أبو قرة (ثاودورس)

أبو قرة (ثاودورس)
(توفي – 830م)

هو أحد آباء الكنيسة الشرقية وعلم من أعلام اللاهوتيين المسيحيين العرب

ولد في الرها في أواسط القرن الثامن الميلادي، وفيها تلقى العلم أولاً، ثم ترهّب في دير القديس مار سابا (قرب القدس) حيث كان ذكر القديس يوحنا الدمشقي [ر] لا يزال حيّاً يملأ الأرجاء فطالع كتاباته وتخرّج فيها انتخب مطراناً على الملكية في حرّان في أواخر القرن الثامن، لكن أسقفيته عليها وإقامته فيها لم تطولا، لأسباب لا تزال مجهولة، فعاد إلى مار سابا استعان به بطريرك بيت المقدس الملكي توما في الحوار مع الكنيسة الأرمنية، فأنشأ أبو قرة لهم باسم البطريرك سنة 812م رسالة في العقيدة ثم تحوّل أسقف حرّان السابق إلى داعية متجوّل يدافع عن الدين المسيحي وعن تعليم المجمع الخلقيدوني وعن إكرام الصور المقدّسة مجادلاً النساطرة واليعاقبة ومحاوراً المسلمين فطاف في البلاد يعظ ويعلّم، حتى بلغ أرمينية حيث خاض، سنة 815م في أغلب الظن، غمار مناظرة مشهورة في بلاط أميرها آشور مسّاكر (المتوفى سنة 826) وأقام مدة في بغداد على ما يبدو وقد توفي سنة 830م

كان أبو قرة يجيد لغات العلم الثلاث في عصره: السريانية واليونانية والعربية، وقد كتب فيها كلّها في السريانية وضع ثلاثين ميمراً (أي مقالاً) مدحاً لرأي الأرثوذكسية كما يخبر هو بنفسه، لكنها لا تزال حتى الآن مفقودة وفي اليونانية نُشر له 44 مقالة بعضها وجيز جداً في أقل من صفحة واحدة وبعضها في حجم كتيّب صغير

لكن شهرة ثاودورس أبي قرة ومكانته قامتا على مصنفاته العربية التي تفوق اليونانية حجماً وأهمية، وإن كانت دونها عدداً، إذ لا يتعدّى مجموع ما عُرف منها حتى الآن الثلاثين بين ميمر ورسالة وعظة وما شاكلها ويعود الفضل الأكبر في اكتشاف أبي قرة العربي ونشره وتعريفه إلى الخوري قسطنطين الباشا المخلّصي، وإن كان القس يوحنا أرنْدْزِنْ قد سبقه إلى نشر المقال «في إكرام الإيقونات» (في بون سنة 1897) ثم لحق بهما الأب لويس شيخو اليسوعي فاكتشف المقال «في وجود الخالق والدين القويم» ونشره في مجلة «المشرق» على دفعتين (سنة 1912 المجلدة 15) واهتم المستشرقون بأبي قرة العربي اهتماماً بالغاً وقد نقل معظم آثاره إلى الألمانية الأب العلامة جورج غراف شيخ الباحثين في التراث المسيحي العربي ومما يجدر ذكره أن كثيراً من آثار أبي قرة قد نقل قديماً إلى اللغة الجورجية، بل إن بعضها لم يصل إلى الباحثين إلا بهذه اللغة

وأبو قرة علاوة على كل ما تقدم يعد من نقلة الفلسفة اليونانية إلى العربية ومن الرعيل الأول منهم يذكر له ابن النديم في الفهرست تعريب أحد كتب أرسطو المنطقية: التحليلات الأولى وتنسب إليه المخطوطات نقل مؤلفَين آخرين منسوبين إلى أرسطو ويعدّ الجاحظ في كتاب الحيوان أبا قرة في جملة النقلة المجيدين

اطلع أبو قرة على الفكر الفلسفي اليوناني بشقيه الأرسطاطاليسي والأفلاطوني الحديث

وقد أفاد منه في إيضاح العقائد المسيحية والدفاع عنها, فعاب عليه ذلك بعض خصومه ووصموه بالفيلسوف ازدراء ويلمس تأثره بمذهب أرسطو بالذات في ثقته العظيمة بالعقل، فهو يعتقد فيه القدرة على إدراك حقيقة الموجودات في نظرية واقعية للمعرفة، واستطاعة معرفة الله عن طريق المماثلة

إلا أن المصدر الأساسي لفكر أسقف حرّان يظل الكتاب المقدس الذي يعرفه حق المعرفة، ويكثر من اعتماده فبعد أن يتحقق العقل أن الكتب المقدسة القديمة والجديدة هي من عند الله يصير لزاماً عليه «أن يؤمن بما قالت هذه الكتب بلغته معرفته أم لم تبلغه فنحن نقبل ما قالت هذه الكتب بالإيمان ولو كانت عقولنا لا تجد سبيلاً إلى تحقيق قولها<

وقد قرأ أبو قرة آباء الكنيسة وألف كتاباتهم وهو يجلّهم إجلالاً كبيراً وله فيهم هذا القول: «درجتهم في الكنيسة فوق مراتبها كلها بعد مرتبة السليحيين [أي الرسل] والأنبياء ومَن من النصارى يردّ شيئاً من تعليمهم إلا كان نفياً من النصرانية مقصى من خير الكنيسة»

