أم هانئ

أم هانئ
المجيرة

قال لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: “قد أجرنا من أجرت، وأمَّنَّا من أمَّنت” [متفق عليه].

إنها ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم ، تَرَّبتْ معه فى بيت أبيها أبى طالب، فكانت تُكِنّ له المودة التامة والحب الكثير، وكانت قبل إسلامها تدفع عنه أذى المشركين، وتنصره فى كل تحركاته فى سبيل اللَّه، وكان صلى الله عليه وسلم يصل فيها رحمه؛ فكان يزورها ويطمئن عليها.

إنها أم هانئ فاختة بنت أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخت الإمام على -رضى الله عنه-، وأمها: فاطمة بنت أسد -رضى الله عنها- .

روى أنه لمّا عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثقيف (الطائف)، وكان حزينًا لإعراض أهلها عن دين اللَّه، توجه لزيارتها، ثم بات عندها، فكان ما كان من حادثة الإسراء والمعراج، فكانت أم هانئ تحدث بحديث الإسراء والمعراج، حتى قيل: ما ذكر الإسراء والمعراج إلا وذكر معه اسم أم هانئ. قالت أم هانئ -رضى الله عنها-: ما أُسرى برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلا وهو فى بيتي، نام عندنا فى تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أيقظنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وقال: يا أم هانئ! لقد صلَّيتُ معكم العشاء الآخرة كما رأيتِ بهذا الوادي، ثم جئتُ بيت المقدس فصلَّيتُ فيه، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما تَرَيْنَ”، وقام ليخرج، فأخذت بطرف ردائه، فقلت له: إنى أذكرك الله، أنك تأتى قومك يكذبونك وينكرون مقالتك، قال: “واللَّه لأحدثنّهُمُوه”، وقلت لجارية لى حبشية: ويحك اتبعى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى تسمعى ما يقول للِناس، وما يقولون له. فلما خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الناس أخبرهم، فعجبوا، فذكر لهم دلائل وعلامات على صدق ما يقول. [ابن هشام]. وقد أسلمت أم هانئ يوم فتحت مكة، بينما فَرَّ زوجها هبيرة هاربًا، وقال فى ذلك شعرًا:

لَعَمْرك ماولَّيْتُ ظهرى محمدًا وأصحابه جبنًا ولاخيفة القَتــلِ

ولكنى قَلَّبتُ أمرى فلم أجد لسيفى غناءً إن ضُربتُ ولانبِلي

فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بأمرها وفرار زوجها هاربًا لايلوى على شيءٍ كارهًا أن يدخل فى دين اللَّه، تقدم إليها ليخطبها فقالت: واللَّه إنى كنت لأحبك فى الجاهلية فكيف فى الإسلام، ولكنى امرأة مُصبية (أى عندى صبيان) وأكره أن يؤذوك. فقال صلى الله عليه وسلم: “نساء قريش خير نساء ركبن الإبل: أحناه على طفل، وأرعاه على زوج فى ذات يده” [البخاري]. وفى رواية أخرى أَنها قالت: يا رسول اللَّه! لأنتَ أحبُّ إلى من سَمْعِى وبَصَرِي، وحقُّ الزوج عظيم؛ فأخشى إن أقبلتُ على زوجى أن أضيع بعضَ شأنى وولدي، وإن أقبلتُ على وَلَدِى أن أضيع حق الزوج.

وعن أم هانئ قالت: ذهبتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فوجدتُه يغتسل، وفاطمة تستره بثوب، فسلمتُ.

فقال: “من هذه”؟

قلت: أنا أم هانئ بنت أبى طالب.

فقال: “مرحبًا بأم هانئ”.

فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثمان ركعات ملتحفًا فى ثوب واحد.

فقلتُ: يا رسول الله، زعم ابن أمى -تعنى عليَّا- أنه قاتل رجلاً قد أجرتُه: فلان بن هبيرة.

