد، وملكها عنوة، وقتل سلطانها أبا تاشفين، وذلك سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. وخف ما كان على الموحدين من إصر بني عبد الواد، واستقامت دولتهم. ثم هلك أبو عبد الله محمد ابن السلطان أبي يحيى بقسنطينة سنة أربعين وسبعمائة، وخلف سبعةً من الولد، كبيرهم أبو زيد عبد الرحمن، ثم أبو العباس أحمد، فولى الأمير أبا زيد مكان أبيه، في كفالة نبيل مولاهم. ثم توفي الأمير أبو زكريا ببجاية سنة ست وأربعين وسبعمائة، وخفف ثلاثة من الولد، كبيرهم أبو عبد الله محمد، وبعث السلطان أبو بكر ابنه الأمير أبا حفص عليها؛ فمال أهل بجاية إلى الأمير أبي عبد الله بن أبي زكريا، وانحرفوا عن الأمير عمر وأخرجوه. وبادر السلطان فرقع هذا الخرق، بولاية أبي عبد الله عليهم كما طلبوه. ثم توفي السلطان أبو بكر منتصف سبع وأربعين وسبعمائة وزحف أبو الحسن إلى أفريقية فملكها، ونقل الأمراء من بجاية وقسنطينة إلى المغرب. وأقطع لهم هنالك، إلى أن كانت حادثة القيروان، وخلع السلطان أبو عنان أباه. وارتحل من تلمسان، إلى فاس؛ فنقل معه هؤلاء الأمراء، أهل بجاية وقسنطينة، وخلطهم بنفسه، وبالغ في تكرمتهم. ثم صرفهم إلى ثغورهم: الأمير أبا عبد الله أولاً، وإخوته من تلمسان، وأبا زيد وإخوته من فاس، ليستبدوا بثغورهم، ويخذلوا الناس عن السلطان أبي الحسن؛ فوصلوا إلى بلادهم، وملكوها بعد أن كان الفضل ابن السلطان أبي بكر قد استولى عليها من يد بني مرين؛ فانتزعوها منه. واستقر أبو عبد الله ببجاية، حتى إذا هلك السلطان أبو الحسن بجبال المصامدة، وزحف أبو عنان إلى تلمسان سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة؛ فهزم ملوكها من بني عبد الواد، وأبادهم، ونزل المدية، وأطل على بجاية. وبادر الأمير أبو عبد الله للقائه، وشكا إليه ما يلقاه من زبون الجند والعرب، وقفة الجباية. وخرج له عن ثغر بجاية فملكها، وأنزل عماله بها. ونقل الأمير أبا عبد الله معه إلى المغرب؛ فلم يزل عنده في حفاية وكرامة. ولما قدمت على السلطان أبي عنان آخر خمس وخمسين وسبعمائة واستخلصني، نبضت عروق السوابق بين سلفي وسلف الأمير أبي عبد الله، واستدعاني للصحابة فأسرعت، وكان السلطان أبو عنان شديد الغيرة من مثل ذلك. ثم كثر المنافسون، ورفعوا إلى السلطان، وقد طرقه مرض أرجف له الناس؛ فرفعوا له أن الأمير أبا عبد الله اعتزم على الفرار إلى بجاية، وأني عاقدته على ذلك، على أن يوليني حجابته؛ فانبعث لها السلطان، وسطا بنا، واعتقلني نحواً من سنتين إلى أن هلك. وجاء السلطان أبو سالم، واستولى على المغرب، ووليت كتابة سره. ثم نهض إلى تلمسان، وملكها من يد بني عبد الواد، وأخرج منها أبا حمّو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن، ثم اعتزم على الرجوع إلى فاس، وولى على تلمسان أبا زيان محمد بن أبي سعيد عثمان ابن السلطان أبي تاشفين، وأمده بالأموال والعساكر من أهل وطنه، ليدافع أبا حمّو عن تلمسان، ويكون خالصة له. وكان الأمير أبو عبد الله صاحب بجاية معه كما ذكرناه.، والأمير أبو العباس صاحب قسنطينة، بعد أن كان بنو مرين حاصروا أخاه أبا زيد بقسنطينة أعواماً تباعاً.

ثم خرج لبعض مذاهبه إلى بونة، وترك أخاه أبا العباس بها؛ فخلعه، واستبد بالأمر دونه. وخرج إلى العساكر المحمرة عليها من بني مرين؛ فهزمهم، وأثخن فيهم. ونهض السلطان إليه من فاس، سنة ثمان وخمسين وسبعمائة؛ فتبرأ منه أهل البلد وأسلموه؛ فبعثه إلى سبتة في البحر، واعتقله بها، حتى إذا ملك السلطان أبو سالم سبتة عند إجازته من الأندلس سنة ستين، أطلقه من الاعتقال، وصحبه إلى دار ملكه، ووعده برد بلده عليه.

فلما ولى أبا زيان على تلمسان، أشار عليه خاضته ونصحاؤه، بأن يبعث هؤلاء الموحدين إلى ثغورهم: فبعث أبا عبد الله إلى بجاية، وقد كان ملكها عمه أبو إسحق صاحب تونس، ومكفول بن تافراكين من يد بني مرين؛ وبعث أبا العباس إلى قسنطينة، وبها زعيم من زعماء بني مرين. وكتب إليه السلطان أبو سالم أن يفرج له عنها، فملكها لوقته. وسار الأمير أبو عبد الله إلى بجاية، فطال إجلابه عليها، ومعاودته حصارها. ولج أهلها في الامتناع منه مع السلطان أبي إسحق. وقد كان لي المقام المحمّود في بعث هؤلاء الأمراء إلى بلادهم. وتوليت كبر ذلك مع خاصة السلطان أبي سالم وكبار أهل مجلسه، حتى تم القصد من ذلك. وكتب لي الأمير أبو عبد الله بخطه عهدا بولاية الحجابة متى حصل على سلطانه؛ ومعنى الحجابة- في دولنا بالمغرب- الإستقلال بالدولة، والوساطة بين السلطان وبين أهل دولته، لا يشاركه في ذلك أحد. وكان لي أخ  إسمه يحيى أصغر مني، فبعثته مع الأمير أبي عبد الله حافظاً للرسم، ورجعت مع السلطان إلى فاس. ثم كان ما قدمته من انصرافي إلى الأندلس والمقام بها، إلى أن تنكر الوزير ابن الخطيب، وأظلم الجو بيني وبينه.

وبينا نحن في ذلك، وصل الخبر باستيلاء الأمير أبي عبد الله على بجاية من يد عمه، في رمضان سنة خمس وستين وسبعمائة؛ وكتب لي الأمير أبو عبد الله يستقدمني، فاعتزمت على ذلك، ونكر السلطان أبو عبد الله بن الأحمر ذلك مني، لا يظنه لسوى ذلك، إذ لم يطلع على ما كان بيني وبين الوزير ابن الخطيب، فأمضيت العزم، ووقع منه الإسعاف، والبر والألطاف. وركبت البحر من ساحل المرية، منتصف ست وستين وسبعمائة. ونزلت بجاية لخامسة من الإقلاع، فاحتفل السلطان صاحب بجاية لقدومي، وأركب أهل دولته للقائي. وتهافت أهل البلد علي من كل أوب يمسحون أعطافي، ويقبلون يدي، وكان يوماً مشهوداً.

ثم وصلت إلى السلطان فحيا وفدى، وخلع وحمل؛ وأصبحت من الغد، وقد أمر السلطان أهل الدولة بمباكرة بابي، واستقلت بحمل ملكه، واستفرغت جهدي في سياسة أموره وتدبير سلطانه، وقدمني للخطابة بجامع القصبة، وأنا مع ذلك، عاكف بعد انصرافي من تدبير الملك غدوةً- إلى تدريس العلم أثناء النهار بجامع القصبة لا أنفك عن ذلك.