لأبي قرة فضل الريادة في مجالات عديدة، من الجيل الأول من النقلة كما سلف، وهو أيضاً من أوائل اللاهوتيين الذين صنّفوا بالعربية بلغة فصيحة على الرغم من بعض الهنات وميامره إن لم تكن أقدم تأليف عربي نصراني، كما وصفها ناشرها، فهي من أقدم ما وصل إلينا من هذا القبيل وفيها منهج جديد في الفكر عند العرب عموماً والمسيحيين منهم خصوصاً، جدّته في اللجوء إلى الفلسفة والمنطق في البحوث الدينية اللاهوتية وفي نزعته العقلانية البارزة ذلك أن أبا قرة لا يرضى بإيمان لا ينظر العقل في مسوغاته، بل العقائد الإيمانية ذاتها لا بد من أن تكون موضوع نظر العقل قبل أن تصير موضوع اعتقاده فعلى المرء أن «يدبّر إيمانه بالعقل» وهذا التعبير أثير لديه يكثر من ترداده

هذا التشديد على الشأن العظيم للعقل في مجال الدين والإيمان يبرز مدى اندماج أبي قرة في بيئته وكل من درس فكره لاحظ الصلات المتينة العرى بينه وبين المعتزلة، والواقع أن الصفة الغالبة على فكر أبي قرة هي الحوار والتوجّه إلى الآخر لإطلاعه أو لإقناعه ومعظم آثاره تنطق بهذا حتى في صيغة عناوينها: «محاورة»، و«جواب سؤال»، و«رد اعتراض»، و«مجادلة» و«رسالة» وتبرز هذه الصفة حتى في أسلوبه الإنشائي، فإنه يكثر من كاف المخاطب وأدوات النداء وأفعال الأمر، كما يكثر من الأمثال والتشابيه التي تضفي على حديثه طلاوة وتوضح مقاصده لغير المتفقهين، وبعضها بديع بليغ في حسن دلالته ووفائه بالغرض

لهذه الأسباب مجتمعة يُعَدّ أبو قرة من كبار اللاهوتيين الملكيين، بل لقد وضعه بعض خصومه في مصف القديسين، مكسيموس المعترف ويوحنا الدمشقي: وهو أحد أبرز اللاهوتيين المسيحيين العرب وقد عبّر بالعربية أبلغ تعبير عن عقائد إيمانهم، وجسّد في حياته وآثاره عظيم اهتماماتهم

الموسوعة العربية

و كتب الأرشمندريت اغناطيوس ديك عن ثاوذورس أبو قره أسقف حران الملكي جسر بين الحضارات والأديان في بلاد الشام والرافدين، في العصر العباسي

طُلب إلي في إطار المؤتمر التاسع للتراث السرياني وموضوعه “السريان نقلة حضارات خبرة بلاط الشام في العصر الأموي” التحدث عن أبي قرّة أسقف حرّان الملكي الذي كان جسراً بين الحضارات والأديان في أواخر القرن الثامن ومطلع التاسع الحديث عن أبي قرّه يتجاوز قليلاً الإطار الضيق لموضوع المؤتمر ، فأبو قرّة ولد عند أفول الدولة الأموية وعاش وكتب في مطلع العصر العباسي وتردّد على بلاط المأمون وليس على بلاط الأمويّين في الشام إلاّ أنه يسير على خطى القديس يوحنا الدمشقي الذي خدم في البلاط الأموي ثم نسك في دير مار سابا حيث كان ذكره حيّاً لما قصد ثاوذورس أبو قرّة هذا الدير ليترهّب فيه والملكيّيون وإن كانوا سرياناً أقحاحاً فهم يخرجون عن المفهوم الضيّق لكلمة سريان ولم يعتبروا سريانيتهم قوميّة خاصة وظلوا أمينين لليونانية والسريانية وكانوا أول من أنفتح على العربية فهم جسر يربط بين هذه الثقافات الثلاث وأبو قرّة كتب باليونانية والسريانية والعربية

لا بدّ من كلمة تمهيدية مقتضبة عن دور الملكيين في هذه الحقبة، ثم نتطرق إلى شخصية أبي قرّة ملخصين ما آلت الدراسات حوله ونستعرض لائحة مؤلفاته ونشاطه في الحوار بين المذاهب والأديان وملخّص أفكاره

الملكيّيون في مطلع العصر العربي:

لم يكن الملكيّيون مهمّشين فهم الذين فاوضوا العرب المسلمين إبّان الفتح لتسليم المدن سلميّاً فالمصادر التاريخية تذكر دور البطريرك الملكي صفرونيوس الذي سلّم مدينة القدس لعمر بن الخطّاب وتذكر دور منصور جدّ يوحنا الدمشقي في تسليم مدينة دمشق سلمياً وكانت الكاتدرائيّات الكبرى في يدهم في القدس كنيسة القيامة وسائر الأماكن المقدّسة، في دمشق كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان علاوة على الكنيسة المريمية، في حلب كاتدرائية السيدة العذراء الذي بُني بجانبها الجامع الكبير وظلّت بأيدي الملكيّين حتى عام 1124، وفي الرها الكاتدرائية الكبرى التي تحتوي المنديل المقدّس إلاّ أن الكراسي البطريركيّة ظلّت فترة شاغرة يديرها مدبّرون بطريركيّون أو بطاركة مقيمون في القسطنطينية ثم سمح الأمويّون للبطاركة أن يقيموا على رأس كراسيهم(بطريرك القدس ابتداء من عام 706، وبطريرك الإسكندريّة ابتداء من عام 727، وبطريرك انطاكية ابتداء من عام 742) ولم يكن الملكيّون منغلقين على أنفسهم وكانوا في شركة مع رومة والقسطنطينية وكان عدد كبير من الملكيّين غادروا إلى إيطاليا على أثر الفتح العربي وأنشأوا لهم هناك أديرة ومن بينها دير تريفونتاني، وارتقى عدد منهم إلى السدّة البابوية في القرن الثامن وكان دير مار سابا مركز الثقافة اليونانية يؤمه رهبان من سائر الشرق ومن العالم البيزنطي، ونشأ فيه لاهوتيّون وشعراء ومرنّمون أغنوا التراث البيزنطي أمثال يوحنا الدمشقي وقزما أسقف مايوما واستفانوس المرنّم وثاوفانوس المنشئ وأخوه ثاوذوروس هذا علاوة على القديسين مكسيموس المعترف وأندراوس الكريتي وغيرهما الذين هم ملكيون سوريّون وعاشوا في المناطق البيزنطية وأغنوا اللاهوت البيزنطي

أما معظم الملكيّين فلم يغادروا البلاد واعتبروا أنفسهم من مقوّمات المجتمع العربي فساهموا في بناء حضارته في المجالات الإدارية والاقتصادية والفكريّة وكان لهم دور مميّز في العصر الأموي، تحوّل إلى غيرهم من المسيحيين لا سيما النساطرة لما انتقل مركز الدولة إلى بغداد

وكانوا يتقنون اللغات الثلاثة اليونانية والسريانية والعربية وكانوا أول من نقل إلى العربية ليتورجيتهم ساهموا في تعريب التراث اليوناني الفلسفي والعلمي وألّفوا المقالات اللاهوتية بالعربية فكان لهم الفضل بصياغة التعابير اللاهوتية المسيحية بلغة الضاد
كانوا يشكّلون الأغلبية من المسيحيّين في جنوب بلاد الشام فلسطين وشرق الأردن وحوران، وأقلّية محترمة في منطقة الجزيرة الرها، وحرّان، والرقّة ويتعادلون مع بقية السريان في سائر المناطق وكان الحوار لا يزال قائماً بين مختلف الفئات المسيحية ولم يكن الانتقال من مذهب إلى مذهب نادراً

الدراسات حول أبي قرّة :

لم يكن أبو قرّة معروفاً حتى آخر القرن التاسع عشر إلاّ من خلال المؤلّفات اليونانية التي نشرت في القرنين السادس عشر والسابع عشر وأعيد طبعها في مجموعة الآباء اليونان “مين” المجلد 97 وعام 1897 نشر العالم يوحنا اراندزن أول نصّ عربي لأبي قرّة هو المقال في إكرام الأيقونات مع ترجمته اللاتينية

وكان الفتح الأكبر نشر الأب قسطنطين باشا لعشر مقالات عربية لثاوذورس أبي قرّة وجدها في مخطوط في دير المخلّص وذلك في بيروت عام1904 وقد مضى مئة عام بالتمام على ذلك

واهتمّ المستشرق الألماني الأب جورج غراف لأبي قرّة فترجم إلى الألمانية عام 1910 ما نشره أراندزن وما نشره باشا كما ترجم إلى الألمانية عام 1913 المقال في وجود الخالق الذي كان نشره الأب لويس شيخو في المشرق عام 1912، وقدّم غراف نبذة وافية عن أبي قرّة في موسوعته “تاريخ الأدب المسيحي العربي” التي أصدرها عام 1947، المجلّد الثاني ص 7-25

وأثناء دراستي في جامعة لوفان الكاثوليكية استهوتني شخصية أبي قرّة فنشرت له عام 1959 مقالين في مجلة الموزيون استناداً إلى مخطوطات سينا وأخذته موضوعاً لأطروحتي التي دافعت عنها عام 1960 ونشرت مقتطفات من نصّ الأطروحة في مجلة الشرق الأدنى المسيحي (1962-1963) ولما ظهرت سلسلة التراث العربي المسيحي نشرت فيها عام 1982 (المجلد 3) الميمر في وجود الخالق والدين القويم مع مقدّمة عامة ومقدّمة خاصة للمقال ونشرت عام 1986 (المجلد العاشر) الميمر في إكرام الأيقونات ونشرت في حلب عام 1999 مجادلة أبي قرّة مع المتكلّمين المسلمين في مجلس الخليفة المأمون