فقال صلى الله عليه وسلم: “قد أجرْنا من أجرتِ يا أم هانئ” [متفق عليه].

وكانت -رضى الله عنها- قبل إسلامها زوجة لهبيرة بن أبى وَهْب بن عمرو المخزومي، وأنجبتْ منه: عمرة، وجعدة، وهانئًا، ويوسف، وطالبًا، وعقيلا، وجمانة. وقد تولى ابنها جعدة بن هبيرة ولاية خراسان فى عهد الإمام على -رضى الله عنه-.

وقد روتْ عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديثَ، بلغت ستة وأربعين حديثًا.

وتُوفيت أم هانئ -رضى الله عنها- سنة أربعين هجرية، وقيل: سنة خمسين هجرية.

جاء في “أسد الغابة في معرفة الصحابة” لابن الأثير المؤرخ:

” أم هانئ بِنْت أبي طالب عَبْد مناف القُرَشِيَّة الهاشمية، بِنْت عم النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأخت علي بن أبي طالب، أمها فاطِمَة بِنْت أسد. واختلف في اسمها، فقيل: هِنْد. وقيل: فاطِمَة، وقيل: فاختة. كانت تحت هُبيرة بن أبي وهب بن عَمْرو بن عائذ بن عُمران بن مخزوم المخزومي. أسلمت عام الفتح. فلما أسلمَتْ وفتح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مَكَّة، هرب هُبيرة إلى نجران، وقال حين فرّ معتذراً من فراره:

لعُمركَ ما ولَّيْتُ ظهري مُحَمَّـداً       وأصحابَه جُبناً، ولا خِيفَةَ القتـلِ

ولكنني قلَّبتُ أمري فـلـم أجـدْ       لسيفي غَنَاءَ إنْ ضربتُ ولا نَبْلي

وقفتُ فلمّا خِفتُ ضِيقةَ موقفـي       رجعتُ لعودٍ كالهِزَبْرِ أبي الشِّبْلِ

قال خلف الأحمر: أبيات هبيرة في الاعتذار خير من قول الحَارِث بن هشام، يعني قوله:

الله يعلمُ ما تركْتُ قتـالـهـم حتى عَلَوا فَرسي بأشقرَ مُزْبِدِ

وقال الأصمعي: أحسن ما قيل في الاعتذار من الفرار قول الحَارِث بن هشام.

أخبرنا عُبَيْد الله بن أحمد بإسناده عن يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق، أن هُبيرة أقام بنجران فلما بلغه إسلام أم هانئ وكانت تحته قال أبياتاً منها:

وعاذَلَةٌ هبَّتْ بليلٍ تـلـومـنـي        وتعذُلُني بالليلِ، ضلَّ ضلالُـهـا

وتزعُمُ أنّي إنْ أطعتُ عشيرتـي         سأردى، وهل يُردينَ إلا زوالها؟

فإنْ كنتِ قد تابَعْتِ دِينَ مُحَـمَّـد         وقطَّعَتِ الأرحام منكِ حِبالُـهـا

فكوني على أعلى سَحيقٍ بهَضبةٍ       مُلْمَلَمَةٍ غَبراءَ يُبْسٍ بِـلالـهـا

وهي أكثر من هذا.

وولدت أم هانئ لهبيرة عُمراً، وبه كان يكنى هبيرة، وهانئاً ويوسف وجعدة.

أخبرنا غير واحد بإسنادهم عن مُحَمَّد بن عيسى: حدثنا أبو موسى، حدثنا مُحَمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عَمْرو بن مُرة، عن عَبْد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى قال: ما أخبرني أحد أنه رأى النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم يصلي الضحى إلا أم هانئ، فإنها حدّثت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دخل بيتها يوم فتح مَكَّة فاغتسل، فسبح ثماني ركعات، ما رأيته صلى صلاة أخف منها، غير أنه كان يتم الركوع والسجود.

أخرجها الثلاثة”.