ووجدت بينه وبين ابن عمه السلطان أبي العباس صاحب قسنطينة فتنة، أحدثتها المشاحة في حدود الأعمال من الرعايا والعمال، وشب نار هذه الفتنة عرب أوطانهم من الزواودة من رياح، تنفيقاً لسوق الزبون يمترون به أموالهم. وكانوا في كل سنة يجمع بعضهم لبعض؛ فالتقوا سنة ست وستين وسبعمائة بفرجيوة، وانقسم العرب عليهما. وكان يعقوب بن علي مع السلطان أبي العباس؛ فانهزم السلطان أبو عبد الله، ورجع إلى بجاية مفلولاً، بعد أن كنت جمعت له أموالاً كثيرة أنفق جميعها في العرب. ولما رجع أعوزته النفقة؛ فخرجت بنفسي إلى قبائل البربر بجبال بجاية المتمنعين من المغارم منذ سنين؛ فدخلت بلادهم واستبحت حماهم، وأخذت رهنهم على الطاعة، حتى استوفيت منهم الجباية، وكان لنا في ذلك مدد وإعانة؛ ثم بعث صاحب تلمسان إلى السلطان أبي عبد الله يطلب منه الصهر؛ فأسعفه بذلك ليصل يده به على ابن عمه، وزوجه ابنته؛ ثم نهض السلطان أبو العباس سنة سبع وستين وسبعمائة، وجاس أوطان بجاية، وكاتب أهل البلد، وكانوا وجلين من السلطان أبي عبد الله، بما كان يرهف الحد لهم، ويشد وطأته عليهم؛ فأجابوه إلى الانحراف عنه. وخرج السلطان أبو عبد الله يروم مدافعته، ونزل جبل ليزو معتصماً به؛ فبيته السلطان أبو العباس في عساكره وجموع الأعراب من أولاد محمد بن رياح بمكانه ذلك، بإغراء ابن صخر وقبائل سدويكش. وكبسه في مخيمه وركض هارباً، فلحقه وقتله، وسار إلى البلد بمواعده أهلها. وجاءني الخبر بذلك، وأنا مقيم بقصبة السلطان وقصوره، وطلب مني جماعة من أهل البلد القيام بالأمر، والبيعة لبعض الصبيان من أبناء السلطان؛ فتفاديت من ذلك؛ وخرجت إلى السلطان أبي العباس، فأكرمني وحباني، وأمكنته من بلده، وأجرى أحوالي كلها على معهودها. وكثرت السعاية عنده في، والتحذير من مكاني. وشعرت بذلك؛ فطلبت الإذن في الانصراف بعهد كان منه في ذلك؛ فأذن لي بعدلأي؛ وخرجت إلى العرب، ونزلت على يعقوب بن عليّ. ثم بدا للسلطان في أمري، وقبض على أخي، واعتقله ببونة. وكبس بيوتنا يظن بها ذخيرة وأموالاً، فأخفق ظنه. ثم ارتحلت من أحياء يعقوب بن عليّ، وقصدت بسكرة، لصحابة بيني وبين شيخها أحمد بن يوسف بن مزني، وبين أبيه؛ وساهم في الحادث بماله وتجاهه والله أعلم.

مشايعة أبي حمّو صاب تلمسان:

كان السلطان أبو حمّو قد التحم ما بينه وبين السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية بالصهر في إبنته، وكانت عنده بتلمسان. فلما بلغه مقتل أبيها، واستيلاء السلطان أبي العباس ابن عمه صاحب قسنطينة على بجاية، أظهر الامتعاض لذلك. وكان أهل بجاية قد توجسوا الخيفة من سلطانهم، بإرهاف حده، وشده سطوته؛ فانحرفوا عنه باطناً، وكاتبوا ابن عمه بقسنطينة كما ذكرناه.

ودشوا للسلطان أبي حمّو بمثلها يرجون الخلاص من صاحبهم بأحدهما. فلما استولى السلطان أبو العباس، وقتل ابن عمه، رأوا أن جرحهم قد اندمل، وحاجتهم قد قضيت، فاعصوصبوا عليه؛ وأظهر السلطان أبو حمّو الامتعاض للواقعة يسر منها  حسواً في ارتغاء، ويجعله ذريعة للاستيلاء على بجاية، بما كان يرى نفسه كفؤها بعده وعديده، وما سلف من قومه في حصارها؛ فسار من تلمسان يجر الشوك والمدر، حتى خيم بالرشة من ساحتها، ومعه أحياء زغبة بجموعهم وظعائنهم، من لدن تلمسان، إلى بلاد حصين، من بني عامر، وبني يعقوب، وسويد، والديالم والعطاف، وحصين.

وانحجر أبو العباس بالبلد في شرذمة من الجند، أعجله السلطان أبو حمّو عن استيعاب الحشد، ودافع أهل البلد أحسن الدفاع. وبعث السلطان أبو العباس عن أبي زيان ابن السلطان أبي سعيد عم أبي حمّو من قسنطينة، كان معتقلاً بها، وأمر مولاه وقائد عسكره بشيراً أن يخرج معه في العساكر، وساروا حتى نزلوا بني عبد الجبار قبالة معسكر أبي حمّو، وكانت رجالات زغبة قد وجموا من السلطان، وأبلغهم النذير أنه إن ملك بجاية اعتقلهم بها؛ فراسلوا أبا زيان، وركبوا إليه، واعتقدوا معه. وخرج رجل البلد بعض الأيام من أعلى الحصن، ودفعوا شرذمة كانت مجمرة إزاءهم؛ فاقتلعوا خباءهم. وأسهلوا من تلك العقبة إلى بسيط الرشة. وعاينهم العرب بأقصى مكانهم من المعسكر فأجفلوا، وتتابع الناس في الانجفال حتى أفردوا السلطان في مخيمه، فحمل رواحله وسار، وكضت الطرق بزحامهم. وتراكموا بعض على بعض، فهلك منهم عوالم.

وأخذهم سكان الجبال من البربر بالنهب من كل ناحية، وقد غشيهم الليل؛ فتركوا أزودتهم ورحالهم. وخلص السلطان ومن خلص منهم بعد عصب الريق، وأصبحوا على منجاة. وقذفت بهم الطرق من كل ناحية إلى تلمسان؛ وكان السلطان أبو حمّو قد بلغه خروجي من بجاية، وما أحدثه السلطان بعدي في أخي وأهلي ومخففي؛ فكتب إلي يستقدمني قبل هذه الواقعة. وكانت الأمور قد اشتبهت؛ فتفاديت بالأعذار، وأقمت بأحياء يعقوب بن علي، ثم ارتحلت إلى بسكرة؛ فأقمت بها عند أميرها أحمد بن يوسف بن مزنى. فلما وصل السلطان أبو حمّو إلى تلمسان، وقد جزع للواقعة، أخذ في استئلاف قبائل رياح، ليجلب بهم مع عساكره على أوطان بجاية؛ وخاطبني في ذلك لقرب عهدي باستتباعهم، وملك زمامهم، ورأى أن يعول عليّ في ذلك، واستدعاني لحجابته وعلامته، وكتب بخطه مدرجة في الكتاب نصها:

” الحمد لله على ما أنعم، والشكر لله على ما وهب، ليعلم الفقيه المكرم أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، حفظه الله، على أنك تصل إلى مقامنا الكريم، لما اختصصناكم به من الرتبة المنيعة، والمنزلة الرفيعة، وهو قلم خلافتنا، والانتظام في سلك أوليائنا، أعلمناكم بذلك. وكتب بخط يده عبد الله، المتوكل على الله، موسى بن يوسف لطف الله به وخار له “.

وبعده بخط الكاتب ما نصه: بتاريخ السابع عشر من رجب الفرد الذي من عام تسع وستين وسبعمائة عرفنا الله خيره. ونص الكتاب الذي هذه فدرجته، وهو بخط الكاتب: “أكرمكم الله يا فقيه أبا زيد، ووالى رعايتكم. إنا قد ثبت عندنا، وجمح لدينا ما انطويتم عليه من المحبة في مقامنا، والانقطاع إلى جنابنا، والتشيع قديماً وحديثاً لنا، مع ما نعلمه من محاسن اشتملت عليها أوصافكم، ومعارف فقتم فيها نظراءكم، ورسوخ قدم في الفنون العلمية والاداب العربية.

وكانت خطة الحجابة ببابنا العلي- أسماه الله- أكبر درجات أمثالكم؛ وأرفع الخطط لنظرائكم؛ قربا منا، واختصاصاً بمقامنا، واطلاعا على خفايا أسرارنا. آثرناكم بها إيثاراً، وقدمناكم لها اصطفاءً واختياراً؛ فاعملوا على الوصول إلى بابنا العليّ أسماه

الله، لما لكم فيه من التنويه، والقدر النبيه، حاجباً لعليّ بابنا، ومستودعاً لأسرارنا، وصاحب الكريمة علامتنا، إلى ما يشاكل ذلك من الأنعام العميم، والخير الجسيم، والاعتناء والتكريم. لا يشارككم مشارك في ذلك ولا يزاحمكم أحد، وإن وجد من أمثالك فاعلموه، وعولوا عليه، والله تعالى يتولاكم، ويصل سراءكم، ويوالي احتفاءكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته “.

