أصل العداوة بين الغراب والبوم

أصل العداوة بين الغراب والبوم

قال الغراب: زعموا أن جماعة من الطير لم يكن لها ملك وأنها اجتمعت على بوميّ لتملّكه. فبينما في مجمعها إذ رفع لها غراب فقال بعضهن: انتظرن هذا الغراب فنستشيره في أمرنا. فأتاهن الغراب فاستشرنه، فقال الغراب: لو أن الطير بادت وفقد الطاووس والكركيّ والبط والحمام لما اضطررتن إلى تمليك البوم، أقبح الطير منظراً، وأسوئها مخبراً، وأقلها عقولاً، وأشدها غضباً، وأبعدها رحمة، مع ما بها من الزمانة والعشاء بالنهار. ومن شر أمورها سفهها وسوء خلقها إلا أن تملكنها وأنتن المدبرات للأمور دونها برأيكن وعقولكن. فإذا كان الملك جاهلاص ووزراؤه صالحين نفذ أمره وتم رأيه واستقام علمه ودامت مملكته كما فعلت الأرنب التي زعمت أن القمر ملكها وعملت برأيه كأنها مرسلة منه.

قالت الطير: وكيف كان ذلك؟

مثل ملك الفيلة ورسول الأرانب

قال الغراب: زعموا أن أرضاً من أراضي الفيلة تتابعت عليها السنون فأجدبت وقلّ ماؤها وغارت عيونها فأصابت الفيلة عطش شديد فشكوا ذلك إلى ملكهم. فأرسل ملك الفيلة رسله وروّاده في التماس الماء في كل ناحية. فرجع إليه بعض رسله فأخبروه أنهم وجدوا بمكان كذا وكذا عيناً تدعى القمرية كثيرة الماء. فتوجّه ملك الفيلة بفيلته إلى تلك العين ليشربوا منها وكانت الأرض أرض أرانب، فوطئت الفيلة الأرانب في أجحارها ومجاثمها، فاجتمعت الأرانب إلى ملكهن فقلن: قد علمت ما أصابنا من الفيلة فاحتل لنا قبل رجوعهم، فإنهم إذا رجعوا لوردهم أهلكونا.

قال الملك: ليحضرنّ كل ذي رأي منكن رأيه. فتقدم خزرٌ منها يدعى فيروز كان الملك قد عرفه بالأدب والرأي، فقال: إن رأى الملك أن يبعثني إلى الفيلة ويبعث معي أميناً يرى ويسمع ما أقول وأصنع ليخبر به الملك فليفعل.

قال ملك الأرانب: أنت أميني ونحن نرضى بك وبرأيك ونصدّق قولك فانطلق إلى الفيلة وبلّغ عني ما أحببت واعمل برأيك، واعلم أن الرسول به وبرأيه يعتبر عقل المرسل وكثير من شأنه. وعليك باللين والمؤاتاة فإن الرسول هو الذي يلين القلب إذا رفق ويخشّن الصدر إذا خرق.

فانطلق الخرز في ليلة فيها القمر طالع حتى انتهى إلى الفيلة، وكره أن يدنو منهن فيطأنه وإن هنّ لم يردن ذلك. فأشرف على تلّ فنادى: يا ملك الفيلة إنه أرسلني إليك القمر والرسول مبلّغ غير ملوم وإن أغلظ.

قال ملك الفيلة: وما الرسالة؟

قال فيروز: يقول القمر إنه من عرف فضل قوته على الضعفاء فاغترّ لذلك بالأقوياء كانت قوته خبالاً له. وقد عرفت فضل قوتك على الدواب فغرّك ذلك مني فعمدت إلى عيني التي تسمى باسمي فشربت ماءها وقذّرتها وكدّرتها بفيلتك. وإني أتقدم إليك وأنذرك أن تعود فأغشي بصرك واتلف نفسك. وإن كنت في شك من رسالتي فهلمّ إلى العين من ساعتك فإني موافيك فيها.

فعجب ملك الفيلة في قول فيروز، فانطلق إلى العين معه فنظر إليها فرأى ضوء القمر فقال له فيروز: هذ بخرطومك من الماء فاغسل وجهك واسجد للقمر. فأدخل الفيل خرطومه في الماء فتحرّك، فخيّل إليه أن القمر ارتعد فقال: ما شأن القمر ارتعد؟ أتراه غضب عليّ لإدخالي خرطومي في الماء؟ فقال فيروز: نعم فاسجد له ثانية. فسجد الفيل للقمر مرة أخرى وتاب إليه مما صنع به، وشرط له ألا يعود إلى تلك العين هو ولا شيء من فيلته.

قال الغراب: ومع ما ذكرت من أمر البوم أن من شأنها الخبّ والمكر والخديعة. وشرّ الملوك المخادع ومن ابتلي بسلطان المخادعين وحكّمهم أصابه ما أصاب الصفرد والأرنب اللذين حكّما السنور الصوام؟

مثل الصّفرد والأرنب والسّنّور الصّوّام

قال الغراب: كان لي جار من الصفارد في سفح جبل، وجحره قريب من الشجرة التي فيها وكري، فكان يكثر التقاؤنا ومواصلتنا على جوارنا. ثم فقدته فلم أدر أين غاب، وطالت غيبته حتى ظننت أنه قد هلك. فجاءت أرنب إلى مكان الصفرد ولبثت في ذلك المكان زماناً. ثم إن الصفرد رجع إلى مكانه، فلما وجد الأرنب فيه قال: هذا مكان فانطلقي عنه.

