أم كلثوم بنت النبي

أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم
ثانية النورين

جاء عثمان بن عفان – رضى اللَّه عنه – إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم ليلتمس المواساة في زوجته رقية – رضي اللَّه عنها – بعد وفاتها، وجاء عمر بن الخطاب – رضى اللَّه عنه – يشكو للنبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وعثمان حين عرض عليهما ابنته حفصة، بعد أن مات زوجها خُنيس بن حذافة السهمي -رضى اللَّه عنه- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة”. وقد صدقت بشراه صلى الله عليه وسلم حيث تزوج هو من حفصة، وتزوج عثمان من أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم.

ودخلت أم عياش -خادمة النبي صلى الله عليه وسلم إلى السيدة أم كلثوم تدعوها للقاء النبي صلى الله عليه وسلم لأخذ رأيها في أمر الزواج من عثمان ؛ فلما أطرقت صامتة حياءً من النبي صلى الله عليه وسلم، عرف أنها ترى ما يراه ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان: “أزوجك أم كلثوم أُخت رقية، ولوكُنّ عشرًا لزوجتكهن” . فنال عثمان بن عفان بذلك الشرف لقب ذى النورين ؛ لزواجه من ابنتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فكلتاهما نور بحق، وظلت أم كلثوم في بيت عثمان زوجة له لمدة ست سنوات لا يفارقها طيف أختها رقية.

ولدت السيدة أم كلثوم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وشهدت ازدهار الإسلام وانتصاره على الكفر والشرك، وجاهدت مع باقى أسرتها، فشاركت أباها صلى الله عليه وسلم وأمها خديجة جهادهما، وعانت معهما وطأة الحصار الذي فرضه الكفار والمشركون على المسلمين في شِعْب أبي طالب، ثم هاجرت إلى المدينة المنورة مع أختها فاطمة بعد أن أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهن زيد بن حارثة ليصحبهن.

وشهدت فرحة انتصار المسلمين في بدر، وقد تشابهت ظروف أم كلثوم وأختها رقية -رضى اللَّه عنهما- حيث نشأتا سويّا في بيت النبوة، وخُطبا لشقيقين هما عتبة وعتيبة من أبناء أبي لهب وزوجته أم جميل، ولكن اللَّه أنقذهما وأكرمهما، فلم يبنيا بهما، وحرم ولدا أبي لهب من شرف زواجهما.

وفى السنة التاسعة من الهجرة، توفيت أم كلثوم دون أن تنجب؛ فأرخى النبي صلى الله عليه وسلم رأسها الشريف بجانب ما بقى من رفات أختها رقية في قبر واحد، مودعًا إياها بدموعه.

ورد في كتاب “سير أعلام النبلاء” للذهبي عن أم كلثوم:

” أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم البضعة الرابعة النبوية.

يقال تزوجها عتيبة بن أبي لهب ثم فارقها.

وأسلمت وهاجرت بعد النبي صلى الله عليه وسلم فلما توفيت أختها رقية تزوج بها عثمان وهي بكر في ربيع الأول سنة ثلاث فلم تلد له.

وتوفيت في شعبان سنة تسع. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لو كن عشراً لزوجتهن عثمان” حكاه ابن سعد.

وروى صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن أنس: أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء.

الواقدي: حدثنا فليح عن هلال بن أسامة عن أنس: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم جالساً على قبرها يعني أم كلثوم وعيناه تدمعان فقال: “فيكم أحد لم يقارف الليلة”. فقال أبو طلحة: أنا قال: “انزل”.

جاء في كتاب “أسد الغابة في معرفة الصحابة” لابن الأثير المؤرخ:

“أم كُلْثُوم بِنْت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأمها خديجة بِنْت خويلد.

قال الزبير: أم كُلْثُوم أسن من رقية ومن فاطِمَة. وخالفه غيره، والصحيح أنها أصغر من رُقيَّة، لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زوج رقية من عُثْمان، فلما توفيت زوّجه أم كُلْثُوم، وما كان ليزوج الصغرى ويترك الكبرى، والله أعلم. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد زوّج رقيّة وأم كُلْثُوم من عُتبة وعُتَيبة ابني أبي لهب، فلما أنزل الله عَزَّ وجَلّ: “تبّت يدا أبي لهب”، قال أبو لهب لابنيه: رأسي من رؤوسكما حرام إن لم تطلقا ابِنْتي مُحَمَّد. قالت أم جميل أمهما حمالة الحطب بِنْت حرب بن أميَّة لابنينها: إن رقية وأم كُلْثُوم قد صَبَتا، فطلقاهما. ففعلا، فطلقاهما قبل الدخول بهما. فزوج النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم رقية من عُثْمان، فلما توفيت زوجه أم كُلْثُوم رضي الله عنهم. وكان نكاحه إياها في ربيع الأول من سنة ثلاث، وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة، ولم تلد منه ولداً، وتوفيت سنة تسع، وصلى عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهي التي غسلتها أم عَطِية وحَكَّت قولَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر”. وألقى إليهم حَقْوَه، وقال: “أشعِرْنها إياه”، ونزل في قبرها علي، والفضل، وأسامة بن زيد، وقيل: إن أبا طلحة الأنصاريّ استأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في أن ينزل معهم، فأذن له، وقال: “لو أن لنا ثالثة لزوجنا عُثْمان بها”.

روى سعيد بن المسيّب: أن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم رأى عُثْمان بعد وفاة رقية مهموماً لهفان، فقال له: “ما لي أراكَ مهموماً؟” قال: يا رسول الله، وهل دخل على أحد ما دخل علي، ماتت ابنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم التي كانت عندي، وانقطع ظهري، وانقطع الصهر بيني وبينك. فبينما هو يحاوره إذ قال النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم: “يا عُثْمان، هذا جبريل عليه السلام يامرني عن الله عَزَّ وجَلّ أن أزوّجك أختها أم كُلْثُوم على مثل صَداقها، وعلى مثل عِشرتها”. فزوجه إياها.

أخرجها الثلاثة. واستدركها أبو موسى على ابن منده، وقد أخرجها ابن منده في بنات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأخرجها في الكاف مختصراً، فليس لاستدراكه وجه، والله أعلم”.