أبو حيان التوحيدي

أبو حيان التوحيدي
310- 414 هـ

 هو علي بن محمد بن العباس التوحيدي البغدادي، كنيته “أبو حيان”، وهي كنية غلبت على اسمه فاشتهر بها.

ولد في بغداد سنة 310 هجرية؛ أما وفاته فكانت في شيراز سنة 414 هجرية. أما أصله فقيل هو من شيراز وقيل من نيسابور وقيل من واسط والراجح أنه عربي الأرومة. وأما نسبته إلى التوحيد، فقيل سببها أن أباه كان يبيع نوعا من التمر العراقي ببغداد يسمى هذا النوع بـ”التوحيد” وعليه حمل بعض شراح ديوان المتنبي قوله: يترشفن من فمي رشفات ** هن فيه أحلى من التوحيدِ

نشأ أبو حيان يتيما، يعاني شظف العيش ومرارة الحرمان؛ لا سيما بعد رحيل والده، وانتقاله إلى كفالة عمه الذي كان يكره هذا الطفل البائس ويقسو عليه كثيرا. وحين شب أبو حيان عن الطوق امتهن حرفة الوراقة، ورغم أنها أتاحت لهذا الوراق الشاب التزود بكم هائل من المعرفة جعل منه ثقافة مثقفا موسوعة موسوعيا؛ إلا أنها لم ترضِ طموحه ولم تقم بتلبية حاجاته، مما جعله يتجه إلى وجهة أخرى, فاتصل بكبار متنفذي عصره من أمثال ابن العميد والصاحب بن عباد والوزير المهلبي غير أنه كان يعود في كل مرة صفر اليدين, خائب الآمال, ناقما على عصره ومجتمعه.

ولعل سر ما لاقاه أبو حيان في حياته من عناء وإهمال وفشل يعود إلى طباعه وسماته؛ حيث كان مع ذكائه وعلمه وفصاحته واسع الطموح، شديد الاعتداد بالنفس، سوداوي المزاج، إلى غير ذلك من صفاته التي وضعت في طريقه المتاعب وحالت دون وصوله إلى ما يريد.

شكل عمل أبي حيان التوحيدي ردحا كبيرا من حياته في نسخ الكتب وبيعها رافدا أساسيا من روافده المعرفية؛ فقد جعلته القراءة المستمرة لما ينسخ بحكم حرفته على اتصال دائم بثقافة عصره, وعلى وعي كبير أيضا بنتاجات العصور السابقة في مجالات الفنون والعلوم والآداب, على أن أبا حيان كثيرا ما تذر من ذه المهنة في كتبه.

من بين من تتلمذ على يدهم أبو حيان التوحيدي: أبو سعيد السيرافي ، أخذ عنه النحو والـتصوف ، وـأبو زكريا يحيا بن عدي المنطقي أخذ عنه الفلسفة, وـعلي بن عيسى الرماني, أخذ عنه اللغة وـعلم الكلام ، وـأبو حامد المروذي أيضا.

ترك أبو حيان التوحيدي خلفه إرثا نفيسا تزهو به المكتبة العربية في مجالات متعددة منها الأدب والأخبار والفلسفة والتصوف واللغويات. من هذه المؤلفات: الإمتاع والمؤانسة، البصائر والذخائر، الصداقة والصديق، أخلاق الوزيرين، المقابسات، الهوامل والشوامل، تقريظ الجاحظ، الإشارات الإلهية.

جاء ذكره في “سير أعلام النبلاء”: (( أبو حيان التوحيدي، الضال الموحد، أبو حيان، علي بن محمد بن العباس، البغدادي الصوفي، صاحب التصانيف الأدبية والفلسفية، ويقال: كان من أعيان الشافعية.

