ابن آوى والأسد

ابن آوى والأسد

قال القرد: زعموا أن أسدا كان في اجمة، وكان معه ابن آوى يأكل من فضول صيده. فأصاب الأسد جرب شديد حتى ضعف وجهد، فلم يستطع الصيد.

فقال ابن آوى للأسد: ما شأنك يا سيد السباع قد تغيرت حالتك. قال: لهذا الجرب الذي تراه ليس له دواء إلا أن أطلب أذني حمار وقلبه. قال ابن آوى: قد عرفت مكان حمار يجيء به قصّار إلى مرج قريب منا يحمل عليه ثيابه التي يغسلها، فإذا وضع عنه الثياب خلّاه في المرج. فأنا أرجو أن آتيك به ثم أنت أعلم بقلبه وأذنيه. قال الأسد: فلا تؤخّرنّ ذلك.

فذهب ابن آوى حتى أتى الحمار، فقال له: ما هذا الهزال الذي أراه بك والدبر الذي بظهرك؟ قال الحمار: أنا لهذا القصّار الخبيث، فهو يسيء علفي ويدأب عملي. قال ابن آوى: وكيف ترضى بهذا؟ قال: فما أصنع؟ وكيف أفلت من أيدي الناس؟ قال ابن آوى: أنا أدلك على مكان معتزل خصب المرعى لم يطأه الناس قط. وثم أسد وهو مشتاق إليك وبقربه عانة من الحمر ترعى أمينة مطمئنة. فطرب الحمار وقال: ألا تنطلق بنا، فإني لو لم أرغب إلا في إخائك لكان ذلك حاملي على الذهاب معك.

فتوجّها جميعاً قبل الأسد وتقدم ابن آوى فأخبره. فوثب الأسد على الحمار فلم يستطع صرعه لضعفه وانفلت الحمار. فقال ابن آوى للأسد: ما هذا الذي صنعت؟ إن كنت خلّيت الحمار عمداً فلم عنّيتني في طلبه؟ وإن كنت لا تقدر عليه فقد هلكنا، إن كان سيدنا لا يقوى على حمار. فعرف الأسد أنه إن قال: “تركته عمداً” سفهه، وإن قال: “لم أقدر عليه” ضعّفه، فقال: إن أنت استطعت أن تردّ الحمار إليّ بما سألت عنه. فقال ابن آوى: لقد جرّب الحمار مني ما جرب وإني لذلك لعائد إليه محتال له بما استطعت، وعليك إن رجع أن تصبر عليه ساعة حتى يستأنس بك، وهذا أمر لا يفوتك والغرض لا يصاب كل وقت. فعاد ابن آوى إلى الحمار فلما رآه قال له: ما الذي أردت بي؟ قال: أردت بك الخير، ولكن الأسد أراد أن يتلقاك مرحّباً بك ولو ثبتّ لآنسك ومضى بك إلى أصحابه. فلما سمع الحمار ذلك ولم يكن رأى أسداً قط صدّق ما قاله ابن آوى، فمضى ووثب عليه الأسد فافترسه.

فلما فرغ الأسد من قتل الحمار قال لابن آوى: إنه وُصف لي هذا الدواء بأن أغتسل ثم آكل الأذنين والقلب، وأجعل ما سوى ذلك قرباناً. فاحتفظ بالحمار حتى أغتسل ثم أرجع. فلما ولّى الأسد عمد ابن آوى إلى أذني الحمال وقلبه فأكلهما رجاء أن ينفر الأسد عنه فلا يأكل بقية الحمار فينفرد هو به. فلما رجع الأسد قال: أين قلب الحمار وأذنان؟ قال ابن آوى: وما شعرت أن الحمار لم يكن له قلب ولا أذنان وأنهما لو كانا له لم يرجع إليك ثانية بعد إفلاته منك؟ فصدقه الأسد.

وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أني لست كالحمار الذي زعم ابن آوى أنه لم يكن له قلب ولا أذنان، وأنك احتلت بي وخدعتني فجزيتك مثل خديعتك واستدركت ما كنت ضيّعت من نفسي.
قال الغيلم: أنت الصادق البارّ وقد علمت أن ذا العقل يقلّ الكلام ويبالغ في العمل ويعترف بالزلة ويتبين الأمور قبل الإقدام عليها، ويستقيل عثرة عمله بفعله، كالرجل الذي يعثر على الأرض وعلى الأرض يعتمد وينهض.

فهذا مثل من طلب أمراً، حتى إذا استمكن منه أضاعه.