ابن الجوزي

ابن الجوزي
1116- 1201م

ولد أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن جعفر في بغداد وعاش حياته في الطور الأخير من الدولة العباسية. عرف بابن الجوزي لشجرة جوز كانت في داره بواسط العراق، ولم تكن بالبلدة شجرة جوز سواها. وقيل: نسبة إلى “فرضة الجوز” وهي مرفأ نهر البصرة.

توفي أبوه وهو في الثالثة من عمره فتولت تربيته عمته، فرعته وأرسلته إلى مسجد ” محمد بن ناصر الحافظ” ببغداد، فحفظ على يديه القرآن الكريم، وتعلم الحديث الشريف. وقد لازمه نحو ثلاثين عامًا أخذ عنه الكثير حتى قال عنه: “لم أستفد من أحد استفادتي منه”.

كان “ابن الجوزي” علامة عصره في التاريخ والحديث والوعظ والجدل والكلام، وقد جلس للتدريس والوعظ وهو صغير. فكان يحضر مجالسه الخلفاء والوزراء والأمراء والعلماء والأعيان. وكان مع ذيوع صيته وعلو مكانته زاهدًا في الدنيا متقللاً منها. ولا يخرج من بيته إلا إلى المسجد أو المجلس. ويروى عنه أنه كان قليل المزاح.

اتفق العلماء والأدباء على الثناء على “ابن الجوزي” فمدحوا علمه وورعه ومهارته في الخطابة والفقه والحديث والتاريخ والأدب.

قال عنه “ابن كثير”: ” برز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوًا من ثلاثمائة مصنف”. ووصفه “ابن الجزري” بأنه: “شيخ العراق وإمام الآفاق”. وقال عنه “ابن العماد الحنبلي”: “كان ابن الجوزي لطيف الصوت حلو الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات، لذيذ الفاكهة”. وقال عنه “ابن جبير”: “آية الزمان، وقرة عين الإيمان، رئيس الحنبلية، والمخصوص في العلوم بالرتب العلية، إمام الجماعة، وفارس حلبة هذه الصناعة، والمشهود له بالسبق الكريم في البلاغة والبراعة”.

تميز “ابن الجوزي” بغزارة إنتاجه وكثرة مصنفاته التي بلغت نحو ثلاثمائة مصنف شملت الكثير من العلوم والفنون. فهو أحد العلماء المكثرين في التصنيف في التفسير والحديث والتاريخ واللغة والطب والفقه والمواعظ وغيرها من العلوم. ومن أشهر تلك المصنفات أيضا: تاريخ بيت المقدس، تحفة المودود في أحكام المولود، الثبات عند الممات، جواهر المواعظ، الجليس الصالح والأنيس الناصح، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم وهو من أشهر مؤلفاته.

ولديه أيضاً: أخبار الحمقى والمغفلين، أحكام النساء، صيد الخاطر.

كان “ابن الجوزي” شاعرًا مجيدًا إلى جانب كونه أديبًا بارعًا وخطيبًا مفوهًا، وله أشعار حسنة كثيرة. وأوصى أن يُكتب على قبره:

يا كثير العفو عمن كثر الذنب لديه

جاءك المذنب يرجو الصفح عن جرم يديه

أنا ضيف وجزاء الضيف إحسان لديه

توفي “ابن الجوزي” عن عمر بلغ سبعا وثمانين سنة بعد أن مرض خمسة أيام، فبكاه أهل بغداد، وازدحموا على جنازته، حتى أقفلت الأسواق.