وتأدت إلي هذه الكتب السلطانية على يد سفير من وزرائه، جاء إلى أشياخ الزواودة في هذا الغرض؛ فقمت له في ذلك أحسن مقام، وشايعته أحسن مشايعة، وحملتهم على إجابة داعي السلطان، والبدار إلى خدمته. وانحرف كبراؤهم عن خدمة السلطان أبي العباس إلى خدمته، والاعتمال في مذاهبه، واستقام غرضه من ذلك؛ وكان أخي يحيى قد خلص من اعتقاله ببونة، وقدم علي ببسكرة، فبعثته إلي السلطان أبي حمّو كالنائب عني في الوظيفة، متفادياً عن تجشم أهوالها، بما كنت نزعت عن غواية الرتب. وطال علي إغفال العلم؛ فأعرضت عن الخوض في أحوال الملوك، وبعثت الهمة على المطالعة والتدريس؛ فوصل إليه الأخ، فاستكفى به في ذلك، ودفعه إليه. ووصلني مع هذه الكتب السلطانية كتاب رسالة من الوزير أبي عبد الله بن الخطيب

من غرناطة يتشوق إلي، وتأدى إلى تلمسان على يد سفراء السلطان ابن الأحمر؛ فبعث إلي به من هنالك ونصه:

بنفسي وما نفسي علي بهينــــــة              فينزلني عنها المكاس بأثمان

حبيب نأى عيني وصم لأنتــــــي                  وراش سهام البين عمداً فأصماني

وقد كان هم الشيب لا كان كائيــــاً                فقد ادني لما ترحل همان

شرعت له من دمع ععيني مـــوارداً              فكذر شربي بالفراق وأظماني

وأرعيته من حسن عهدي جميمــــه             فأجدب آمالي وأوحش أزماني

حلفت على ما عنده لي من رضـــى                        قياساً بما عندي فأحنث أيماني

وإني على ما نالني منه من قلــــى             لأشتاق من لقياه نغبة ظمآن

سألت جنوني فيه تقريب عرســــه               فقست بجن الشوق جن سليمان

إذا ما دعا داع من القوم بإسمــــه                وثبت وما استثبت شيمة هيمان

وتالله ما أصغيت فيه لعــــــاذل                      تحاميته حتى ارعوى وتحاماني

ولا استشعرت نفسي برحمــــــة                 عابد تظلل يوماً مثله عبد رحمان

ولا شعرت من قبله بتشـــــــوقٍ                   تخلل منها بين روح وجثمان

 أما الشوق فحدث عن البحر ولا حرج، وأما الصبر فاسأل به أية درج، بعد لأن تجاوز اللوى والمنعرج، لكن الشدة تعشق الفرج، والمؤمن ينشق من روح الله الأرج؛ وأنى بالصبر على إبر الدبر، لا. بل الضرب الهبر، ومطاولة اليوم والشهر، تحت حكم  القهر؛ ومن للعين إن تسلو سلو المقصر، عن إنسانها المبصر، أو نذهل ذهول الزاهد، عن سرها الرائي والمشاهد، وفي الجسد بضعة يصلح إذا صلحت، فكيف حاله إن رحلت عنه وإن نزحت؛ وإذا كان الفراق، هو الحمام الأول، فعلام المعول، أعيت مراوضة الفراق، عمل الراق، وكادت لوعة الإشتياق، إن تفضي إلى السياق:

تركتموني بعد تشييعكـــــــــم                      أوسع أمر الصبر عصيانا

اقرع سني ندما تــــــــــارةً              واستميح الدمع أحيانا

وربما تعللت بغشيان المعاهد الخالية، وجددت رسوم الأسى بمباكرة الرسوم البالية، اسأل نون النؤى عن أهليه، وميم الموقد المهجور عن مصطليه، وثاء الأثافي المثلثة عن منازل الموحدين، وأحار وبين تلك الأطلال حيرة الملحدين، لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين؛ كلفت لعمر الله بسال عن جفوني المؤرقة، ونائم عن همومي المتجمعة والمتفرقة. ظعن عن ملال، لا متبرماً منا بشر خلال، وكدر الوصل بعد صفائه، وضرج النصل بعد عهد وفائه:

أقل اشتياقا أيها القلب إنمـــــــا                    رأيتك تصفي الود من ليس جازيا

 فها أنا أبكي عليه بدم أساله، وأندب في ربع الفراق آسى له، وأشكو إليه حال قلب صدعه، وأودعه من الوجد ما أودعه، لما خدعه، ثم قلاه وودعه، وأنشق رياه أنف ارتياح قد جدعه، وأستعديه على ظلم ابتدعه.

خليلي، فيما عشتما هل رأيتمـــــا               قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي

 فلولا عسى الرجاء ولعله، لا بل شفاعة المحل الذي حله، لنشرت ألوية العتب، وبثثت كتائبها، كمناء في شعاب الكتب، تهز من الألفات رماحا خزر الأسنة وتوتر من النونات أمثال القسي المرنة وتقود من مجموع الطرس، النقس بلقاً تردي في الأعنة،

ولكنه آوى إلى الحرم الأمين، وتفيأ ظلال الجوار المؤمن من معرة الغوار عن الشمال واليمين، حرم الحلال المزنية، والظلال اليزنية؛ والهمم السنية، والشيم التي لا ترضى بالدون ولا بالدنية، حيث الرفد الممنوح، والطير الميامين يزجر لها السنوح والمثوى الذي إليه، مهما تقارع الكرام على الضيفان، حول جوابي الجفان فهو الجنوح:

نسب كأن عليه من شمس الضحى         نوراً ومن فلق الصباح عموداً

 ومن حل بتلك المثابة فقد اطمأن جنبه، وتغمد بالعفو ذنبه( ولله در القائل):

فوحقه لقد انتدبت لوصفه            بالبخل لولا أن حمصاً داره

بلد متى أذكره تهتج لوعتي        وإذا قدحت الزند طار شراره

اللهم غفرا، وأين قراره النخيل، من مثوى الأقلف البخيل، ومكذبة المخيل؛ واين

ثانية هجر، من متبوا من ألحد وفجر:

من أنكر غيثا منشؤه              في الأرض ينوء بمخلفها

فبنان بني مزني مزن               تنهل بلطف مصرفها

مزن مذحل ببسكرة                 يوما نطقت بمصحفها

شكرت حتى بعبارتها                 وبمعناها وبأحرفها

ضحكت بأبي العباس من ال             أيام ثنايا زخرفها

وتنكرت الدنيا حتى                عرفت منه بمعرفها

بل نقول: يا محل الولد، “لا أقسم بهذا البلد، وأنت حل بهذا البلد”، لقد حل بينك عرى الجلد، وخلد الشوق بعدك يا بن خلدون في الصميم من الخلد؛ فحيا الله زمانا شفيت في قربك زمانته، واجتلت في صدف مجدك جمانته، وقضيت في مرعى خلتك لبانته؛ وأهلاً بروض أظلت شباب معارفك بانته؛ فحمائمه بعدك تنذب، فيساعدها الجندب، ونواسمه ترق فتتغاشى، وعشياته تتخافت وتتلاشى، وأدواحه في ارتباك، وحمائمه في مأتم ذي اشتباك؛ كان لم تكن قمر هالات قبابه، ولم يكن أنسك شارع بابه، إلى صفوة الظرف ولبابه، ولم يسبح إنسان عينك في ماء شبابه؛ فلهفي عليك من درة اختلستها يد النوى، ومطل بردها الدهر ولوى، ونعق الغراب ببينها في ربوع الهوى، ونطق بالزجر فما نطق عن الهوى؛ وبأي شيء يعتاض منك ايتها الرياض، بعد أن طما نهرك الفياض، وفهقت الحياض؛ ولا كان الشاني المشنوء والجرب المهنوء؛ من قطع ليل أغار على الصبح فاحتمل، وشارك في الأمر الناقة والجمل، واستأثر جنحه ببدر النادي لما كمل؛ نشر الشراع فراع، وواصل الإسراع، فكأنما هو تمساح النيل ضايق الأحباب في البرهة، واختطف لهم من الشط نزهة العين وعين النزهة؛ ولجج بها والعيون تنظر، والغمر عن الاتباع يحظر؛ فلم يقدر إلا على الأسف، والتماح الاثر المنتسف والرجوع بملء العيبة من الخيبة، ووقر الجسرة من الحسرة إنما نشكو إلى الله البث والحزن، ونستمطر من عبراتنا المزن، وبسيف الرجاء نصول، وإذا أشرعت لليأس أسنة ونصول:

ما أقدر الله أن يدني على شحطٍ          من داره الحزن ممن داره صول

 فإن كان كلم الفراق رغيبا، لما نويت مغيباً، وجللت الوقت الهني تشغيباً، فلعل الملتقى يكون قريبا، وحديثه يروى صحيحاً غريباً. إيه سيدي ! كيف حاذ تلك الشمائل، المزهرة الخمائل، والشيم، الهامية الديم؟ هل يمر ببالها من راعت بالبعد باله، وأخمدت بعاصف البين ذباله؟ أو ترثي لشئون شأنها سكب لا يفتر، وشوق يبت حبال الصبر ويبتر، وضنى تقصر عن حفله الفاقعة صنعاء وتستر، والأمر أعظم والله يستر؛ وما الذي يضيرك، صين من لفح السموم نضيرك، بعد أن أضرمت وأشعلت، وأوقدت وجعلت، وفعلت فعلتك التي فعلت، أن تترفق بذماء، أو ترد بنغبة ماء، أرماق ظماء، وتتعاهد المعاهد بتحية يشم عليها شذا أنفاسك، أو تنظر إلينا على البعد بمقلة حوراء من بياض قرطاسك، وسواد أنقاسك، فرتما قنعت الأنفس المحبة بخيال زور، وتعللت بنوال منزور، ورضيت، لما لم تصد العنقاء، بزرزور:

يا من ترحل والرياح لأجله         يشتاق إن هبت شذا رياها

تحيا النفوس إذا بعثت تحيةً    وإذا عزمت اقرأ “ومن أحياها”

