أم سليم بنت ملحان

أم سليم بنت ملحان
صابرة..ومهرها الإسلام

بشرها النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، فقال: ” دخلتُ الجنة، فسمعتُ خشفة (حركة) بين يدي، فإذا أنا بالغميصاء بنت ملحان” [متفق عليه].

أم سليم آمنتْ باللَّه، وآثرتْ الإسلام حين أشرقتْ شمسه على العالم، وتعلمتْ فى مدرسة النبوة كيف تعيش المرأة حياتها، تصبر على ما يصيبها من حوادث الزمان؛ كى تنال مقعد الصابرين فى الجنة، وتفوز بمنزلة المؤمنين فى الآخرة.

فقد فقدت “الرميصاء” ابنها الوحيد، وفلذة كبدها، وثمرة حياتها؛ حيث شاء اللَّه له يمرض ويموت ، فلم تبكِ ولم تَنُحْ، بل صبرتْ واحتسبتْ الأجر عند اللَّه، وأرادت ألا تصدم زوجها بخبر موت ابنه، وقررت أن تسوق إليه الخبر فى لطف وأناة، حتى لا يكون وقْع الخبر سيئًا.

عاد أبو طلحة، وقد كان غائبًا عن هذه الزوجة الحليمة العاقلة، فما إن سمعت صوت زوجها – حتى استقبلته بحفاوة وبوجه بشوش، وقدمت له إفطاره -وكان صائمًا- ثم تزينت له زينة العروس لزوجها ليلة العرس.

أقبل أبو طلحة يسألها عن الولد، وقد تركه مريضًا قبل أن يخرج، فتجيب فى ذكاء ولباقة: هو أسكن من ذى قبل.

ثم تتحيَّن الزوجة الصابرة الفرصة، فتبادره فى ذكاء وفطنة بكلمات يحوطها حنان وحكمة قائلة له: يا أبا طلحة…أرأيت لو أن قومًا أعاروا أهل بيت عارية، فطلبوا عاريتهم، أيمنعونهم؟! قال: ليس لهم ذلك، إن العارية مؤداة إلى أهلها. فلما انتزعت منه هذا الجواب، قالت: إن اللَّه أعارنا ابننا، ثم أخذه مِنَّا، فاحتسِبْه عند اللَّه.. قال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون. ووجد فى نفسه مما فعلت زوجته.

فلما لاح الفجر، ذهب أبو طلحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بما كان من زوجه أم سليم، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم:”بارك اللَّه لكما فى ليلتكما” [البخاري].

يقول أحد الصحابة: إنه وُلد لأم سليم وزوجها من تلك الليلة عبد اللَّه بن أبي طلحة فكان لعبد الله عشرة من الولد، كلهم قد حفظ القرآن الكريم، وكان منهم إسحق بن عبد الله الفقيه التابعي الجليل.

كانت أم سليم مؤمنة مجاهدة تشارك المسلمين فى جهادهم لرفع راية الجهاد والحق، فكانت مع أم المؤمنين السيدة عائشة – رضى اللَّه عنهما – يوم أُحد، فكانتا تحملان الماء وتسقيان العطشي. وفى يوم حنين جاء أبو طلحة يُضحك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أم سليم، فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر؟ فقالت: يا رسول الله إن دنا مني مشرك؛ بقرت به بطنه [ابن سعد].

ولم تكتف الرميصاء بالمشاركة فى ميدان الجهاد، بل اشتهرت مع ذلك بحبها الشديد للعلم والفقه، فعن أم سلمة -رضى الله عنها- قالت: جاءت أم سليم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فقالت: إن اللَّه لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غُسل إذا احتلمت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “إذا رأت الماء” (فغطَّتْ أم سلمة وجهها حياءً) وقالت: أو تحتلم المرأة؟

قال: “نعم. تَرِبَتْ يمينُكِ فبِمَ يُشْبِهُـهَا ولدُها؟” [البخاري].

وقد اختلفوا فى اسمها، فقيل، سهلة، وقيل: رُميلة. وقيل: رُميتة، وقيل: أنيفة، وتعرف بأم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد ابن حرام من الخزرج من بنى النجار، تربطها بالنبى صلى الله عليه وسلم صلة قرابة، ذلك أن بني النجار هم أخوال أبيه، وهي أخت حرام بن ملحان، أحد القراء السبعة، وأخت أم حرام زوجة عبادة بن الصامت .

