أم كلثوم بنت عقبة

أم كلثوم بنت عقبة
الفتاة المهاجرة

تو 40هــ

إنها الصحابية الفاضلة “أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط”-رضى اللَّه عنها- أخت عثمان بن عفان لأمه، تزوجها زيد ابن حارثة -رضى الله عنه-، ثم ما لبث أن استشهد فى غزوة مؤتة، فتزوجها الزبير بن العوام فولدت له زينب، ثم طلقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف -رضى الله عنه-، وكانت معه مثالا للزوجة الصالحة الوفية، وأنجبتْ له إبراهيم وحميدًا، ولما توفى عبد الرحمن ابن عوف تزوجها عمرو بن العاص فعاشتْ معه شهرًا ثم توفيت، وكان ذلك فى خلافة الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-.

اشترط كفار قريش لأنفسهم فى صلح الحديبية الذي عقدوه مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هذا الشرط: “لا يأتيك منا أحد، وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا”، فكان شرطًا قاسيًا وابتلاءً عظيمًا لكل من آمن من أهل مكة ولم يهاجر بعد..

وكانت هناك فتاة قرشية أسلمت قبل هذا الصلح بكثير، أسلمت قبل أن يهاجر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لكنها لضعفها ورقتها لم تحتمل ما تعرض له مسلمو مكة بعد ذلك الصلح من فتنة وعذاب، وضاقت ذرعًا بما يصنع المشركون، فقررت -بالرغم من علمها بذلك الشرط- أن تهاجر إلى المدينة حيث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ثم ليقضِ اللَّه -بعد ذلك- فى أمرها ما يشاء.

إنها فتاة صَدَقتْ الله -عز وجل- وهاجرتْ فى سبيله ابتغاء مرضاته، متوكلة عليه، وكانت بمفردها، ليس معها من رفيق سوى الله -عز وجل-.خرجتْ رغم أنف الكافرين راغبة فى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحقق الله لها رغبتها.

خرجت، دون أن تُعْلِمَ أحدًا بخروجها، قاصدة يثرب، مهاجرة إلى اللَّه ورسوله. فيسر اللَّه لها قافلة لرجل من خزاعة، فاستبشرت خيرًا وأمِنت الرجل وقافلته على نفسها، إذ قد علمت أن خزاعة قد دخلت فى حلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ضد قريش، فصحبتهم إلى المدينة، فأحسنوا صحبتها حتى بلغت مأمنها… وخرج أهلها يبحثون عنها، فعلموا أنها هاجرت إلى المدينة، فقالوا: لا ضير، بيننا وبين محمد عهد وصلح، وليس أحد من الناس بأوفى من محمد، نذهب إليه، ونسأله أن يفي لنا بعهدنا.

وقدم أخواها “عمارة” و”الوليد” المدينة فى طلب أختهما، وعلمت الفتاة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سيفى لهما بما وعد، فأقبلت نحو رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى ثقة فقالت: يا رسول اللَّه أنا امرأة، وحَالُ النساء إلى ما قد علمت (من الضعف)، فأخشى إن رددتنى إليهم أن يفتنوني فى ديني ولا صبر لي.

فـإذا برحمات اللَّه تنزل لتلغى ذلك الشرط الجائر فى حق النساء، فأنزل الله تعالى فى ذلك قرآنًا يُتْلَى: (أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ألله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) [ الممتحنة: 10].

وتمثل هذا الامتحان فى سؤال المرأة عن سبب هجرتها؛ ليتأكد من صدق إسلامها وحسن إقبالها على الله ورسوله.. فقالت: “باللَّه ما خرجت من بغض زوج، وباللَّه ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وباللَّه ما خرجت التماس دنيا، وباللَّه ما خرجت إلا حبا للَّه ورسوله” .

وعلم اللَّه ما فى قلب هذه الفتاة المؤمنة من خير، فإنه ما أخرجها من أرضها وديارها إلا حب اللَّه وحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأنزل السكينة عليها، وألقى فى قلوب المسلمين تصديقها، ورد أخويها والذين ظلموا على أعقابهم وخَيَّب مسعاهم.. وهكذا مَنْ تَصْدُقِ اللَّه يصدقْها، ومن تتوكل على اللَّه يَكْفِها، ومن تستنصر اللَّه ينصرها، قال تعالى: والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [يوسف: 21].

وقد روت السيدة أم كلثوم -رضى الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنها الكثيرون؛ ومما روى عنها أنها سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: “ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس فينمى خيرًا ويقول خيرًا” [متفق عليه].

جاء في كتاب “أسد الغابة في معرفة الصحابة” لابن الأثير المؤرخ:

” أم كُلْثُوم بِنْت عُقْبَة بن أبي مُعَيط بن أبي عَمْرو بن أميَّة بن عَبْد شمس القُرَشِيَّة الاموِيَّة. أخت الوليد بن عُقْبَة، واسم أبي مُعَيط: أبان، واسم أبي عَمْرو: ذَكوان. وأمها أَرْوَى بِنْت كُريز بن ربيعة بن حَبيب بن عَبْد شمس، عمة عَبْد الله بن عامر. وهي أخت عُثْمان بن عَفَّان لامه.

أسلمت بمَكَّة قديماً، وصلت القبلتين، وبايعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهاجرت إلى المدينة ماشية، فسار أخواها الوليد وعَمَارَة ابنا عُقْبَة خلفها ليرداها، فمنعهما الله تعالى.

أخبرنا عُبَيْد الله بن أحمد بإسناده عن يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهري وعَبْد الله بن أبي بكر بن حَزْم قالا: هاجرت أم كُلْثُوم بِنْت عُقْبَة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام الحديبية، فجاء أخواها الوليد وفلان ابنا عُقْبَة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يطلبانها، فأبى أن يردها عليهما.

وقال المفسرون: فيها نزلت: “يا أيها الذين أمنوا إذا جاءكمُ المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهنَّ اللهُ أعلم بإيمانهنّ”… الممتحنة 10 الآية.

ولما قدمت المدينة تزوجها زيد بن حارثة، فقُتل عنها يوم مؤتة، فتزوجها الزبير بن العوام، فولدت له زينب. ثم طلقها فتزوجها عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف، فولدت له إبراهيم وحميداً، وغيرهما، ومات عنها. فتزوجها عَمْرو بن العاص، فمكثت عنده شهراً، ثم ماتت.

وروى عنها ابنها حُميد بن عَبْد الرَّحْمَن.

أخبرنا غير واحد عن أبي عيسى: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن مَعُمر، عن الزُّهري، عن حُمَيد بن عَبْد الرَّحْمَن، عن أمه أم كُلْثُوم بِنْت عُقْبَة أنها سمعت النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: “ليس بالكاذب من أصلح بين الناس، فقال خيراً”.

أخرجها الثلاثة”.