 ولئن أحييت بها فيما شلف نفوسا تفديك، والله إلى الخير أيهديك، فنحن نقول معشر مواديك: ” ثني ولا تجعليها بيضة لديك “؛ وعذراً فإني لم اجترىء على خطابك بالفقر الفقيرة، وأدللت لدى حجراتك برفع العقيرة، عن نشاط بعثت مرموسه، ولا اغتباط بالأدب تغري بسياسته سوسة، وانبساط أوحى إلي على الفترة ناموسه؛ وإنما هو اتفاق جرته نفثة المصدور وهناء الجرب المجدور؛ وإن تعلل به مخارق، فثم قياس فارق، أو لحن غنى به بعد البعد مخارق؛ والذي هيأ هذا القدر وسببه، وسفل المكروه إلي منه ؛حببه. ما اقتضاه الصنو يحيى مد الله حياته، وحرس من الحوادث ذاته، من خطاب ارتشف به لهذه القريحة بلالتها، بعد أن رضي علالتها، ورشح إلى الصهر ألحضرمي سلالتها؛ فلم يسع إلا إسعافه، بما أعافه؛ فأمليت مجيباً، ما لا يعذ في يوم الرهان نجيباً، وأسمعته وجيباً لما ساجلت بهذه الترهات سحراً عجيباً؛ حتى إذا ألف القلم العريان سبحه، وجمح برذون الغزارة فلم أطق كبحه، لم أفق من غمرة غلوه وموقف متلوه، إلا وقد تحيز إلى فئتك، معتزاً بل معتراً، واستقبلها ضاحكاً مفتراً، وهشق لها براً، وإن كان من الخجل مصفراً؛ وليس بأول من هجر، في التماس والوصل مضن هجر أو بعث التمر إلى هجر؛ وافي نسب بيني اليوم وبين زخرف الكلام، وإجالة جياد الأقلام، في محاورة الأعلام؛ بعد أن حال الجريض، دون القريض، وشغل المريض عن التعريض؛ وغلب حتى الكسل، ونصلت الشعرات البيض كأنها الأسل؛ تروع برقط الحيات، سرب الحياة، وتطرق بذوات الغرر والشيات، عند البيات؛ والشيب الموت العاجل، وإذا ابيض زرع صبحته المناجل، والمعتبر الاجل؛ وإذا اشتغل الشيخ بغير معاده، حكم في الظاهر بابعاده وأسره في ملكة عادة؛ فاغص ابقاك الله وأسمح، لمن قصر عن المطمح، وبالعين الكليلة فالمح؛ واغتنم لباس ثوب الثواب، واشف بعض الجوى بالجواب.

تولاك الله فيما استضفت وملكت، ولا بعدت ولا هلكت، وكان لك آية سلكت؛ ووسمك في السعادة بأوضح السمات، وأتاح لقاءك من قبل الممات؛ والسلام الكريم يعتمد حلال ولدي، وساكن خلدي، بل أخي وإن اتقيت عتبه وسيدي، ورحمة الله وبركاته، من محبه المشتاق إليه محمد بن عبد الله بن الخطيب، في الرابع عشر من شهر ربيع الثاني، من عام سبعين وسبعمائة.

وكان تقدم منه قبل هذه الرسالة كتاب آخر الي، بعث به إلى تلمسان، فتأخر وصوله، حتى بعث به الأخ يحيى عند وفادته على السلطان، ونمق الكتاب:

يا سيدي إجلالا واعتدادا، وأخي ودا واعتقاداً، ومحل ولدي شفقةً سكنت مني فؤاداً. طال علي انقطاع أنبائك، واختفاء أخبارك؛ فرجوت أن أبلغ النية هذا المكتوب إليك، وتخترق به الموانع دونك، وإن كنت في موالاتك كالعاطش الذي لا يروى، والاكل الذي لا يشبع، شأن من تجاوز الحدود الطبيعية، والعوائد المألوفة؛ فأنا الآن بعد إنهاء التحية المطلولة الروض بماء الدموع، وتقرير الشوق اللزيم، وشكوى البعاد الأليم، وسؤال إتاحة القرب قبل الفوت من الله ميسر العسير، ومقرب البعيد، أسأل عن أحوالك سؤال أبعد الناس مجالاً في مجال الخلوص لك، وأشدهم حرصاً على اتصال سعادتك؛ وقد اتصل بي في هذه الأيام ما جرى به القدر من تنويع الحال لديك، واستقرارك ببسكرة محل الغبطة بك، باللجأ إلى تلك الرياسة الزكية، الكريمة الأب، الشهيرة الفضل، المعروفة القدر على البعد؛ حرسها الله ملجأً للفضلاء، ومخيماً لرجال العلياء، ومهبا لطيب الثناء، بحوله وقوته؛ وما كل وقت تتاح فيه السلامة؛ فاحمدوا الله على الخلاص، وقاربوا في معاملة الامال، وضنوا بتلك الذات الفاضلة عن المشاق، وأبخلوا بها عن المتالف، فمطلوب الحريص على الدنيا خسيس، والموانع الحافة جمة، والحاصل حسرة، وبأقل السعي تحصل حالة العافية، والعاقل لا يستنكحه الاستغراق فيما آخره الموت، إنما ينال منه الضروري؛ ومثلك لا يعجزه مع التماس العافية أضعاف ما يزجي به العمر من المأكل والمشرب، وحسبنا الله.

وإن تشوفت لحال المحب تلك السيادة الفذة، والبنوة البرة؛ فالحال الحال، من جعل الزمام بيد القدر، والسير في مهيع الغفلة، والسبح في تيار الشواغل؛ ومن وراء الأمور غيب محجوب، وأمل مكتوب، نؤمل فيه عادة الستر من الله؛ إلا أن الضجر الذي تعلمونه، حفظه اليأس لما عجزت الحيلة، وأعوز المناص وسدت المذاهب؛ والشأن اليوم شأن الناس فيما يقرب من الاعتدال.

وفيما يرجع إلى السلطان تولاه الله، على أضعاف ما باشر سيدي من الاغياء في البر ووصل سبب الإلتحام، والاشتمال، مع الاستقلال، وما ينتجه متعود الظهور، والحمد لله.

وفيما يرجع إلى الأحباب والأولاد، فعلى ما علمت؛ إلا إن الشوق يخامر القلوب، وتصور اللقاء مما يزهد في الوطن وحاضر النعم. سنى الله ذلك على أفضل حال، ويسره قبل الارتحال، من دار المحال. وفيما يرجع إلى الوطن؛ فأحلام النائم خصباً، وهدنة وظهوراً على العدو؛ وحسبك بافتتاح حصن آشر، وبرغه القاطعة بين بلاد الاسلام، ووبذة، والعارين وبيغه وحصن السهلة، في عام؛ ثم دخل بلد إطريرة بنت إشبيلية عنوة، والاستيلاء على ما يناهز خمسة آلاف من السبي؛ ثم فتح دار الملك، ولدة قرطبة: مدينة جيان عنوة في اليوم الأغر المحجل، وقتل المقاتلة، وسبي الذرية، وتعفية الآثار حتى لا يلم بها العمران؛ ثم افتتاح مدينة أبدة التي تلص جيان في ملاءتها: دار التجر، والرفاهية، والبنآت الحافلة، والنعم الثرة؛ نسأل الله جل وعلا أن يصل عوائد نصره، ولا يقطع عنا سبب رحمته، وإن ينفع بما أعان عليه من السعي في ذلك والإعانة عليه.

ولم يتزيد من الحوادث إلا ما علمتم؛ من أخذ الله لنسمة السوء، وخبث الأرض، المسلوب من أثر الخير: عمر بن عبد الله، وتحكم شر الميتة في نفسه، وإتيان النكال على حاشيته، والاستئصال على ذاته؛ والاضطراب مستولٍ على الوطن بعده؛ إلا أن الغرب على علاته لا يرجحه غيره.

والأندلس اليوم شيخ غزاتها الأمير عبد الرحمن بن علي ابن السلطان أبي عليّ، بعد وفاة الشيخ أبي الحسن: علي بن بدر الدين رحمه الله. وقد استقر بها بعد انصراف سيدي الأمير المذكور، والوزير مسعود بن رخو وعمر بن عثمان بن سليمان. والسلطان ملك النصارى بطره، قد عاد إلى ملكة بإشبيلية، وأخوه مجلب عليه بقشتالة، وقرطبة مخالفة عليه، قائمة بطائفة من كبار النصارى الخائفين على أنفسهم، داعين لأخيه؛ والمسلمون قد اغتنموا هبوب هذه الريح. وخرق الله لهم عوائد في باب الطهور والخير، لم تكن تخطر في الامال. وقد تلقب السلطان أيده الله بعقب هذه المكيفات، بـ ” الغنى بالله ” وصدرت عنه مخاطبات، بمجمل الفتوح ومفصلها، يعظم الحرص على إيصالها إلى تلك الفضائل لو أمكن.

وأما ما برجع إلى ما يتشوف إليه ذلك الكمال من شغل الوقت؛ فصدرت تقاييد، وتصانيف، يقال فيها بعدما أعتملت تلك السيادة من الانصراف يا إبراهيم، ولا ابراهيم اليوم.