واهتمّ بأبي قرّة المستشرق الأمريكي سيدني غريفيث وخصّه بالعديد من الأبحاث ونشر لـه مقالاً في مجلة الموزيون كما تناول الأب عادل تيودور خوري بالبحث حوارات أبي قرة مع المسلمين المنشورة باليونانية وإن المنسنيور يوسف نصر الله قدّم له عام 1988 ترجمة مطوّلة وعميقة في موسوعته “تاريخ الحركة الأدبية في الكنيسة الملكية” الجزء الثاني المجلد الثاني ص 104 – 134
وانكبّ على دراسة أبي قرّة شيخ الباحثين في الأدب العربي المسيحي الأب سمير خليل سمير اليسوعي وآخر ما نشره عام 2000 كرّاسان في موسوعة المعرفة المسيحية الفكر العربي المسيحي (دار المشرق، بيروت)، ويحتوي الكراس الأول على بيبليوغرافيا شاملة عن أبي قرّه (127نبذة) وليس الأب سمير خليل مجرّد باحث بل هو داعية يعرّف بالأدب العربي المسيحي العرب وغير العرب ويحثّ الباحثين على دراسته وبتوجيه منه نشرت Paola Pizzo عام 1995 الترجمة الإيطالية لميمر أبي قرة في إكرام الأيقونات مع دراسة وافية كما نشرت عام 2002 Paola Pizzi ترجمة إيطالية لميمر أبي قرة في الحرّية مع دراسة شاملة، ويتصدر الكتاب تحقيق جديد للنصّ العربي قام به الأب سمير خليل

وتعدّى الاهتمام بأبي قرّه حلقة الباحثين في الأدب العربي المسيحي وخصّ الأديب السوري محمد عبد الحميد الحمد كاتبنا في دراسته “التوحيد والتثليث في حوار المسيحيّة والإسلام” (الرقّة 2003) بنبذةٍ مطوّلة مع تفاصيل دقيقة لا ترد عند غيره ولكنّه لا يذكر المراجع التي يعتمد عليها (ص 255 –269)

سيرته ومؤلفاته:

ناقشت في أطروحتي وفي كتابي ميمر في وجود الخالق والدين القويم لثاوذورس أبي قره الدلائل الواردة في مختلف المصادر العربية واليونانية والسريانية والأرمنية وما يستدلّ عليه من مؤلفاته (ص39-85) وتوصلت إلى النتائج التالية:

ولد حول سنة 750 في مدينة الرها ودرس الطب والمنطق والفلسفة وتضلّع من اللغة العربية وقصد دير مار سابا قرب القدس للترهب وهو في ريعان الشباب وكان القديس يوحنا الدمشقي قد توفي في هذا الدير منذ زهاء ربع قرن إلاّ أن ذكره ما كان يزال حيّاً وتضلّع ثاوذورس في علم الكتاب المقدس والآباء ثم رُقّي إلى كرسي حران الأسقفي أواخر القرن الثامن إذ يقول المؤرخ ميخائيل الكبير إنه كان لفترة قصيرة أسقفا على حرّان ثم عزله البطريرك الأنطاكي ثاوذوريطوس الذي كان بطريركاً من 795 إلى 813 واستعاد حرّيته وقد يكون عاد مجدداً إلى دير مار سابا ثم قام بنشاط رسولي في سبيل الدفاع عن الإيمان الأرثوذكسي والحوار مع المسلمين قاده إلى مصر وأرمينيا ثم على الأرجح عاد إلى بغداد وبحسب المؤرخ ميخائيل الكبير بدأ هذا النشاط عام 813 وكان في بلاط أرمينيا عام 815 حيث استمال إلى الإيمان الخلقيدوني الأمير أشوط وناظر هناك العالم السرياني نونوس ويذكر المؤرخ الرهاوي المجهول أنه أجريت مناظرة بين أبي قره والمتكلمين المسلمين في حضرة المأمون عام 829 فتكون وفاته بعيد عام 830

نورد هنا ما جاء في عناوين ومطلع بعض مؤلّفاته التي تلقي ضؤاً على مجالات نشاطه والمكان والزمان اللذين كتب فيهما
المقالة الرابعة من مقالات أبي قرّة في مجموعة الآباء اليونان تحمل العنوان التالي: “رسالة تتضمّن إيضاح الإيمان المستقيم البريء من العيب، مرسلة من البابا المغبوط توما بطريرك أورشليم إلى الأراتقة الذين في أرمينية أملاها بالعربية ثاوذورس الملقب بأبي قرّة، الصائر أسقفاً على حرّان وترجمها الكاهن ميخائيل قيّم الكرسي الرسولي الأورشليمي محتوياً على الإيمان الوحيد والحقيقي حسب تحديد المجمع الخلقيدوني والكلام المحدّد بما يخص الإيمان بالمسيح إلهنا” كان توما بطريركاً على أورشليم من سنة 811 إلى سنة 820 أما ميخائيل قيّم الكرسي الأورشليمي فتذكر سيرته التي نشرها الأب فايّة ” Vailhé ” أنه كان من رهبان مار سابا وقد انتدبه البطريرك توما ليكون معاوناً لـه ثم أوفده إلى البابا لاون الثالث مصحوباً برسالة منه ليسويّ الخلاف الذي نشأ مع الرهبان الفرنج في جبل الزيتون بالقدس بخصوص إضافة عبارة ” والابن” على قانون الإيمان ومرّ ميخائيل بالقسطنطينية في طريقه إلى رومة ويوافق وصوله إلى العاصمة البيزنطية بدء عام 813 إذ قابل الإمبراطور ميخائيل رانغابي الذي توفي في 10 شباط 813 وعدل ميخائيل عن متابعة سفره إلى رومة والدلائل التاريخية تشير إلى أن هناك رابطة بين هذه البعثة والرسالة التي بعث بها البطريرك توما إلى الأرمن عن يد ميخائيل نفسه والتي هي بقلم أبي قرة ولذا يجب تحديد تاريخ كتابة هذه الرسالة بين 811 و813 وهذا يناسب ما يرد لدى ميخائيل السرياني بأن نشاط أبي قرّه برز عام 813