قالت الأرنب: المسكن في يدي، وأنت المدّعي، فإن كان لك حق فاستعد عليّ.

قال الصفرد: المكان مكاني، ولي على ذلك البيّنة.

قالت الأرنب: نحتج إلى القاضي.

قال الصفرد: إن قريباً منا على شاطئ البحر سنّوراً متعبداً يصلي النهار كله لا يؤذي دابة ولا يريق دماً، ويصوم الدهر لا يفطر، عيشه من العشب وورق الأشجار، فاذهبي الليلة إليه أحاكمك.

قالت الأرنب: نعم. فانطلقا جميعاً وتبعتهما لأنظر إلى الصوام العابد الزاهد وإلى قضائه بينهما، فلما صارا إلى السنوا قصّا عليه قصتهما.

فقال السنور: أدركني الكبر وضعف البصر، وثقلت أذناي فما أكاد أن أسمع فادنوا مني فأسمعاني قريباً. فأعادا القصة فقال: “قد فهمت ما قصصتما وأنا بادئكما بالنصيحة قبل القضية، فآمركما ألاّ تطلبا إلا الحق. فإن طالب الحق هو الذي يفلح وإن قضي عليه، وطالب الباطل مخصوم. وليس لصاحب الدنيا من دنياه شيء من مال ولا صديق إلا عمل صالح قدّمه. فذو العقل حقيق ويمقت ما سوى ذلك. ومنزلة المال عند العاقل منزلة المدر. ومنزلة الناس عنده فيما يحب لهم من الخير ويكره لهم من الشر منزلة نفسه”. فلم يزل يقص عليهما ويستأنسان فيدنوان منه حتى وثب عليهما فضمّهما إليه فقتلهما جميعاً.

قال الغراب: فالبوم يجمعن مع سائر ما وصفت لكم المكر والخديعة فلا يكوننّ تمليك البوم من رأيكن. فلما سمع الطير خطبة الغراب أضربن عن رأيهن ولم يملّكن البوم.

وكان هناك بومة حاضرة سمعت كلام الغراب فقالت له: لقد وترتني أعظم التّرة، فما أدري هل كان سلف مني إليك سوءٌ استحققت به هذا منك؟ وإلاّ فاعلم أن الفؤوس يقطع بها الشجر فتنبت وتعود، والسيف يقطع به اللحم والعظم فيندمل ويلتئم، واللسان لا يندمل جرحه، والنصل من النشابة يغيب في الجوف ثم ينزع، وأشباه الأنصال من القول إذا وصلت إلى القلب لم تنزع ولم تستخرج. ولك حريق مطفئ، فللنر الماء، وللسم الدواء، وللعشق القرب، وللحزن الصبر، ونار الحق لا تخبو. وإنكم معاشر الغربان قد غرستم بيننا أبداً شجرة الحقد والبغضاء.

فقضت البوم مقالتها هذه وولت مغضبة وانصرفت موتورة، وندم الغراب على ما فرط منه، وقال في نفسه: “لقد خرقت فيما كان من قولي الذي جلبت به العداوة على نفسي وعلى قومي، ولم أكن أحقّ الطير بهذه المقالة ولا أعبأها بأمر ملكها. ولعلّ كثيراً قد رأوى الذي قد رأيت وعلموا الذي قد علمت فمنعهم من الكلام فيه اتقاء ما لم أتق والنظر فيما لم أنظر فيه من العاقبة. ثم لا سيما إذا كان الكلام مواجهة، فإن الكلام الذي يستقبل فيها قائله السامع بما يكره مما يورث الحقد والضغينة ولا ينبغي له أن يسمى كلاماً ولكن يسمّى سمّاً. فإن العاقل وإن كان واثقاً بقوله وفضله لا يحمله ذلك على أن يجني على نفسه عداوة وبغضاً اتكالاً على ما عنده من الرأي والقوة. كما أن العاقل لا يشرب السم اتكالاً على ما عنده من الترياق، وصاحب حسن العمل وإن قصّر به القول في بديهته تبين فضله عند الخبرة وعاقبة الأمر. وصاحب القو وإن هو أعجب ببديهته وحسن صفته فلا يحمد مغبّة أمره. وأنا صاحب القول الذي لا عاقبة له محمودة. أوليس من سفهي اجترائي على التكلم في الأمر الجسيم لا أستشيره فيه أحداً ولا أتروّى فيه مراراً، وأنا أعلم أن من لم يستشر الفصحاء الألبّاء بتكرار النظر والروية لم يسرّ بمواضع رأيه. فما كان أغناني عما كسبت في يومي هذا وما وقعت فيه”.

فعاتب الغراب نفسه بهذا ثم انطلق.

فهذا ما سألتني عنه من العلة التي بدأت بها العداوة بين البوم والغربان.

قال الملك: قد فهمت هذا، فحدّثنا بما نحن أحوج إليه وأشر علينا برأيك والذي ترى أن نعمل به فيما بيننا وبين البوم.

قال: أما القتال فقد فرغت من رأيي فيه وأعلمتك كراهتي له. ولكن عندي من الرأي والحيلة غير القتال، وأنا أرجو أن أقدر من الحيل على بعض ما في فرج. فإنه رُبّ قوم قد احتالوا بآرائهم للأمر الجسيم حتى ظفروا منه بحاجتهم التي لم يكونوا يقدرون عليها بالمكثرة، كالنفر الذين مكروا بالنساك حتى ذهبوا بعريضه.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