منها: أن كتاباً رفع إلى السلطان في المحبة، من تصنيف ابن أبي حجلة من المشارقة، أشار الأصحاب بمعارضته، فعارضته، وجعلت الموضوع أشرف، وهو محبة الله؛ فجاء كتاباً أدعى الأصحاب غرابته. وقد وجه إلى المشرق صحبة كتاب: “تاريخ غرناطة”، وغيره من تآليفي. وتعرف تحبيسه بخانقاه سعيد السعداء من مصر؛ وانتال الناس عليه، وهو في لطافة الأغراض، متكلف الإغراض المشارقة. من ملحه:

سلمت لمصرفي الهوى من بلد             يهديه هواؤه لدى استنشاقه

من ينكر دعواي فقل عني له              تكفي امرأة العزيز من عشاقه؟

 والله يرزق الإعانة في انتساخه وتوجيهه. وصدر عني جزء سميته: “الغيرة على

أهل الحيرة” وجزء سميته: “حمل الجمهور على السنن المشهور”. والأكباب على اختصار كتاب “التاج ” للجوهري، ورد حجمه إلى مقدار الخمس، مع حفظ ترتبيه السهل؛ والله المعين على مشغلة تقطع بها هذه البرهة القريبة البداءة من التتمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والمطلوب المثابرة على تعريف يصل من تلك السيادة والبنوة؛ إذ لا يتعذر وجود قافل من حج، أو لاحقٍ بتلمسان. يبعثها السيد الشريف منها؛ فالنفس شديدة التعطش، والقلوب قد بلغت- من الشوق والاستطلإع- الحناجر. والله أسأل أن يصون في البعد وديعتي منك لديه، ويلبسك العافية، ويخلصك وإياي من الورطة، ويحملنا أجمعين على الجادة، ويختم لنا بالسعادة. والسلام الكريم عوداً على بدء ورحمة الله وبركاته، من المحب المتشوق، الذاكر الداعي، ابن الخطيب. في الثاني من جمادى الأولى من عام تسعة وستين وسبعمائة. انتهى.

(فأجبته) عن هذه المخاطبات، وتفاديت من السجع خشية القصور عن مساجلته، فلم يكن شأوه يلحق. ونمق الجواب: سيدي مجداً وعلواً، وواحدي ذخراً مرجواً، ومحل والدي براً وحنواً. ما زال الشوق مذ نأت بي وبك الدار، واستحكم بيننا البعاد يرعي سمعي أنباءك، ويخيل إلي من أيدي الرياح تناول رسائلك، حتى ورد كتابك العزيز على استطلاع، وعهدٍ غير مضاع، وود ذي أجناس وأنواع؛ فنشر بقلبي ميت السلو، وحشر أنواع المسرات، وقد للقائك زناد الأمل؛ ومن الله أسأل الإمتاع بك قبل الفوت على ما يرضيك، ويسني أماني وأمانيك. وحييته تحية الهائم، لمواقع الغمائم، والمدلج، للصباح المتبلج وأمل على مقترح الأولياء، خصوصاً فيك؛ من اطمئنان الحال، وحسن القرار، وذهاب الهواجس، وسكون النفرة؛ وعموماً في الدولة، من رسوخ القدم، وهبوب ريح النصر، والظهور على عدو الله، باسترجاع الحصون التى استنقذوها في اعتلال الدولة، وتخريب المعاقل التي هي قواعد النصرانية؛ غربية لا تثبت إلا في الحلم، وآية من آيات الله. وإن خبيئة هذا الفتح في طي العصور السابقة، إلى هذه المدة الكريمة، لدليل على عناية الله بتلك الذات الشريفة، حين ظهرت على يدها خوارق العادة، وما تجدد آخر الأيام من معجزات الملة؛ وكمل فيها والحمد لله بحسن التدبير، ويمن النقيبة، من حميد الأثر، وخالد الذكر، طراز في حلة الخلافة النصرية، وتاج في مفرق الوزارة. كتبها الله لكم فيما يرضاه من عباده.

ووقفت عليه الأشراف من أهل هذا القطر المحروس؛ وأذعته في الملأ سروراً بعز الإسلام، واظهاراً لنغمة الله، واستطراداً لذكر الدولة المولوية بما تستحقه من طيب الثناء، والتماس الدعاء، والحديث بنعمتها، والإشادة بفضلها على الدولة السالفة والخالفة وتقدمها، فانشرحت الصدور حباء وامتلأت القلوب إجلالاً وتعظيماً، وحسنت الآثار اعتقاداً ودعاءً.

وكان كتاب سيدي لشرف تلك الدولة عنوانا، ولما عساه يستعجم من لغتي في مناقبها ترجماناً، زاده الله من فضله، وأمتع المسلمين ببقائه. وبثثته شكوى الغريب، من السوق المزعج، والحيرة التي تكاد تذهب بالنفس أسفاً، للتجافي عن مهاد الأمن، والتقويض عن دار العز، بين المولى المنعم، والسيد الكريم، والبلد الطيب، والإخوان البرة؛(ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ). وان تشوفت السيادة الكريمة إلى الحال، فعلى ما علمتم، سيراً مع الأمل، ومغالبة للأيام على الحظ، وإقطاعا للغفلة جانب العمر:

هل نافعي والجد في صبب            مديً مع الآمال في صعد

رجع الله بنا إليه. ولعل في عظتكم النافعة، شفاء هذا الداء العياء إن شاء الله؛ على أن لطف الله مصاحب، وجوار هذه الرياسة المزنية وحسبك بها علمية عصمة وافية صرفت وجه القصد إلى ذخيرتي التي كنت أعتدها منهم كما علمتم، على حين تفاقم الخطب، وتلون الدهر، والإفلات من مظان النكبة، وقد رتعت حولها؛ بعد ما جرته الحادثة بمهلك السلطان المرحوم على يد ابن عمه، قريعه في الملك، وقسيمه في النسب؛ والتياث الجاه، وتغير السلطان، واعتقال الأخ المخلف، واليأس منه، لولا تكييف الله في نجائه، والعيث بعده في المنزل والولد، واغتصاب الضياع المقتناة ص بقايا ما متعت به الدولة النصرية- أبقاها الله- من النعمة؛ فآوى إلى الوكر، وساهم في الحادث، وأشرك في الجاه والمال، وأعان على نوائب الدهر، وطلب الوتر، حتى رأى الدهر مكاني، وأمل الملوك استخلاصي، وتجاوزوا في إتحافي. والله المخلص من عقال الامال، والمرشد إلى نبذ هذه الحظوظ المورطة.

وأنبأني سيدي بما صدر عنه من التصانيف الغريبة، والرسائل البليغة، في هذه الفتوحات الجليلة، وبودي لو وقع الاتحاف بها أو بعضها، فلقد عاودني الندم على ما فرطت. وأما أخبار هذا القطر فلا زيادة على ما علمتم؛ من استقرار السلطان أبي إسحق ابن السلطان أبي يحيى بتونس مستبدا بأمره بالحضرة بعد مهلك شيخ الموحدين أبي محمد بن تافراكين القائم بأمره، رحمة الله عليه؛ مضايقاً في جبابة الوطن، وأحكامه بالعرب المستظهرين بدعوته، مصانعاً لهم بوفره على أمان الرعايا والسابلة، لو أمكن حسن السياسة جهد الوقت؛ ومن انتظام بجاية محل دولتنا في أمر صاحب قسنطينة وبونة غلاباً كما علمتم، محملا الدولة بصرامته وقوة شكيمته فوق طوقها، من الاستبداد والضرب على أيدي المستغلين من الأعراب، منتقض الطاعة أكثر أوقاته لذلك، إلا ما شمل البلاد من تغلب العرب، ونقص الأرض من الأطراف والوسط، وخمود ذبال الدول في كل جهة؛ وكل بداية فإلى تمام.

وأما أخبار المغرب الأقصى والأدنى فلديكم طلعه، وأما المشرق فأخباز الحاج هذه السنة من اختلاله، وانتقاض سلطانه، وانتزاء الجفاة على كرسية، وفساد المصانع والسقايات المعدة لوفد الله وحاج بيته، ما يسخن العين ويطيل البث، حتى لزعموا أد الهيعة اتصلت بالقاهرة أياماً، وكثر الهرج في طرقاتها وأسواقها، لما وقع بين أسندمر المتغلب بعد يلبغا الخاسكي، وبين سلطانه ظاهر القلعة، من الجولة التي كانت دائرتها عليه، أجلت عن زهاء الخمسمائة قتلى، من حاشية وموالي يلبغا؛ وتقبض على الباقين، فأودع منهم السجون، وصلب الكثير، وقتل سندمر في محبسه، وألقي زمام الدولة بيد كبير من موالي السلطان، فقام بها مستبداً، وقادها مستقلاً؛ وبيد الله تصاريف الأمور، ومظاهر الغيوب، جل وعلاً.

ورغبتي من سيدي أبقاه الله أن لا يغب خطابه عني، متى أمكن، يصل بذلك مننه الجمة، وأن يقبل عني أقدام تلك الذات المولوية، ويعرفه بما عندي من التشيع لسلطانه، والشكر لنعمته، وأن ينهوا عني لحاشيته وأهل اختصاصه، التحية، المختلسة من أنفاس الرياض، كبيرهم وصغيرهم.

