أمينة السعيد

أمينة السعيد
(1914 – 1995)

من رائدات الحركة النسائية المصرية.

بعض المصادر ذكرت أنها ولدت بأسيوط في عام 1919م. ولكن البحث الدقيق يشير إلى أنها ولدت عام 1914م وليس في ذلك من تواريخ. ويؤكد أنها ولدت بالقاهرة وليس بأسيوط. وقدر لها أن تنتقل إلى رحاب الله عام 1995 وليس غير ذك من تواريخ خاطئة. وتكون بذلك عاشت على هذه الأرض 81 عاما.

في إذاعة صوت العرب تحدثت أمينة السعيد عن والدها وهو من “محافظة الدقهلية” ، وكيف أنه لم يكن به جمال يستهوي المرأة . وروت أمينة السعيد عن والدها وهو على فراش الموت .. جمع الوالد بناته وطلب منهم أن يقسمن أمامه أنهن لن يتزوجن إلا بعد إتمام التعليم الجامعي مهما كانت الظروف ، وحفظت البنات هذا العهد. كن خمسا من البنات.. عزيزة وكريمة أرسلهما الوالد المستنير إلى إنجلترا للدراسة هناك. وأدخل أمينة وعظيمة المادرس بالقاهرة لتعلما باللغة الإنجليزية. أما فاطمة فقد إختارها الله إلى جواره في فترة باكرة. وإذا كان الوالد أسمر اللون ومن الدقهلية فإن الأم من القاهرة. وكان الوالد “الدكتور السعيد” من الأطباء المشهورين في أسيوط.. أخلاق وعلم وطنية، وشارك في ثورة 1919. يدعو وينظم ويحرك ويقود. إعتقلته السلطات البريطانية وابعدته عن أسيوط وعن أسرته لمدة ثلاثة أشهر ، ثم أفرج عنه بعد أن هدأت الأمور. هذا الوالد الوطني المستنير المحبوب من عارفيه شجع إبنته “أمينة” على أن تدخل الجامعة ، أما أمها فقد أصيبت بأزمة قلبية بعد أن عرفت أن إبنتها تخالط في هذا المجال الرجالة من أساتذة وزملاء ، وأنها أيضا تكتب قصصا إجتماعية وتذهب مع زميلها في الجامعة “مصطفى أمين” الكاتب الصحفي الكبير فيما بعد إلى مجلة “آخر ساعة” لتنشر محاولاتها في كتابة القصص الإجتماعية ، وأنها تذهب مع زميلها “محمد فتحي” الذي إشتهر – فيما بعد – بأنه كروان الإذاعة ، تذهب إلى دار الإذاعة تجرب حظها مع الهواة في لقطة أول قطتين .

نشأت أمينة في أسيوط ودرست باللغة الإنجليزية في مدرسة شبرا ، وجاء أوان الإلتحاق بالجامعة. الوالد متحمس للفكرة وحريص على ألا تتزوج بناته إلا بعد التخرج من الجامعة. وتمت خطبة “أمينة” إلى شاب خطواته سريعة إلى سلك التدريس بكلية الزراعة ولكن عليه أن ينتظر سنوات أربعا إلى أن تتخرج أمينة في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول حسب تعليمات السيد الوالد.

وإلتحقت “أمينة السعيد” بالجامعة ، وكانت أول من شجع البنات المصريات على ممارسة الألعاب الرياضية. وإرتدت الشورت وهي تلعب التنس في ساحة الجامعة ، وخلعت غطاء الرأس ولكنها تحرص دائما على كرامة الفتاة المصرية في التعليم الجامعي. وإذا كانت قد سعدت بوالدها فقد سعدت أيضا بخطيبها والي أصبح زوجها بعد تخرجها في الجامعة “الدكتور عبد الله” عضو هيئة التدريس بكلية الزراعة. متفتح مستنير حافظ على عهد أمينة لوالدها وظلا مخطوبين لأربع سنوات حتى إنتهت من دراستها الجامعية .. حريص على تعليمها وعملها. كانت عنده سيارة يقوم بتوصليها إلى الجامعة أو إلى مجلية آخر ساعة وإلأى الإذاعة ، ثم يعود بها بعد الإنتهاء من مشاويرها. وبعد الزواج كان يناديها دائما ب”أمينة هانم”.

وخلال فترة الدراسة كان زميلها في الجامعة “مصطفى أمين” قد قدمها إلى “محمد التابعي” الصحفي المعروف وقت ذلك ، فقدمت له بعض القصص الإجتماعية وقدمها زميلها “محمد فتحي” إلى الإذاعة لتعمل بالقطعة تترجم بعض القصص عن الإنجليزية وتلقيها بصوتها في الميكروفون. وكان خطيبها – يذهب بها إلى مشاويرها ويعود بها إلى بيتها. وهكذا فتح لها “مصطفى أمين” أبواب الصحافة وفتح لها “محمد فتحي” أبواب الإذاعة و”فتح الله لها أبواب الزواج”. وتقول “أمينة السعيد” إنها ليست من صنف النساء المعقدات ضد الرجال دون أسباب معقولة.. فالرجل والدها رباها بإستنارة وحرص على تعليمها مع حقه في الإشراف والرقابة ، والرجل “مصطفى أمين” أوصلها إلى الصحافة مع الإلتزام بحدود الزمالة ، والرجل الآخر “محمد فتحي” قدمها إلى الإذاعة مع الإحترام والمعاملة الكريمة.