ويتضح أيضاً ارتباط أبي قرّه بالمحيط الأورشليمي من عنوان ومطلع المقال الثامن الذي ورد في طبعة باشا :”رسالة في إجابة مسألة كتبها أبو قره القديس إلى صديق له كان يعقوبياً فصار أرثوذكسياً عند ردّه عليه الجواب: ” إنك ألفيتنا يا أخانا ذا الفضل داود في مدينة القدس لأنا وإياك فيها اجتمعنا بتوفيق الله لنقضي الصلاة في المواضع المقدّسة التي فيها ربّنا يسوع المسيح قضى متجسّداً التدبير الذي كان أعدّه قبل الدهور من أجل خلاصنا

وينعت ميخائيل الكبير أبا قرّه برجلٍ رهاوي خلقيدوني (مجلد 2 ص 253) ويتضح ارتباطه بالمحيط الرهاوي بما جاء في مطلع الميمر في إكرام الأيقونات إنك أخبرتنا يا أخانا أنبا ينّه المقدس وأنت عندنا بالرها أن كثيراً من النصارى يتركون السجود لصورة المسيح إلهنا الذي أمكن أن يكون له صورة لتجسّده من الروح القدس ومن مريم العذراء برحمته من اجل خلاصنا وصور قدّيسيه الذين تصلبوا بروح القدس فجروا في ميدانه وشاركوه في أوجاعه ذلك لأن مخالفي النصرانية ولا سيما من يدّعي أن بيده كتاباً منزلاً من الله يعنفّونهم لسجودهم لهذه الصور وينحلونهم لذلك عبادة الأوثان ومخالفة لما أمر الله به في التوراة والأنبياء ويتهزأون بهم” (ص 87-88) ويسمّي أبو قره الرها ” مدينتنا ” وضمير الجمع يعود إلى أبي قرّه وإلى الأنبا ينّه الذي يوجه إليه أبو قرّه ميمره: “فأما صورة المسيح إلهنا المتجسّد من مريم العذراء فإنا إياها نذكر من بين الصور هاهنا لأنها تكرّم بالسجود في مدينتنا الرها المباركة خاصة في اوقات وأعياد وحجوج تكون لها (رأس 23/2) ص 208 وإن مقطعاً ورد في الرأس 16 يساعدنا على تحديد زمن تأليف المقال : وقد كان في زماننا هذا شهيد من البرّانيين، من أهل الشرف الأعلى يقال له مار انطونيوس وكان يخبر لكل من لقيه أنه إنما آمن بالنصرانية من عجب رآه في صورة كانت لمار ثاوذورس الشهيد” (ميمر في إكرام الأيقونات، ص 173)، وقد نُفّذ فيه الحكم بالموت في مدينة الرقة بأمر من هرون الرشيد وكان ذلك يوم الميلاد 110 للإسكندر و 183 للهجرة المصادفين 799 ميلادية فالميمر في إكرام الأيقونات كتب في السنوات الأولى من القرن التاسع، أثناء أزمة الأيقونات في الإمبراطورية البيزنطية

ويتضح ارتباط أبي قره بالأوساط البغداديّة وبلاط المأمون من عنوان ومقدّمة مجادلة أبي قرّه مع المتكلمين المسلمين في مجلس الخليفة المأمون:

نبتدئ بعون الله سبحانه بمجادلة أبي قرّه أسقف حرّان مع عبد الله المأمون أمير المؤمنين بحضرة متكلّمي الإسلام ممن كانوا في ذلك القصر في مجلس الخلافة الإسلامية وهم محمد بن عبد الله الهاشمي وهارون بن هاشم الخزاعي وسلام الهمزاني وصعصعة بن خالد البصري وجماعة من وجوه قريش وكان المأمون يحبّ أبا قرّه ويجلسه ويبسط له مجلس الخلافة واجتمع إليه وجوه قريش وقالوا له : تجلس مع رجل نصراني وتبسط له مجلس الخلافة فقال لهم المأمون : هذا رجل عالم خبير في دينه ومذهبه قالوا له: من أين لهذا النصراني دين ولا مذهب؟ فقال لهم المأمون: أشتهي والله أن تناظروه وتوضحوا حقيقة دين الإسلام وتبطلوا ضعف دين النصارى فقالوا له السمع والطاعة يكون هذا غداً فلما كان بالغد حضر وجوه قريش ومن له أدب ومعرفة إلى مجلس المأمون

مؤلفاته: إنّ أبا قرّه كتب بالعربية وباليونانيّة وبالسريانيّةأما الميامر الثلاثون بالسريانيّة التي يشير إليها في مقاله عن موت المسيح (باشا ص 60-61) وغيرها التي يكون كتبها بتلك اللغة فهي جميعها مفقودة إنّ المخطوطات حفظت لنا مؤلّفات أبي قرّه بالعربية واليونانية والجيورجية النصوص الجيورجية جميعها مترجمة، أما اليونانيّة فبعضها مترجم وبعضها موضوع أصلاً في تلك اللغة، والنصوص العربية جميعها أصليّة وهي إمّا مقالات طويلة محكمة أو مجرّد أجوبة على أسئلة تطرح عليه وقد تطرّقت بإسهاب إلى قائمة مؤلّفات أبي قرّه وتحليلها في كتابي ميمر في وجود الخالق والدين القويم ص 59-92 وفصّلها الأب سمير خليل في كتابه “أبو قرّه 2 المؤلّفات” ضمن موسوعة المعرفة المسيحيّة (دار المشرق)