تزوجت “مالك بن النضر” فولدت له أنس بن مالك.

وذات يوم جاءت أم سليم إلى زوجها مالك بن النضر -وكانت قد أسلمت، وهو لا يزال على شِركه – فقالت له: جئتُ اليوم بما تكره؟ فقال: لا تزالين تجيئين بما أكره من عند هذا الأعرابى (يقصد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم). قالت: كان أعرابيّا اصطفاه الله واختاره، وجعله نبيّا. قال: ما الذي جئتِ به؟ قالت: حُرِّمت الخمر. قال: هذا فراق بيني وبينك، فمَات مشركًا. وتقدم “أبو طلحة” إلى أم سليم ليخطبها، وذلك قبل أن يسلم، فقالت له: أما إني فيك لراغبة، وما مثلك يُرد، ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم؛ فذلك مهري، لا أسألك غيره. فأسلم أبو طلحة وتزوجها. وفى رواية أنها قالت: يا أبا طلحة ألستَ تعلم أن إلهكَ الذي تعبده خشبة نبتتْ من الأرض نَجَرَها حبشي بن فلان؟ قال: بلى. قالت: أفلا تستحيى أن تعبدها؟ لئن أسلمت لم أُرِدْ منك من الصداق غير الإسلام.فأسلم. قالت: يا أنس! زوِّج أبا طلحة. فكان ابنها وليَّها فى عقدها. قال ثابت: فما سمعنا بمهر قط كان أكرم من مهر أم سليم: الإسلام. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزور أم سليم -رضى الله عنها- ويتفقد حالها، فسُئل عن ذلك، فقال: “إنى أرحمها. قُتل أخوها معي” [الطبراني]. وأخوها هو “حرام بن ملحان” قتل فى بئر معونة شهيدًا فى سبيل الله.

تلك هي أم سليم، عاشت حياتها تناصر الإسلام، وتشارك المسلمين فى أعمالهم، وظلت تكافح حتى أتاها اليقين، فماتت، ودُفنتْ بالمدينة المنورة.رحمها الله تعالى ورضى الله عنها.

جاء في كتاب “سير أعلام النبلاء” للذهبي:

” أم سليم الغميصاء. ويقال: الرميصاء. ويقال: سهلة ويقال: أنيفة ويقال: رميثة.

بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصارية الخزرجية.

أم خادم النبي صلى الله عليه وسلم: أنس بن مالك.

فمات زوجها مالك بن النضر ثم تزوجها أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري فولدت له: أبا عمير وعبد الله.

شهدت: حنيناً وأحداً من أفاضل النساء.

قال محمد بن سيرين: كانت أم سليم مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعها خنجر.

حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن أم سليم اتخذت خنجراً يوم حنين فقال أبو طلحة: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر فقالت: يا رسول الله إن دنا مني مشرك بقرت به بطنه.

همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله عن جدته أم سليم: أنها آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فجاء أبو أنس وكان غائباً فقال: أصبوت فقالت: ما صبوت ولكني آمنت! وجعلت تلقن أنساً: قل لا إله إلا الله قل: أشهد أن محمداً رسول الله ففعل. فيقول لها أبوه: لا تفسدي علي ابني. فتقول: إني لا أفسده! فخرج مالك فلقيه عدو له فقتله: فقالت: لا جرم لا أفطم أنساً حتى يدع الثدي ولا أتزوج حتى يأمرني أنس.

فخطبها أبو طلحة وهو يومئذ مشرك فأبت.

خالد بن مخلد: حدثنا محمد بن موسى عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: إني قد آمنت فإن تابعتني تزوجتك قال: فأنا على مثل ما أنت عليه. فتزوجته أم سليم وكان صداقها الإسلام.

سليمان بن المغيرة: حدثنا ثابت عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: إنه لا ينبغي أن أتزوج مشركاً أما تعلم يا أبا طلحة أن آلهتكم ينحتها عبد آل فلان وأنكم لو أشعلتم فيها ناراً لاحترقت قال: فانصرف وفي قلبه ذلك ثم أتاها وقال: الذي عرضت علي قد قبلت. قال: فما كان لها مهر إلا الإسلام.

مسلم بن إبراهيم: أخبرنا ربعي بن عبد الله بن الجارود الهذلي: حدثني الجارود: حدثنا أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور أم سليم فتتحفه بالشيء تصنعه له وأخ لي أصغر مني يكنى أبا عمير فزارنا يوماً فقال: مالي أرى أبا عمير خاثر النفس قالت: ماتت صعوة له كان يلعب بها فجعل النبي يمسح رأسه ويقول: “يا أبا عمير ما فعل النغير؟”.

