إبن باجه

ابن باجه
توفي 1138 م / 529 هـ

هو أبو بكر محمد ابن الصايغ المعروف بابن باجه او باجَه . ولد في سرقسطة بالاندلس وانتقل بعدها الى أشبيلية فغرناطة وتوفي مسموماً بـفاس في المغرب .

نعرف القليل عن حياة ابن باجه . وهذا القليل وصلنا عن طريق بعض اتباعه وبنوع خاص عن ابي الحسن علي بن الامام الذي نقل المجموعة الوحيدة التي انتهت الينا من آثار ابن باجه الفلسفية والعلمية ، وعن ابي بكر بن الطفيل صاحب قصة “حي بن يقظان“.

قال ابن سينا في “القانون في الطب“: ((ابن باجة هو أبو بكر محمد بن يحيى بن الصائغ، ويعرف بابن باجة، من الأندلس. وكان العلوم الحكمية علامة وقته وأوحد زمانه. وبلي بمحن كثيرة وشناعات من العوام، وقصدوا هلاكه مرات وسلمه الله منهم. وكان متميزاً في العربية والأدب حافظاً للقرآن. ويعد من الأفاضل في صناعة الطب.

ولابن باجة من الكتب: شرح كتاب السمع الطبيعي لأرسطوطاليس. قول على بعض المقالات الأخيرة من كتاب الحيوان لأرسطوطاليس. كلام على بعض كتاب النبات لأرسطوطاليس. كتاب تدبير المتوحد. كلام على شيء من كتاب الأدوية المفردة لجالينوس. كتاب التجربتين على أدوية ابن وافد. كتاب اختصار الحاوي للرازي. كلام المزاج بما هو طبي. وكتب عديدة أخرى في الفلسفة والهندسة)).

يقول ابن الامام ، وهو أحد تلامذة ابن باجه ، ان الكتب الفلسفية التي جلبها الحكم الثاني (المستنصر الذي عاش في القرن العاشر ) من المشرق العربي بقيت مستغلقة حتى ظهور ابن باجه . ووصف الثاني ، ابن طفيل ، استاذه ابن باجه بانه كان ” أثقب ذهناً وأصح نظراً من سواه ممن إشتغلوا بالدراسات الفلسفية في الاندلس” . ويضيف ان موت ابن باجه المبكر وحبه للدنيا أقعداه عن ” ظهور خزائن علمه” .

ترك ابن باجه ثلاثين رسالة تكاد لا تربو احداها على ثلاثين ورقة بينما لا يبلغ اكثرها العشر صفحات . ولم تكن أبحاثه مستوفية لان ابن باجه كان غالباً ما يكتفي بالاحالة على ” ما ذكره ارسطو في غير موضع ” او ما ذكره هو في “عدة مواضيع ومواقع ” . الا ان سعة اطلاعه تبرر الاكبار الذي كنه له العلماء اللاحقون . فقد كان شروعه بالابحاث الفلسفية الجدية نقطة تحول في تاريخ الثقافة الاسلامية بالاندلس .

يتناول ابن باجه في مؤلفه الاشهر ” تدبير المتوحد ” وفي رسالته ” في إتصال العقل بالانسان ” القضايا التي تبحث في مراحل الترقي الفكري من طور القوة الى طور الفعل وبالتالي اتصال العقل المستفاد بالعقل الفعال . ثم ينتقل الى تفحص انواع الافعال الانسانية ، لا سيما تلك التي تفضي الى طور الاتحاد او الاتصال الاخير بالعقل الفعال . ويقالاول إن بعض هذه الافعال بشرية وبهيمية حيوانية ، لذلك لا تؤدي الافعال المشتركة الى ” التوحد ” . اما الافعال الانسانية البشرية الخاصة فتختلف عن تلك في كونها ارادية وناجمة عن الروية او الفكر بينما الافعال ” المشتركة” تكون وليدة الاندفاع الغريزي . وفي ما سماه المدينة الفاسدة تصبح جميع الافعال اضطرارية وغريزية لان اهلها ينقادون لنوازع مختلفة مثل تأمين ضروريات الحياة واللذات وطلب الجاه وابتغاء السيطرة .

من هنا يتطرق ابن باجه الى مرتبة الانسان في سلم ” الصور الروحانية ” من سلسلة الوجود الكلي التي روج لها الافلاطونيون المحدثون . وهو يذكر من هذه الصور اربعاً : صور الاجرام السماوية ؛ العقل المستفاد والعقل الفعال؛ الصور الهيولانية المجردة من المادة ؛ واخيراً الصور او المعاني المودعة في قوى النفس الباطنة وهي الحس المشترك والتخيل والذاكرة .

الفئة الاولى من هذه الصور غير هيولانية . اما الثانية فمع انها غير هيولانية إلا ان لها الى الهيولي نسبة ما، لأن العقل يتمم الصور الهيولانية من حيث هو مستفاد او يفعلها من حيث هو فعال . اما الصورة الثالثة فلها بعض الصلة بالهيولي ، بينما الرابعة متوسطة بين الصور الهيولانية والروحانية .

يؤكد ابن باجة ان مهمة الانسان الجوهرية هي مهمة عقلية . وبقدر ما تساعد الاصناف الدنيا من الصور الروحانية على إنجاز هذه المهمة تكون جديرة باهتمامه وسعيه . وعندما يتاح ” للمتوحد ” ان يدرك هذه الغاية يصبح قادراً على بلوغ تلك الحال من البقاء الدائم والوجود المجرد . وهذا ما تتميز به الصور الروحانية . وهذا الانسان الروحاني وحده ينعم بالسعادة الحقة ، بينما يظل الانسان ” الجسماني ” منغمساً بالملذات الجسدية الى حد لا يستطيع معه ان يطمح الى ما هو وراءها وابعد منها . وعندما يبلغ الانسان الروحاني مرتبة الحكمة الفلسفية ويتصف بأسمى الفضائل يصبح الهيًا حقاً وينضم الى فئات الجواهر المفارقة . وتلك هي غاية الانسان القصوى وشعار ذلك الاتحاد بالعقل الفعال الذي يدعوه ابن باجه “بالاتصال”.

هذا المتوحد ، برأي ابن باجه ، لن يجد في المدن الفاسدة ما يساعده على بلوغ اهدافه العقلية العليا ، لذلك يجد نفسه مضطراً الى الهجرة الى مدينة فاضلة . واذا لم يجد هذه المدينة فعليه اعتزال الناس وترك مخالطتهم الا في الامور الضرورية . ويؤكد ابن باجه في رسالته “اتصال العقل بالانسان ” وفي ” تدبير المتوحد ” ان المراحل الاخيرة في ترقي الانسان الفكري والروحاني ليست انسانية بالكلية انما تتم بنور ينفثه الله في صدور من يختارهم . فالله ” تمم العلم بها ، اي مراتب اليقين العليا ، بالشريعة” . ومَن جُعل له هذا العقل ، فاذا فارق البدن يبقى نوراً من الانوار يسبِّح الله ويقدسه مع النبيين والصديقيين والشهداء والصالحين .

المراجع: القانون في الطب لابن سينا