إن أبا قرّه ضليع في العلوم اليونانيّة القديمة وفي اللاهوت المسيحي وفي الإسلاميات وإن نشاطه قد تجاوز حدود الكنيسة ولم ينحصر في البيئة المسيحية الضيقة فقد استفاد من الانفتاح الفكري الذي جاء به الخليفتان العظيمان هارون الرشيد والمأمون وكان واثقاً من إيمانه ومن قوّة منطقه ومزوّداً بمعرفة كافية لعقيدة الإسلام وضليعاً في مبادئ اللغة العربية فلم يخش التقرّب من أرقى الأوساط الإسلامية المثقّفة فإن معظم مقالاته العربية موجّهة إلى المسلمين (باشا 1، 2، 4، 5، 6، 7، 10) وإن المحاورات المحفوظة باليونانية مجموعة “مين”، المجلد 97، رقم 3، 8، 9، 18 إلى 22، 34، 35 لا يمكن أن تكون مجرّد ابتكار خيالي وضع داخل مكتب أبي قرّه بل هي صدى للقاءات شخصية واقعية مع أئمّة المسلمين فقد جاء في تاريخ ميخائيل الكبير عن أبي قرّه ” ولما كان فيلسوفاً ويجادل بقياس المنطق مع غير المؤمنين إذ كان يعرف لغة العرب كان يحظى بإعجاب الناس البسطاء ” إن أبا قرّه لا يتصدى مباشرة للإسلام كعقيدة، (ما عدا المحاورات اليونانيّة رقم 18، 19، 20 التي طلب منه المحاور لمَ لا يؤمن بالإسلام) وإن مقالاته هي إيضاح دفاعي للإيمان المسيحي موجّه إلى المثقفين المسلمين وفي محاوراته يجيب على اعتراضات يثيرها بعض المسلمين أمامه عل إحدى نقاط العقيدة المسيحيّة وإنّ المواضيع التي يطرحها (حريّة الإنسان، خلق كلام الله، وضع الصفات في الله، تشبيه الله أو تنزّهه) ونزعته العقلانية ( ثقته بالعقل وبديانة تتوافق ومعطيات العقل، هذه الأمور كلها توليه وجه شبه عميق مع المعتزلة الذين كانوا يحظون في عهد المأمون بعطف البلاط ومن المرجح جداً أن يكون التقى في بغداد بأبي هذيل العلاّف (752 – 840) شهير عصره وبالنظام الذي توفي ما بين سنة 835 وسنة 845 واتهم أنه انحاز إلى المسيحيّين في قضية التثليث وظلّ تأثير أبي قرّه على أوساط بغداد حيّاً بضعة سنين بعد وفاته فالمستشرق البلجيكي ا آبيل في دراسته حول أبي عيسى الوراق الذي وضع حول عام 860 كتاباً في آراء الناس واختلافاتهم و”تفنيد المذاهب المسيحية الثلاثة ” يسمي أبا قرّه المصدر الأرجح لأبي عيسى ويقول: إنه بالنسبة إلى ما آلت إليه الأبحاث في الوقت الحاضر يبدو أننا نفلح في تحليل جهود أبي عيسى الوراق فيما لو اعتبرنا كتابه شبه حوار مع أبي قرّه وفي الخلفية آراء النظام وأبي هذيل كبار مفكري عصرهم”

وقد ردّ على أبي قرّه المردار، أبو موسى عيسى بن صبيح معتزلي من بغداد توفي حول 840 ، وله كتاب الرد على النصارى وكتاب على أبي قرّه النصراني

في النصف الأول من القرن التاسع كان هناك حرّية التعبير وتلاقٍ بين الفكرين المسيحي والإسلامي يورد الأستاذ حبيب زيّات في كتابه الخزانة الشرقية هذا المقطع المأخوذ عن تاريخ الإسلام للذهبي:

ذكر الحميري في ترجمة أبي عمر أحمد بن محمد سعدي الأندلسي الفقيه طامة كبرى قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن أبي زيد الفقيه يسأل أبا عمر أحمد بن سعدي المالكي عند وصوله إلى القيروان من بلاد الشام، فقال : هل حضرت مجالس أهل الكلام؟ قال نعم، مرتين ولم أعد إليها قال : ولمَ ؟ فقال: أما أول مجلس حضرته فرأيته مجلساً قد جمع الفرق من السنّة والبدعة والكفار واليهود والنصارى والدهرية والمجوس ولكل فرقة رئيس يتكلم ويجادل عن مذهبه فإذا جاء رئيس قاموا كلهم له على أقدامهم حتى يجلس فإذا تكلّموا قال قائل من الكفار: قد اجتمعتم للمناظرة فلا يحتجّ أحد بكتابه ولا بنبيّه فإننا لا نصدّق بذلك ولا نعتدّ به وإنما نتناظر بالعقل والقياس فيقولون نعم ولما سمعت ذلك لم أعد ثم قيل لي : هذا مجلس آخر للكلام فذهبت إليه فوجدتهم على مثل سيرة أصحابهم فقاطعت أهل الكلام وإنّ أبا قرّه شارك في مثل هذه المجالس وعرض فيها نظرته المسيحية