همام: حدثنا إسحاق بن عبد الله عن أنس قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل بيتاً غير بيت أم سليم. فقيل له. فقال: “إني أرحمها قتل أخوها معي”.

قلت: أخوها هو حرام بن ملحان الشهيد الذي قال يوم بئر معونة: فزت ورب الكعبة لما طعن من ورائه فطلعت الحربة من صدره. رضي الله عنه.

أيوب عن ابن سيرين عن أم سليم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيل في بيتي وكنت أبسط له نطعاً فيقيل عليه فيعرق فكنت آخذ سكاً فأعجنه بعرقه.

قال ابن سيرين: فاستوهبت من أم سليم من ذلك السك فوهبت لي منه.

قال أيوب: فاستوهبت من محمد من ذلك السك فوهب لي منه فإنه عندي الآن.

قال: ولما مات محمد حنط بذلك السك.

رواه ابن سعد عن عبد الله بن جعفر الرقي عن عبيد الله بن عمرو عنه.

ابن سعد: أخبرنا عبد الله بن جعفر: حدثنا عبيد الله عن عبد الكريم عن البراء بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بيت أم سليم على نطع فعرق فاستيقظ وهي تمسح العرق فقال: “ما تصنعين”؟ قالت: آخذ هذه البركة التي تخرج منك.

ابن جريج عن عبد الكريم بن مالك: أخبرني البراء بن بنت أنس عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سليم وقربة معلقة فشرب منها قائماً فقامت إلى في السقاء فقطعته.

رواه عبيد الله بن عمرو فزاد: وأمسكته عندها.

عفان: حدثنا حماد: أخبرنا ثابت عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يحلق رأسه بمنى أخذ أبو طلحة شق شعره فجاء به إلى أم سليم فكانت تجعله في سكها. قالت: وكان يقبل عندي على نطع وكان معراقاً صلى الله عليه وسلم فجعلت أسلت العرق في قارورة فاستيقظ فقال: “ما تجعلين”؟ قلت: أريد أن أدوف بعرقك طيبي.

حميد الطويل: عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سليم فأتته بسمن وتمر. فقال: إني صائم ثم قام فصلى ودعا لأم سليم ولأهل بيتها فقالت: إن لي خويصة قال: “ما هي”؟ قالت: خادمك أنس فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به وبعثت معي بمكتل من رطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى ثابت عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدي فإذا أنا بالغميصاء بنت ملحان.

وروى عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: ولدت أمي فبعثت بالولد معي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: هذا أخي فأخذه فمضغ له تمرة فحنكه بها.

قال حميد: قال أنس: ثقل ابن لأم سليم فخرج أبو طلحة إلى المسجد فتوفي الغلام. فهيأت أم سليم أمره وقالت: لا تخبروه فرجع وقد سيرت له عشاءه فتعشى ثم أصاب من أهله. فلما كان من آخر الليل قالت: يا أبا طلحة ألم تر إلى آل أبي فلان استعاروا عارية فمنعوها وطلبت منهم فشق عليهم. فقال: ما أنصفوا قالت: فإن ابنك كان عارية من الله فقبضه فاسترجع وحمد الله.

فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: “بارك الله لكما في ليلتكما”.

فحملت بعبد الله بن أبي طلحة فولدت ليلاً فأرسلت به معي وأخذت تمرات عجوة فانتهيت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يهنأ أباعر له ويسمها فقلت: يا رسول الله ولدت أم سليم الليلة.

فمضغ بعض التمرات بريقه فأوجره إياه فتلمظ الصبي فقال: “حب الأنصار التمر” فقلت: سمه يا رسول الله. قال: “هو عبد الله” سمعه الأنصاري وعبد الله بن بكر منه.

وروى سعيد بن مسروق الثوري عن عباية بن رفاعة قال: كانت أم أنس تحت أبي طلحة فذكر نحوه. وفيه فقال رسول الله: “اللهم بارك لهما في ليلتهما”.

قال عباية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبع بنين كلهم قد ختم القرآن. رواه أبو الأحوص عنه.

روت: أربعة عشر حديثاً اتفقا لها على حديث وانفرد البخاري بحديث ومسلم بحديثين”.