قال ابن بابي في كتاب الخريدة والفريدة: كان أبو حيان هذا كذاباً قليل الدين والورع عن القذف والمجاهرة بالبهتان، تعرض لأمور جسام من القدح في الشريعة والقول بالتعطيل، ولقد وقف سيدنا الوزير الصاحب كافي الكفاة على بعض ما كان يدغله ويخفيه من سوء الاعتقاد، فطلبه ليقتله، فهرب، والتجأ إلى أعدائه، ونفق عليهم تزخرفه وإفكه، ثم عثروا منه على قبيح دخلته وسوء عقيدته، وما يبطنه من الإلحاد، ويرومه في الإسلام من الفساد، وما يلصقه بأعلام الصحابة من القبائح، ويضيفه إلى السلف الصالح من الفضائح، فطلبه الوزير المهلبي، فاستتر منه، ومات في الاستتار، وأراح الله، ولم يؤثر عنه إلا مثلبة أو مخزية. وقال أبو الفرج بن الجوزي: زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، وأبو حيان التوحيدي، وأبو العلاء المعري، وأشدهم على الإسلام أبو حيان، لأنهما صرحا، وهو مجمج ولم يصرح.

قلت: وكان من تلامذة علي بن عيسى الرماني، ورأيته يبالغ في تعظيم الرماني في كتابه الذي ألفه في تقريظ الجاحظ، فانظر إلى المادح والممدوح ! وأجود الثلاثة الرماني مع اعتزاله وتشيعه.

وأبو حيان له مصنف كبير في تصوف الحكماء، وزهاد الفلاسفة، وكتاب سماه البصائر والذخائر، وكتاب الصديق والصداقة، مجلد، وكتاب المقابسات، وكتاب: مثالب الوزيرين يعني ابن العميد وابن عباد وغير ذلك.

وهو الذي نسب نفسه إلى التوحيد، كما سمى ابن تومرت أتباعه بالموحدين، وكما يسمي صوفية الفلاسفة نفوسهم بأهل الوحدة وبالاتحادية.

أنبأني أحمد بن أبي الخير، عن محمد بن إسماعيل الطرسوسي، عن ابن طاهر: سمعت أبا الفتح عبد الوهاب الشيرازي بالري يقول: سمعت أبا حيان التوحيدي يقول: أناس مضوا تحت التوهم، وظنوا أن الحق معهم، وكان الحق وراءهم.

قلت: أنت حامل لوائهم.

قال الشيخ محيي الدين في تهذيب الأسماء: أبو حيان من أصحابنا المصنفين، فمن غرائبه أنه قال في بعض رسائله: لا ربا في الزعفران. ووافقه عليه أبو حامد المروذي.

وقال ابن النجار: له المصنفات الحسنة كالبصائر وغيرها. قال: وكان فقيراً صابراً متديناً، صحيح العقيدة. سمع جعفراً الخلدي، وأبا بكر الشافعي، وأبا سعيد السيرافي، والقاضي أحمد بن بشر العامري. روى عنه: علي بن يوسف الفامي، ومحمد بن منصور بن جيكان، وعبد الكريم بن محمد الداوودي، ونصر بن عبد العزيز الفارسي، ومحمد بن إبراهيم بن فارس الشيرازيون، وقد لقي الصاحب بن عباد وأمثاله.

قلت: قد سمع منه أبو سعد عبد الرحمن بن ممجة الأصبهاني، وذلك في سنة أربع مئة، وهو آخر العهد به.

وقال السلفي: كان نصر بن عبد العزيز ينفرد عن أبي حيان بنكت عجيبة.

وقال أبو نصر السجزي الحافظ فيما يأثروه عنه جعفر الحكاك: سمعت أبا سعد الماليني يقول: قرأت الرسالة يعني المنسوبة إلى أبي بكر وعمر مع أبي عبيدة إلى علي رضي الله عنهم على أبي حيان، فقال: هذه الرسالة عملتها رداً على الرافضة، وسببه أنهم كانوا يحضرون مجلس بعض الوزراء، وكانوا يغلون في حال علي، فعملت هذه الرسالة.

قلت: قد باء بالاختلاف على علي الصفوة، وقد رأيتها وسائرها كذب بين)).

 المراجع: سير أعلام النبلاء للذهبي