هذا التلاقي بين الفكرين الإسلامي والمسيحي كان لـه بعض التأثير على علم الكلام الناشئ فإن مسائل الحريّة القدرية أو الجبرية، وخلق القرآن أو عدمه وتمييز صفات الله عن الله التي عالجها علماء الكلام واختلفوا فيها متأثرة بهذا التفاعل ويذكر ابن النديم تأثّر ابن كلاّب بالأفكار المسيحية فيقول: له مع عباد بن سليمان مناظرات وكان يقول إن كلام الله هو الله وكان عباد يقول إنه نصراني بهذا القول وقال أبو العباس البغوي: دخلنا على فثيون النصراني وكان في دار الروم بالجانب الغربي فجرى الحديث إلى أن سألته عن ابن كلاّب فقال رحم الله عبد الله، كان يحبني فيجلس إلى تلك الزاوية وأشار إلى ناحية من البيعة وعنّي أخذ هذا القول ولو عاش لنصّرنا المسلمين فقال البغوي: وسأله محمد بن اسحق الطالقاني، فقال: ما تقول في المسيح؟ قال : ما يقوله أهل السنّة في القرآن”

علاوة على محاوراته في الأمور الدينية عُرف أبو قرّه في الأوساط البغدادية بترجماته للمؤلّفات اليونانية لا سيما كتب ارسطو وقد أشار ابن النديم إلى أن أبا قرّه ترجم لأرسطو أحد كتبه المنطقية، الأنالوطيقا الأولى وعلاوة على ذلك مؤلفين منسوبين خطأ لأرسطو كان طلبهما منه أحد مقرّبي الخليفة المأمون وهو طاهر بن الحسين مؤسّس الأسرة الطاهرية في خراسان وأحد هذين المؤلفين وهو “فضائل النفس” محفوظ في اسطنبول في المخطوط كوبرولو رقم 1608 ص 66 وهذا عنوان النصّ: “كتاب ارسطاطاليس الفيلسوف في فضائل النفس، ترجمة أبي قرّه أسقف حرّان لذي اليمنيين طاهر بن الحسين” ويذكر المؤرخ السرياني ميخائيل الكبير في حوادث سنة 816 م أن طاهراً كان قد تعب من محاربة المتمرّدين فاستقر في الرافقة ضاحية الرقّة حيث عكف على القراءة والتفسير ومعاشرة الفلاسفة وقد يكون أبو قرّه تعرّف عليه في هذه الفترة فطلب منه أن يترجم له هذا المقال المنسوب لأرسطو

ميّزته:

يسير أبو قرّه على خطى الآباء القديسين وآخرهم يوحنا الدمشقي الذي كان ذكره ما يزال حيّاً في دير مار سابا، ويمهد للاهوت الفلسفي المدرسي وقد كرّس حياته للدفاع عن عقلانيّة الإيمان: إنه لمن المناسب للعقل أن نؤمن فالإيمان ليس مجرد اختبار أعمى ولا يستطيع المدافع أن يرغم مستمعيه على الإيمان، إنما دوره جلي الواقع وإزالة العوائق التي تحول دون النظرة المجرّدة للأمور ومساعدة الإنسان على اتخاذ الموقف الذي تتجلى فيه الحقيقة إن كثيراً من الأمور لا يراها الإنسان إلاّ إذا صوب نظره إليها من الزاوية الملائمة وكذلك في الشؤون العقلية والإيمانية والمدافع عن الإيمان هو الدليل والمرشد الذي يساعد رفيقه على توجيه نظره إلى حيث تتجلى الحقيقة لكنه لا يستطيع أن يرغمه على النظر

لقد ناضل أبو قرّه على جبهتين: على الجبهة الداخلية حاول إعادة الوحدة إلى المسيحيين حول تحديد المجمع الخلقيدوني، وعلى الجبهة الخارجية تجاه الدين الإسلامي المنتصر الذي بدأ يضغط اجتماعياً وفكرياً على المسيحيين، حاول إظهار دعائم حقيقة الديانة المسيحية وإيضاح عقلانية معتقداتها كانت فئة كبيرة من المثقفين المسلمين في ذلك العصر منفتحة ومتشوقة لمعرفة أسس الدين المسيحي، وكانت أيضاً فئة من المفكرين المسيحيين أمثال أبي قرّه ومعاصره أبي رائطة وغيرهما مستعدين دون خوف أو وجل لأن يعطوا “جواباً للرجاء الذي فيهم”