تخرجت أمينة ووجدت فرصتها في “دار الهلال” وهنا تشهد “أمينة لصاحبي دار الهلال “إميل وجرجي زيدان” بالحرص على تولي أمورها ورعايتها وحراستها وتشجيعها وعلى حد قولها حمايتها من الرجال الذين حسبوا أنها “لقمة سائغة لهم” ، وفي مجلة المصور بدات بباب “إسألوني” الذي لازمها وعرفت به .. ترد على أسئلة القراء وعرفت بسهولة العبارة وصفاء الأسلوب وعذوبة النفس والروح بكل ما تكتب. واصبحت أول كاتبة بعد “باحثة البادية” تهتم بالشؤون الإجتماعية إهتماما شخصيا متصلا بالحياة العامة. وهكذا دخلت “أمينة السعيد” الصحافة من باب “إسألوني” وزادت الألفة بينها وبين الصحافة وبين دار الهلال ، ترأست تحرير “مجلة حواء” وترأست تحرير مجلة “المصور” وترأست مجلس إدارة “دار الهلال” ، وكانت أول صحافية مصرية تزور الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتي بحكم عملها الصحفي. وأصبحت وكيلة نقابة الصحفيين وعضوا بالمجلس الأعلى للصحافةز وبعد الإحالة إلى المعاش أصبحت مستشارة لدار الهلال وعضوا بالمجالس القومية المتخصصة ، وعضوا بمجلس الشورى لدورتين. وكان من الطبيعي أن تهتم “أمينة السعيد” بالنشاط النسائي ، ووجدت من قائدة النشاط النسائي في مصر “هدى شعراوي” التقدير والتشجيع وعاونتها في القيام برحلات مختلفة إلى الخارج كانت أهمها “الرحلة إلى الهند” وكانت ثمرة تلك الرحلة كتابها المهم “مشاهداتي في الهند”. وقد هزتها الصراعات الدامية بين الهندوس والمسلمين والدماء التي تسيل من أجل بقرة. وأمينة بطبعا وطبيعتها تنفر من التعصل والخلافات الدينية والعرقية ، وهذا السلوك إنعكس في سائر كتبها ومقالاتها وردودها على القراء من الشباب والشابات والرجال والنساء. ومن الكتب التي صدرت لها كتاب “وحي العزلة” و”أوراق الخريف”.

وأصبحت أمينة السعيدة رائدة ثورية في مجال افكر الإجتماعي بصفة عامة ، وفي مجال التطور النسائي بصفة خاصة. وكانت ترى أن الزوجة بلا كرامة والزوجة المحرومة من السعادة هي إمرأة في أجازة عن العطاء وعن المشاركة في بناء الوطن. ولم تكن في تحرير بابها الشهير “إسألوني” مجرد محررة تتلقى الرسائل وتقوم بالرد عليها ، ولكنها كانت تشعر بمسئوليتها إزاء حل مشكلات القراء والقارئات. تقوم بالإتصالات الشخصية والتحقق من المشكلات.

يقول الذين عملوا معها في دار الهلال إنها تميزت بالنظرة النافذة والرأي الثاقب ، وكان لها من وعيها بالمجتمع وهمومه ماليس للكثيرات والكثيرين ، فإذا سئلت فجوابها عن دراية ورشاد ، وإذا كتبت فعن دراسة وسداد صحيح أنها تعلمت وتخرجت في جامعة ، ولكن دراستها للحياة الإجتماعية وخبراتها العميقة بالمجتمع وأحواله كانت أعظم وأعمق. وكانت لا تعجبها آراء وأقوال وأفكار متسرعة من بنات جنسها. إقترحت إحداهن مرة إحالة المرأة العاملة إلى المعاش المبكر وهي في سن الأربعين. إمتشقت “أمينة السعيد” قلمها ووقفت في وجه تلك الدعوة ووصفتها بأنها تلتقي دون أن تدري مع الدعوة المنادية بعودة المرأة إلى البيت. وكان مما قالته أن الدعوة إلى المعاش للمرأة في سن الأربعين هي مجرد تأجير العودة إلى البيت بعد مدة محدودة من العمل. ولم أر قلما أكثر حدة من قلمها ولا صوتا أعلى من صوتها عندما أطلت فتنة بهذا الوطن العزيز. إمتشقت قلمها وإرتفع صوتها ضد التطرف والمتطرفين مؤكدة وحدة هذا الشعب العظيم. وقالت إن المتطرفين والمتعصبين يعملون على تقسيم الشعب وفي الوقت ذاته يعملون على تقسيم المصريين إلى رجال ونساء بدعوى التقوى المزعومة وينصبون أنفسهم لتحديد الحلال من الحرام ، ويزعمون أنهم قوامون على الدين والدين الصحيح منهم براء. وأعادت إلى الذاكرة أصواتا إرتفعت في وجهها عندما كانت طالبة بالجامعة وشاركت في ندوة عن مسرحية أمير الشعراء “أحمد شوقي” – مجنون ليلى – خرجت الأصوات تقول: “وداعا للحياء” لأن فتاة جامعية شاركت في الحديث عن مجنون ليلى. كانت “أمينة السعيدة” من أكثر النساء طلبا لحقوق المرأة وكان لأسلوبها وجرأتها في إقتحام الموضوعات أثر هائل في تشكيل الكيان الإجتماعي ، وتحريرالمرأة من علادات والتقاليد المتوارثة. رحم الله أمينة السعيد إبنة وطالبة وأما وأستاذة عظيمة.