قال عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان: (( هو أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادى بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وبقية النسب معروف، القرشي التيمي البكري البغدادي الفقيه الحنبلي الواعظ الملقب جمال الدين الحافظ؛ كان علاّمة عصره وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ. صنف في فنون عديدة، منها ” زاد المسير في علم التفسير ” أربعة أجزاء أتى فيه بأشياء غريبة، وله في الحديث تصانيف كثيرة، وله ” المنتظم ” في التاريخ، وهو كبير، وله ” الموضوعات ” في أربعة أجزاء، ذكر فيها كل حديث موضوع، وله ” تلقيح فهوم الأثر ” على وضع كتاب ” المعارف ” لابن قتيبة، وبالجملة فكتبه أكثر من أن تعد. وكتب بخطه شيئاً كثيراً، والناس يغالون في ذلك حتى يقولوا: إنه جمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس، وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل. ويقال إنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحصل منها شيء كثير، وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته، ففعل ذلك، فكفت وفضل منها. وله أشعار لطيفة، أنشدني له بعض الفضلاء يخاطب أهل بغداد:

عذيري من فتية بالعـراق

 

قلوبهم بالجـفـا قـلـب

يرون العجيب كلام الغريب

 

وقول القريب فلا يعجـب

ميازيبهم إن تندت بـخـيرٍ

 

إلى غير جيرانهم تقلـب

وعذرهم عند توبـيخـهـم

 

مغنية الحي ما تـطـرب

وله أشعار كثيرة. وكانت له في مجالس الوعظ أجوبة نادرة، فمن أحسن ما يحكى عنه أنه وقع النزاع ببغداد بين أهل السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر وعلي، رضي الله عنهما، فرضي الكل بما يجيب به الشيخ أبو الفرج، فأقاما شخصاً سأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس وعظه، فقال: أفضلهما من كانت ابنته تحته، ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك، فقالت السنة: هو أبو بكر الصديق لأن ابنته عائشة رضي الله عنها تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الشيعة: هو علي لأن فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من لطائف الأجوبة، ولو حصل بعد الفكر التام وإمعان النظر كان في غاية الحسن فضلاً عن البديهة. وله محاسن كثيرة يطول شرحها. وكانت ولادته بطريق التقريب سنة ثمان، وقيل عشر وخمسمائة. وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة ببغداد ودفن بباب حرب، وتوفي والده في سنة أربع عشرة وخمسمائة رحمهما الله تعالى.

وحمادى: بضم الحاء المهملة وتشديد الميم وبعد الألف دال مهملة مفتوحة وياء مفتوحة.

والجوزي: بفتح الجيم وسكون الواو وبعدها زاي، هذه النسبة إلى فرضة الجوز، وهو موضع مشهور.

ورأيت بخطي في مسوداتي أن جده كان من مشرعة الجوز، إحدى محال بغداد بالجانب الغربي، والله أعلم.

وقال ابن النجار في تاريخ بغداد: كان أبو الفرج ابن الجوزي يقول: لا أتحقق مولدي غير أن والدي مات سنة أربع عشرة وقالت الوالدة: كان لك من العمر نحو ثلاث سنين. وكان والده يعمل الصفر بنهر القلايين، والله أعلم.

وكان ولده محيي الدين أبو محمد يوسف بن عبد الرحمن محتسب بغداد وتولى تدريس المدرسة المستنصرية لطائفة الحنابلة، وكان يتردد في الرسائل إلى الملوك، وصار أستاذ دار الخلافة، ومولده ليلة السبت ثالث عشر ذي القعدة سنة ثمانين وخمسمائة ببغداد، وتوفي في وقعة التتر قتيلاً سنة ثلاث وخمسين وستمائة. وكان سبطه شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزغلي الواعظ المشهور حنفي المذهب، وله صيت وسمعة في مجالس وعظه وقبول عند الملوك وغيرهم، وصنف تاريخاً كبيراً رأيته بخطه في أربعين مجلداً سماه ” مرآة الزمان “، وتوفي ليلة الثلاثاء حادي عشرين ذي الحجة سنة أربع وخمسين وستمائة بدمشق بمنزله بجبل قاسيون ودفن هناك، ومولده سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، وكان هو يقول: أخبرتني أمي أن مولدي سنة اثنتين وثمانين)).

المراجع: وفيات الأعيان لابن خلكان