قد يأخذ البعض على أبي قرّه وأمثاله من الكتّاب العرب النصارى ثقتهم الكبرى بل المفرطة بالعقل إن العقل هو نقطة التماس المشتركة بين المؤمنين وغير المؤمنين وإن أبا قرّه لا يستطيع أن ينطلق من غير هذا المنطلق في حواره مع الذين هم خارج الكنيسة إلاّ أنه يعي تمام الوعي أن الإيمان إنما هو في نهاية الأمر قضية نعمة من الله، وإن كان تحكيم العقل ضرورياً لمعرفة ما إذا كان الإيمان في محله ويوضح أبو قرّه نظرته في علاقة الإيمان بالعقل في مطلع مقاله ” في التوحيد والتثليث “، إن الناس في موقفهم من الإيمان هم ثلاث فئات: منهم من يرفضون الإيمان بما لم يحيطوا بمعرفته شخصياً، ومنهم من يؤمنون بما يقال لهم أنه من الله دون أن يمعنوا النظر ليعرفوا هل هو حقيقة من الله ومنهم من يؤمنون بعد أن أعملوا الروية وأدركوا صحة نسبة هذا القول إلى الله ويقول أبو قرّه: إن الذي يرفض أن يؤمن لا بد من أن يبقى جاهلاً لأن هناك أموراً كثيرة لا نصل إليها إلاّ بالشهادة والتصديق وإذا كان الإنسان يصدق الكثيرين ويطمئن إليهم، فلِمَ لا يصدق من يرسلهم الله؟ أما الذي يؤمن دون أن يُمَحّص هل يقدّم إيمانه لمن هو حقيقة مرسل من الله “فأخلق به أن يكون شبيهاً بمن يغمض عينيه ويمكّن من يده من يهديه في الطريق من غير أن يعلم إن كان هاديه ناصحاً أو غاشاً وهادياً بالطريق أو ضالاً ” وأما الذي يخضع ذهنه للتصديق بالخبر عن الله فيكون عدلاً في تدبير إيمانه إذ يجعله في موضعه”

على الإنسان إذاً أن يفحص هل الدين المعروض عليه هو جدير بالتصديق وأبو قرّه مقتنعٌ بدينه ويدافع عن صحّته وفي نظره “من بين جميع الناس ليس أحد يقضي له العقل بالرويّة قضية تعدل العيان أنه صار مؤمناً بتدبير عقله إلاّ من اعتقد النصرانية ديناً”، ويسهب أبو قرّه في عدة مقالات في البراهين عن صحة الديانة المسيحية وضرورة تصديق ما جاء به الإنجيل بيد أنه لا يدّعي أن أسرار الديانة المسيحية تعرف بالعقل فهو يستند إلى شهادات الكتب على أن براهينه العقلية موضوعة لدعم معتقد الضعفاء وردّ هجمات المخالفين وإثبات عدم التناقض فيها أما الإيمان الفعلي فهو بحسب إقراره من عمل الروح القدس فيقول أبو قرّه مثلاً لمنكري سر الثالوث الأقدس: “فنحن نقول لأصحاب هذا القول: إننا قد أثبتنا لكم في ميمرنا هذا بالإيجاز وفي غيره بتلخيص أنه قد وجب على كل واحد أن يؤمن بالإنجيل وناموس موسى وما بينهما من كتب الأنبياء, وهذه الكتب التي ذكرنا نجدها تذكر أن الآب إله والابن إله والروح القدس إله واحد ولا تقول ثلاثة آلهة، بل تحذرنا جداً أن نقول غير إله واحد فنحن نقبل ما قالت هذه الكتب بالإيمان ولو كانت عقولنا لا تجد سبيلاً إلى تحقيق قولها لأن الإيمان هكذا حددناه أنه اليقين بما قد غاب عن المعرفة كما تحيط به المعرفة فإذا فرغنا من ذلك نقول: إن أنتم قبلتموه بالإيمان كقبولنا إياه، فقد أفضينا إلى الأمر المراد وإن لم تفعلوا ذلك علمناكم أن الروح القدس قد أقنع عقول النصارى بإشراقه لها عن هذا الأمر وغيره مما دلت أن تقبله من قوله بالإيمان (باشا، ص 23-25)

وفي المقال ذي الرقم 7 من مجموعة الأب باشا يبرهن أبو قرّه ” أن لله ابناً هو عدله في الجوهر ولم يزل معه ” فيستند إلى العقل ثم على شهادات الكتاب المقدس، ويقول في الختام : “نحن نسأل كل من لقي كتابنا هذا أن يحمد المسيح ربنا عنا بما وفقنا له من الصواب، ويعذرنا على كل ما فيه من خلل ويدعو لنا روح القدس بإنارة عقولنا وهداية كل من يقرأ كتابنا إلى يقين المعرفة بربوبية المسيح التي لا أحد يستكن قلبه على الإقرار بها إلا بهدايته، كما قال مار بولس” (باشا، ص 106)

يتضح إذاً أن أبا قرّه ليس عقلانياً محضاً بل هو مؤمن صادق إذ أنه يعي حقيقة دور الوحي والنعمة في البلوغ إلى كمال الإيمان وإنما يثق بالعقل وبالتقائه والإيمان ولا عجب في ذلك إذ أن الله هو المصدر الواحد للطبيعة وما فوق الطبيعة كما وللعقل والإيمان
لا نزال نكتشف غنى شخصية أبي قرّه بعد أن خبا ذكره ونأمل أن ينكبّ الجيل الصاعد من الباحثين على دراسة فكره ومؤلفاته فهو مثال لنا بنشاطه وعلمه وانفتاحه في عصر نسعى فيه إلى تلاقي الحضارات والأديان للتعاون والتكامل لتحقيق خير الإنسان الأسمى ولا يزال كلامه بعد مضي اثنتي عشر قرناً يلقى صدى طيباً في قلوبنا.