وقد تأدى مني إلى حضرته الكريمة خطاب على يد الحاج نافع سلمه الله تناوله من الأخ يحيى عند لقائه إياه بتلمسان، بحضرة السلطان أبي حمّو أيده الله فربما يصل، وسيدي يوضح من ثنائي ودعائي ما عجز عنه الكتاب. والله يبقيكم ذخراً للمسلمين، وملاذاً للاملين بفضله. والسلام عليكم وعلى من لاذ بكم من السادة الأولاد المناجيب، والأهل والحاشية والأصحاب، من المحب فيكم، المعتد بكم شيعة فضلكم، ابن خلدون؛ ورحمة الله وبركاته.

عنوانه: سيدي وعمادي، ورب الصنائع والأيادي، والفضائل الكريمة الخواتم والمبادي، إمام ا أمة، علم الأئمة، تاج الملة، فخر العلماء الجلة، عماد الإسلام، مصطفى الملوك الكرام، نكتة الدول، كافل الإمامة، تاج الدول، أثير الله، ولي أمير المسلمين الغني بالله أيده الله الوزير أبو عبد الله بن الخطيب، أبقاه الله، وتولى عن المسلمين جزاءه. وكتب إلي من غرناطة: يا سيدي وولي، وأخي ومحل ولدي ! كان الله لكم حيث كنتم، ولا أعدمكم لطفه وعنايته. لو كان مستقركم بحيث يتأتى لي إليه ترديد رسول، أو إيفاد متطلع، أو توجيه نائب، لرجعت على نفسي باللائمة في إغفال حقكم؛ ولكن العذر ما علمتم؛ واحمدوا الله على الاستقرار في كهف ذلك الفاضل الذي وسعكم كنفه.وشملكم فضله شكر الله حسبه الذي لم يخلف، وشهرته التي لم تكذب.وإني اغتنمت سفر هذا الشيخ، وافد الحرمين بمجموع الفتوح، في إيصال كتابي هذا، وبودي لو وقفتم على ما لديه من البضاعة التي أنتم رئيسها وصدرها، فيكون لكم في ذلك بعض أنس، وربما تأدى ذلك في بعضه مما لم يختم عليه، وظاهر الأمور نحيل علية في تعريفكم بها، وأما البواطن فمما لا يتأتى كثرة وضنانة، وأخص، بالصاد، ما أظن تشوفكم إليه حالي. فاعملوا أني قد بلغ بي الماء الزبى، واستولى علي سؤ المزاح المنحرف، وتوالت الأمراض، وأعوز العلاج، لبقاء السبب، والعجز عن دفعه. وهي هذه المداخلة جعل الله العاقبة فيها إلى خير؛ ولم أترك وجهاً من وجوه الحيلة إلا بذلته. فما أغنى ذلك عني شيئاً، ولولا أنني بعدكم شغلت الفكر بهذر التأليف، مع الزهد. وبغد العهد. وعدم الإلماع بمطالعة الكتب. لم يتمش حالي من طريق فساد الفكر إلى هذا الحد؛ وآخر ما صدر عني كناش سميته باستنزال اللطف الموجود، في أشر الوجود أمليته في هذه الأيام التي أقيم بها رسم النيابة عن السلطان في سفره إلى الجهاد. بوذى لو وقفتم عليه. وعلى كتابي في المحبة؛ وعسى الله أن ييسر ذلك.

ومع هذا كله. والله ما قصرت في الحرص على إيصال مكتوب إليكم. إما من جهة أخيكم؛ أو من جهة السيد الشريف أبي عبد الله. حتى من المغرب إذا سمعت الركب يتوخه منه فلا أدري هل بلغكم شيء من ذلك أم لا. والأحوال كلها على تركتموها عليه. وأحبابكم بخير. على ما علمتم من الشوق والتشوف والارتماض لمفارقتكم. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والله يحفظكم. ويكون لكم. ويتولى أموركم؛ والسلام عليكم ورحمة الله. من المحب الواحش الشيخ ابن الخطيب. في غرة ربيع الثاني من عام إحدى وسبعين وسبعمائة.

وبباطنه مدرجة نصها: سيدي رضي الله عنكم. استقر بتلمسان. في سبيل تقلب ومطاوعة مزاج تعرفونه صاحبنا المقدم في صنعة الطب أبو عبد الله الشقوري. فإن اتصل بكم فأعينوه على يقف عليه اختياره وهذا لا يحتاج معه إلى مثلكم. عنوانه:- سيدي ومحل أخي. الفقيه الجليل. الصدر الكبير المعظم. الرئيس الحاجب. العالم الفاضل الوزير ابن خلدون. وصل الله سعده. وحرس مجده. بمنه

وإنما طولت بذكر هذه المخاطبات. وإن كانت فيما يظهر. خارجة عن غرض الكتاب. لأن فيها كثيراً من أخباري. وشرح حالي. فيستوفي ذلك منها من يتشوف إليه من المطالعين للكتاب.

ثم إن السلطان أبا حمّو لم يزل معتملاً في الاجلاب على بجاية. واستئلاف قبائل رياح لذلك. ومعولا على مشايعتي فيه. ووصل يده مع ذلك بالسلطان أبي إسحق ابن السلطان أبي بكر صاحب تونس من بني أبي حفص، لما كان بينه وبين أبي العباس صاحب بجاية وقسنطينة، وهو ابن أخيه، من العداوة التي تقتضيها مقاسمة النسب والملك، وكان يوفد رسله عليه في كل وقت، ويمرون بي، وأنا ببسكرة، فأؤكد الوصلة بمخاطبة كل منهما؛ وكان أبو زيان ابن عم السلطان أبي حمّو بعد إجفاله عن بجاية، واختلال معسكره، قد سار في أثره إلى تلمسان، وأجلب على نواحيها، فلم يظفر بشيء، وعاد إلى بلاد حصين، فأقام بينهم، واشتملوا عليه، ونجم النفاق في سائر أعمال المغرب الأوسط، واختلف أحياء زغبة على السلطان، وانتبذ الكثير عنه إلى القفر. ولم يزل يستألفهم حتى اجتمع له الكثير منهم؛ فخرج في عساكره في منتصف تسع وستين وسبعمائة إلى حصين وأبي زيان، واعتصموا بجبل تيطري، وبعث إلي في استنفار الزواودة للأخذ بحجزتهم من جهة الصحراء، وكتب يستدعي اشياخهم: يعقوب بن علي كبير أولاد محمد، وعثمان بن يوسف كبير أولاد سباع بن يحيى. وكتب إلى ابن مزنى قعيدة وطنهم بإمدادهم في ذلك، فأمدهم؛ وسرنا مغربين إليه، حتى نزلنا القطفا بتل تيطري، وقد أحاط السلطان به من جانب التل، على أنه إذا فرغ من شأنهم سار معنا إلى بجاية وبلغ الخبر إلى صاحب بجاية أبي العباس؛ فاستألف من بقي من قبائل رياح، وعسكر بطرف ثنية القصاب المفضية إلى المسيلة. وبينما نحن على ذلك اجتمع المخالفون من زغبة: وهم خالد بن عامر كبير بني عامر وأولاد عريف كبراء سويد، ونهضوا إلينا بمكاننا من القطفا؛ فأجفلت أحياء الزواودة، وتأخرنا إلى المسيلة، ثم إلى الزاب. وسارت زغبة إلى تيطري، واجتمعوا مع أبي زيان وحصين، وهجموا على معسكر السلطان أبي حمّو ففلوه ورجع منهزماً إلى تلمسان. ولم يزل من بعد ذلك على استئلاف زعبة ورياح يؤمل الظفر بوطنه وابن عمه، والكرة على بجاية عاماً فعاماً، وأنا على حال في مشايعته، وإيلاف ما بينه وبين الزواودة، والسلطان أبي إسحق صاحب تونس، وابنه خالد من بعده. ثم دخلت زغبة نجي طاعته، واجتمعوا على خدمته، ونهض من تلمسان لشفاء نفسه من حصين وبجاية، وذلك. في أخريات إحدى وسبعين وسبعمائة؛ فوفدت عليه بطائفة من الزواودة أولاد عثمان بن يوسف بن سليمان لنشارف أحواله، ونطالعه بما يرسم لهم في خدمته، فلقيناه بالبطحاء. وضرب لنا موعداً بالجزائر، انصرف به العرب إلى أهليهم، وتخففت بعدهم لقضاء بعض الأغراض واللحاق بهم، وصليت به عيد الفطر على البطحاء، وخطبت به، وأنشدته عند انصرافه من المصفى أهنيه بالعيد، وأحرضه:

هذي الديار فحيهن صباحا             وقف المطايا بينهن طلاحا

لا تسأل الأطلال إن لم تروها          عبرات عينك واكفاً ممتاحا

فلقد أخذن على جفونك موثقا           أن لا يرين مع البعاد شحاحا

إيه عن الحي الجميع وربما           طرب الفؤاد لذكرهم فارتاحا

ومنازل للظاعنين استعجمت         حزنا وكانت بالسرور فصاحا

وهي طويلة، ولم يبق في حفظي منها إلا هذا.

