أفلوطين

أفلوطين
204- 270 م

ولد أفلوطين في ليكوبوليس إحدى مدن مصر قديماً ونشأ في الاسكندرية حيث درس الفلسفة على أمونيوس السقّا. رافق الامبراطور الروماني غورديانوس إلى الشرق في حملة ضد الفرس قاصداً من ذلك الوصول إلى الهند للتعرف على الحكمة الهندية. وبعد هزيمة غورديانوس فرّ أفلوطين إلى روما حيث أخذ يعلّم وضم إليه نخبة من التلامذة ورجال الفكر.

بدأ أفلوطين التأليف وهو في سن التاسعة والأربعين. وقد جمع تلميذه فرفوريوس الصوري ما كتبه وحاضر فيه أفلوطين في مؤلف عرف بالتاسوعيات الذي يضم أربع وخمسين رسالة صغيرة جمعت في ست مجموعات تحتوي الواحدة منها على تسع رسالات تبحث في موضوعات مختلفة، إذ تتناول التاسوعة الأولى البحث بالإنسان والأخلاق، والثانية والثالثة العالم المحسوس والعناية الإلهية، والرسالات الباقية تبحث في النفس والعقل والواحد أي الخير.

تدور فلسفة أفلوطين حول موضوعين رئيسيين: الأول ديني حول مصير النفس وطريقة تنقيتها وإعادتها إلى طهارتها الاولى؛ والثاني فلسفي يتناول تركيب الكون وتفسيره تفسيراً عقلياً. ويقول أفلوطين في هذا المجال متحدثاً عن النفس “إن النفس البشرية التي جُعلت في الجسد هي عرضة للشر والألم. وهي تعيش في الشقاء والخوف والشوق والشرور. والجسد لها بمثابة سجن ولحد، والعالم بمثابة كهف ومغارة”… ” فالنفس في طبيعتها نقية طاهرة، لكن اتصالها بالمادة يفقدها نقاوتها من دون أن يدخل ذلك تغييراً في وجودها”.

هذا الكلام اقتبسه أفلوطين عن أفلاطون ووجده في الكثير من الديانات التي كانت قائمة آنذاك وبينها المسيحية. لكنه ذهب إلى ابعد من الاثنين عندما أكد أن الفلسفة العقلية تظل ذات قيمة دينية وأن قضية المصير الإنساني تظل ذات معنى في عالم تترتب فيه الأشياء وفاقاً لمقتضيات القوانين العقلية.

يقوم الثالوث الأفلوطيني على ثلاث ركائز: النفس والعقل أو العالم المعقول والواحد أو الخير. ويحدد للنفس دور صلة الوصل بين العالم العقلي والعالم الحسي. وهذا يقود إلى البحث في نظرية الفيض التي قال بها أفلوطين: “ففي القمة نجد الواحد وعنه يفيض العقل وعن العقل تفيض النفس. وكل مرتبة من هذه المراتب تحتوي جميع الكائنات. فالواحد يحوي كل شيء من دون تمييز، والعقل يحوي جميع الكائنات لكنها متميزة متضامنة. اما في النفس فإن هذه الكائنات تتميز حتى إذا ما وصلت إلى العالم المحسوس انفصلت وانتشرت”.

يؤكد أفلوطين أن النفس هي واحدة في جوهرها وأن تعدد الأنفس لا يعني خلق أنفس جديدة. وبعد حلول النفس في الجسد تظهر بعض القوى كالذاكرة والإحساس والإدراك، وهي جميعاً دليل ضعف لأن هذه القوى تحد من حياة النفس الروحية، لأن النفس تعيش خارجاً عن الزمان وبعيدة عن المحسوسات ولأن “التفكير معدوم في الأزل”.

وبعد أن تعود النفس إلى ذاتها، بعد أن تكون قد منحت العالم المحسوس نظاماً وحياة، ترقى إلى مُبدإها وهو العقل أي الأقنوم الثاني في الثالوث الأفلوطيني. ويرى أفلوطين أن العقل لا يكون عقلاً إلا إذا تلقى من الواحد نوراً ووجد في الواحد ما يمكّنه من اكتشاف النِّسب الثابتة وفهمها.

قبل أفلوطين قال الرواقيون بأن جميع الكائنات تحصل على وجودها من الواحد، وإن هذا يتم عبر مراحل. فالواحد من حيث هو كامل يفيض، يعطي العقل ما ليس فيه أي الخير. وهذا بدوره يجزّء القدرة التي منحت إليه ويعددها ليتمكن من احتمالها جزءاً جزءاً.

في فكر افلوطين الكثير من الصوفية. فهو يتحدث عن أن الخير هو الهدف الأعلى الذي تبلغه النفس المحبة، وليس حب الأشياء المحسوسة. “فما دام المتحبون متعلقين بالمظهر المحسوس فإنهم لا يحبون”. فالحب الصوفي عنده هو الحب الحقيقي الكامل الذي لا يتعلق بموضوع معين محدد. ولا يتحقق هذا الحب إلا بعد عناء ولا يكون إلا لمن أعرض وابتعد عن الأمور الحاضرة وجرّد نفسه من جميع الصور. حينئذ تشعر النفس بصدمة وتشاهد الحقيقة.

تحدث أفلوطين عن الله فقال: “هو هنا وهناك في كل مكان. فالطبيعة الإلهية غير متناهية، فلا حد لها، وهذا يعني أنها لا تغيب أبداً. وإن كانت لا تغيب فهي حاضرة في جميع الأشياء”.