وبينما نحن في ذلك، بلغ الخبر بأن السلطان عبد العزيز صاحب المغرب الأقصى من بني مرين، قد استولى على جبل عامر بن محمد الهنتاتي بمراكش، وكان آخذا بمخنقه منذ حول. وساقه إلى فاس فقتله بالعذاب، وإنه عازم على النهوض إلى تلمسان، لما سلف من السلطان أبي حمّو أثناء حصار السلطان عبد العزيز لعامر في جبلة، من الأجلاب على ثغور المغرب؛ ولحين وصول هذا الخبر؛ أضرب السلطان أبو حمّو عن ذلك الشأن الذي كان فيه، وكر راجعاً إلى تلمسان. وأخذ في أسباب الخروج إلى الصحراء، مع شيعة بني عامر من أحياء زغبة، فاستألف، وجمع، وشد الرحال، وقضى عيد الأضحى؛ وطلبت منه الإذن في الانصراف إلى الأندلس، لتعذر الوجهة إلى بلاد رياح، وقد أظلم الجو بالفتنة، وانقطعت السبل؛ فأذن لي، وحملني رسالة فيما بينه وبين. السلطان ابن الأحمر. وانصرفت إلى المرسى بهنين؛ وجاءه الخبر بنزول صاحب المغرب تازا في عساكره؛ فأجفل بعدي من تلمسان، ذاهباً إلى الصحراء عن طريق البطحاء. وتعذر علي ركوب البحر من هنين فأقصرت، وتأدى الخبر إلى السلطان عبد العزيز بأني مقيم بهنين، وإن معي وديعة احتملتها إلى صاحب بالأندلس، تخيل ذلك بعض الغواة، فكتب إلى السلطان عبد العزيز فأنفذ من وقته سرية من تازا تعترضني لاسترجاع تلك الوديعة، واستمر هو إلى تلمسان؛ ووافتني السرية بهنين وكشفوا الخبر فلم يقفوا على صحته، وحملوني إلى السلطان، فلقيته قريباً من تلمسان، واستكشفني عن ذلك الخبر، فأعلمته بيقينه. وعنفنى على مفارقة دارهم، فاعتذرت له بما كان من عمر بن عبد الله المستبد عليهم، وشهد لي كبير مجلسه، وولي أبيه وابن وليه: ونزمار بن عريف، ووزيره عمر بن مسعود بن منديل بن حمامة؛ واحتفت الألطاف. وسألني في ذلك المجلس عن أمر بجاية، وأفهمني أنه يروم تملكها؛ فهونت عليه السبيل إلى ذلك، فسر به؛ وأقمت تلك الليلة في الاعتقال. ثم أطلقني من الغد، فعمدت إلى رباط الشيخ الولي أبي مدين، ونزلت بجواره مؤثراً لذ؛ خلي والانقطاع للعلم لو تركت له.

مشايعة السلطان عبد العزيز صاب المغرب علي بني عبد الواد:

ولما دخل السلطان عبد العزيز تلمسان، واستولى عليها، وبلغ خبره إلى أبي حمّو وهو بالبطحاء، فأجفل من هنالك، وخرج في قومه وشيعته من بني عامر، ذاهباً إلى بلاد رياح؛ فسرح السلطان وزيره أبا بكر بن غازي في العساكر لاتباعه. وجمه عليه أحياء زغبة والمعقل باستئلاف وليه ونزمار وتدبيره؛ ثم أعمل السلطان نظره ورأى أن يقدمني أمامه إلى بلاد رياح لأوطد أمره، وأحملهم على مناصرته، وشفاء نفسه من عدوه بما كان السلطان آنس مني من استتباع رياح، وتصريفهم فيما أريده من مذاهب الطاعة. فاستدعاني من خلوتي بالعباد عند رباط الولي أبي مدين. وأنا قد أخذت في تدريس العلم، واعتزمت على الانقطاع؛ فانسني، وقربني، ودعاني إلى ما ذهب إليه من ذلك؛ فلم يسعني إلا إجابته. وخلع علي، وحملني؛ وكتب إلى شيوخ الزواودة بامتثال ما ألقيه إليهم من أوامره. وكتب إلى يعقوب بن علي، وابن مزنى بمساعدتي على ذلك، وأن يحاولوا على استخلاص أبي حمّو من بين أحياء بني عامر، ويحولوه إلى حي يعقوب بن علي؛ فودعته وانصرفت في عاشوراء إثنين وسبعين وسبعمائة، فلحقت الوزير في عساكره وأحياء العرب من المعقل وزغبة على البطحاء. ولقيته، ودفعت إليه كتاب السلطان، وتقدمت أمامه. وشيعني ونزمار يومئذ، وأوصاني بأخيه محمد. وقد كان أبو حمّو قبض عليه عندما أحس منهم بالخلاف، وأنهم يرومون الرحلة إلى المغرب. وأخرجه معه من تلمسان مقيداً، واحتمله في معسكره؛ فأكد علي ونزمار يومئذ في المحاولة على استخلاصه بما أمكن. وبعث معي ابن أخيه عيسى في جماعة من سويد يبذرق بي ويتقدم إلى أحياء حصين بإخراج أبي زيان من بينهم؛ فسرنا جميعاً، وانتهينا إلى أحياء حصين. وأخبرهم فرح بن عيسى بوصية عمه ونزمار إليهم، فنبذوا إلى أبي زيان عهده، وبعثوا معه منهم من أوصله إلى بلاد رياح. ونزل على أولاد يحيى بن علي بن سباع، وتوغلوا به في القفر، واستمريت أنا ذاهباً إلى بلاد رياح؛ فلما انتهيت إلى المسيلة ألفيت السلطان أبا حمّو وأحياء رياح معسكرين قريباً منها في وطن أولاد سباع بن يحيى من الزواودة، وقد تساتلوا إليه، وبذل فيهم العطاء ليجتمعوا إليه. فلما سمعوا بمكاني بالمسيلة، جاؤوا إلي فحملتهم على طاعة السلطان عبد العزيز، وأوفدت أعيانهم وشيوخهم على الوزير أبي بكر بن غازي، فلقوه ببلاد الديالم عند نهر واصل؛ فآتوه طاعتهم، ودعوه إلى دخول بلادهم في اتباع عدوه. ونهض معهم، وتقدمت أنا من المسيلة إلى بسكرة، فلقيت بها يعقوب بن علي. واتفق هو وابن مزنى على طاعة السلطان، وبعث ابنه محمداً للقاء أبي حمّو وأمير بني عامر خالد بن عامر؛ يدعوهم إلى نزول وطنه، والبعد به عن بلاد السلطان عبد العزيز؛ فوجده متدلياً من المسيلة إلى الصحراء. ولقيه على الذوسن وبات ليلته يعرض عليهم التحول من وطن أولاد سباع إلى وطنهم بشرقي الزاب. وأصبح يومه كذلك، فما راعهم آخر النهار إلا انتشار العجاج خارجاً إليهم من أفواه الثنية؛ فركبوا يستشرقون، وإذا بهوادي الخيل طالعة من الثنية، وعساكر بني مرين والمعقل وزغبة متتالية أمام الوزير أبي بكر بن غازي، قد دل بهم الطريق وفد أولاد سباع الذين بعثتهم من المسيلة؛ فلما أشرفوا على المخيم، أغارو عليه مع غروب الشمس؛ فأجفل بنو عامر، وانتهب فخيم السلطان أبي حمّو ورحائله وأمواله. ونجا بنفسه تحت الليل، وتمزق شمل ولده وحرمه، حتى خلصوا إليه بعد أيام، واجتمعوا بقصور مصاب من بلاد الصحراء وامتلأت أيدي العساكر والعرب من نهابهم. وانطلق محمد بن عريف في تلك الهيعة. أطلقه الموكلون به، وجاء إلى الوزير وأخيه وتزمار، وتلقوه بما يجب له. وأقام الوزير أبو بكر بن غازي على الدوسن أياماً أراح فيها وبعث إليه ابن مزنى بطاعته، وارغد له من الزاد والعلوفة، وارتحل راجعاً إلى المغرب وتخففت بعده أياماً عند أهلي ببسكرة. ثم ارتحلت إلى السلطان في وفد عظيم مرّ الزواودة، يقدمهم أبو دينار أخو يعقوب بن علي، وجماعة من أعيانهم؛ فسابقنا الوزير إلى تلمسان، وقدمنا على السلطان؛ فوسعنا من حبائه وتكرمته، ونزله ما بعد العهد بمثله. ثم جاء من بعدنا الوزير أبو بكر بن غازي على الصحراء، بعد أن مرّ بقصور بني عامر هنالك فخربها، وكان يوم قدومه على السلطان يوماً مشهوداً؛ وأذن بعدها لوفود الزواودة بالانصراف إلى بلادهم. وقد كان ينتظر بهم قدوم الوزير، ووليه ونزمار بن عريف؛ فودعوه، وبالغ في الاحسان إليهم، وانصرفوا إلى بلادهم. ثم أعمل نظره في إخراج أبي زيان من بين أحياء الزواودة لما خشي من رجوعه إلى حصين؛ فوامرني في ذلك، وأطلقني إليهم في محاولة انصرافه عنهم، فانطلقت لذلك. وكان أحياء حصين قد توجسوا الخيفة من السلطان وتنكروا له، وانصرفوا إلى أهلهم بعد مرجعهم من غزاتهم مع الوزير، وبادروا باستدعاء أبي زيان من مكانه عند أولاد يحيى بن علي، وأنزلوه بينهم؛ واشتملوا عليه، وعادوا إلى الخلاف الذي كانوا عليه أيام أبي حمّو؛ واشتعل المغرب الأوسط ناراً. ونجم صبي من بيت الملك في مغراوة، وهو حمزة بن علي بن راشد؛ فر من معسكر الوزير ابن غازي أيام مقامه عليها فاستولى على شلف، وبلاد قومه. وبعث السلطان وزيره عمر بن مسعود في العساكر لمنازلته، وأعيا داؤه؛ وانقطعت أنا ببسكرة، وحال ذلك ما بيني وبين السلطان الا بالكتاب والرسالة. وبلغني في تلك الأيام وأنا ببسكرة مفر الوزير ابن الخطيب من الأندلس، وقدومه على السلطان بتلمسان؛ توجس الخيفة من سلطانه، بما كان له من الاستبداد عليه، وكثرة السعاية من البطانة فيه؛ فأعمل الرحلة إلى الثغور المغربية لمطالعتها بإذن سلطانه. فلما حاذى جبل الفتح قفل الفرضة، دخل إلى الجبل، وبيده عهد السلطان عبد العزيز إلى القائد هنالك بقبوله. وأجاز البحر من حينه إلى سبتة، وسار إلى السلطان بتلمسان، وقدم عليهما في يوم مشهود. وتلقاه السلطان من الحظوة والتقريب وإدرار النعم بما لا يعهد مثله. وكتب إلي من تلمسان يعرفني يخبره، ويلم ببعض العتاب على ما بلغه من حديثي الأول بالأندلس. ولم يحضرني الأن كتابه؛ فكان جوابي عنه ما نصه:

الحمد لله ولا قوة إلا بالله، ولا راد لما قضاه الله.

يا سيدي وبعم الذخر الأبدي، والعروة الوثقى التي اعتلقتها يدي، أسلم عليكم سلام القدوم، على المخذوم، والخضوع، للملك المتبوع، لا ! بل أحييكم تحية المشوق، للمعشوق، والمدلج، للصباح المتبلج، وأقرر ما أنتم أعلم بصحيح عقدي فيه من خبي لكم، ومعرفتي بمقداركم، وذهابي إلى أبعد الغايات في تعظيمكم، والثناء عليكم، والإشادة في الإنفاق بمنقاقبكم، ديدنا معروفاً، وسجيةً راسخةً، يعلم الله وكفى به شهيداً؛ وبهذا كما في علمكم قسما ما اختلف لي فيه أولاً ولا آخراً، ولا شاهداً ولا غائباً. وأنتم أعلم بما في نفسي، وأكبر شهادة في خفايا ضميري. ولو كنت ذاك، فقد سلف من حقوقكم، وجميل اخذكم، واجتلاب الحظ- لو هيأه القدر- بمساعيكم، وإيثاري بالمكان من سلطانكم، ودولتكم، ما يستلين معاطف القلوب، ويستل سخائم الهواجس، فأنا أحاشيكم من استشعار نبوة، أو إحقاق ظن؛ ولو تعلق بقلب ساق حر ذرء وذرء، فحاش لله أن يقدح في الخلوص لكم، أو يرجح سوابقكم، إنما هو خبيئة الفؤاد إلى الحشر أو اللقاء. ووالله وجميع ما يقسم به، ما اطلع على مستكنه مني غير صديقي وصديقكم الملابس- كان- لي ولكم الحكيم الفاضل العلم أبي عبد الله الشقوري أعزه الله. نفثة مصدور، ومباثة خلوص، إذ أنا أعلم الناس بمكانه منكم، وقد علم ما كان مني حين مفارقة صاحب تلمسان، واضمحلال أمره، من إجماع الأمر على الرحلة إليكم، والخفوف إلى حاضرة البحر للإجازة إلى عدو بكم، تعرضت فيها للتهم، ووقفت بمجال الظنون، حتى تورطت في الهلكة بما ارتفع عني مما لم آته، ولا طويت العقد عليه، لولا حلم مولانا الخليفة، وحسن رأيه في وثبات بصيرته، لكنت في الهالكين الأولين؛ كل ذلك شوقاً إلى لقائكم، وتمثلاً لأنسكم؛ فلا تظنوا بي الظنون، ولا تصدقوا في التوهمات، فانا من علمتم صداقة، وسذاجة، وخلوصا، واتفاق ظاهر وباطن، أثبت الناس عهداً، وأحفظهم غيباً، وأعرفهم بوزن الإخوان ومزايا الفضلاء؛ ولأمر ما تأخر كتابي من تلمسان فأني كنت أستشعر ممن استضافني ريباً بخطاب سواه، خصوصاً جهتكم، لقديم ما بين الدولتين من الاتحاد والمظاهرة واتصال اليد، مع أن الرسول تردد إلي، وأعلمني اهتمامكم واهتمام السلطان، تولاه الله، باستكشاف ما انبهم من حالي؛ فلم أترك شيئاً مما أعلم تشوفكم إليه إلا وكشفت له قناعه، وأمنته على بلاغه؛ ولم أزل بعد انتياش مولانا الخليفة لذمائي، وجذبه بضبعي سابحاً في تيار الشواغل كما علمتم القاطعة حتى عن الفكر.

وسقطت إلي بمحل خدمتي من هذه القاصية أخبار خلوصكم إلى المغرب، قبل وصول راجلي إلى الحضرة، غير جلية ولا ملتئمة ولم يتعين فلقي العصى ولا مستقر النّوى؛ فأرجأت الخطاب إلى استجلائها؛ وأفدت في كتابكم العزيز علي، الجاري على سنن الفضل، ومذهب المجد، غريب ما كيفه القدر من تنويع الحال لديكم. وعجبت من تأتي أملكم الشارد فيه كما كنا نستبعده عند المفاوضة؛ فحمدت الله لكم على الخلاص من ورطة الدول على أحسن الوجوه، وأجمل المخارج الحميدة العواقب في الدنيا والدين، العائدة بحسن المآل في المخلف: من أهل وولد ومتاع وأثر، بعد أن رضتم جموح الأيام، وتوقلتم قلل العز، وقدتم الدنيا بحذافيرها، وأخذتم بآفاق السماء على أهلها. وهنيئاً فقد نالت نفسكم التواقة أبعد أمانيها، ثم تاقت إلى ما عند الله؛ واشهد لما ألهمتم للإعراض عن الدنيا ونزع اليد من حطامها عند الإصحاب والإقبال، ونهى الآمال، إلا جذبا وعناية من الله، وحباً؛ وإذا أراد الله أمراً يسر أسبابه.واتصل بي ما كان من تحفي المثابة المولوية بكم، واهتزاز الدولة لقدومكم؛ ومثل تلك الخلافة، أيدها الله، من يثابر على المفاخر، ويستأثر بالأخاير. وليت ذلك عند إقبالكم على الحظ، وأنسكم باجتلاب الامال، حتى يحسن المتاع بكم، ويتجمل السرير الملوكي بمكانكم؛ فالظن إن هذا الباعث الذي هزم الآمال، ونبذ الحظوظ، وهون المفارق العزيز، يسومكم الفرار إلى الله، حتى يأخذ بيدكم إلى فضاء المجاهدة، ويستوي بكم على خودي الرياضة. والله يهدي للتي هي أقوم. وكأني بالأقدام تلت، والبصائر بإلهام الحق صقلت، والمقامات خلفت بعد أن استقبلت، والعرفان شيمت أنواره وبوارقه، والوصول انكشفت حقائقه لما ارتفعت عوائقه. وأما حالي، والظن بكلم الاهتمام بها، والبحث عنها، فغير خفية بالباب المولوي- أعلاه الله- ومظهرها في طاعته، ومصدرها عن أمره، وتصاريفها في خدمته، والزعم إني قمت المقام المحمّود في التشيع، والانحياش، واستمالة الكافة، إلى المناصحة، ومخالطة القلوب للولاية؛ وما يتشوفه مجدكم ويتطلع إليه فضلكم واهتمامكم، من خاصيها في النفس والولد، فجهينة خبره مؤذي كتابي إليكم، ناشىء تأديبي، وثمرة تربيتي؛ فسهلوا له الإذن، وألينوا له جانب النجوى، حتى يؤدي ما عندي وما عندكم، وخذوه بأعقاب الأحاديث أن يقف عند مبادئها، وائتمنوه على ما تحدثون، فليس بظنين على السر.

وتشوفي لما يرجع به إليكم سيدي وصديقي وصديقكم المغرب في المجد والفضل، المساهم في الشدائد، كبير المغرب، وظهير الدولة، أبو يحيى بن أبي مدين- كان الله له- ف