أبو بكر الرازي

أبو بكـر الرّازي
864 – 932م

وُلِد أبو بكر محمد بن يحيى بن زكريا الرّازي بالرّي قرب طهران في بلاد فارس. درس الرياضيات والطب والفلسفة والفلك والكيمياء والمنطق والأدب.

في موطنه في الري اشتهر الرازي وجاب البلاد وعمل رئيسا للبيمارستان المعتضدي له الكثير من الرسائل في شتى الأمراض وكتب في كل فروع الطب والمعرفة في ذلك العصر، وقد ترجم بعضها إلى اللاتينية لتستمر المراجع الرئيسية في الطب حتى القرن السابع عشر، ومن أعظم كتبه “تاريخ الطب” وكتاب “المنصوري” في الطب و كتاب “الأدوية المفردة” الذي يتضمن الوصف الدقيق لتشريح أعضاء الجسم. هو أول من ابتكر خيوط الجراحة، وصنع المراهم، وله مؤلفات في الصيدلة ساهمت في تقدم علم العقاقير .وله 200 كتاب ومقال في مختلف جوانب العلوم.

يبحث الرازي في كتابه “الحاوي في الطب” مواضيع كثيرةً تتعلّق بالرأس، منها السّكتة الدّماغية، الفالج، أوجاع العصب واسترخاؤه، الصّرع، التّشنج، الكزاز، وأمراض العيون والآذان والأسنان، مشرّحًا المرض، مُشخّصًا إياه، موردًا صفة العلاج الشّافي لكلّ مرضٍ أتى على ذكره، بناءً على دراسته وتجاربه واقتناعه. وقد تحدّث أيضًا عن المناخوليا (مرض عصبي) والأغذية المضادّة لهذا المرض.

في كتابه “المنصوري”، وهو مختصر “الحاوي”، تحدّث عن الحصبة والجدري ووصف الطفح، مظهراً للمريض إشارات تظهر على الجِلد.

كان الرّازي أوّل مَن مَيَّز بين المرضيْن، وقال إنّهما ينتقلان بالعدوى. وقد أكّد أهميّة فحص النبض والقلب والتنفس والبزار لمن يُصاب بهما، وبيّن ما يحدثان من تشويه في الجلد، وبيّن كيفية معالجة كلّ منهما. وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللاّتينية، وكانت له أهمية في أوروبا، وبقي معمولاً به عند الأطباء وفي الجامعات حتى القرن السابع عشر للميلاد.

وله كتاب “في الأمراض التي تعتري جسم الإنسان وكيفية معالجتها” بالأدوية المختلفة والأغذية المتنوّعة، وقد ظلّ هذا الكتاب مرجعًا يعود إليه علماء أوروبا في الموضوعات والبحوث الطّبية.

وله كتاب “من لا يحضره الطبيب” شرح فيه معالجة المرض في غياب الطبيب والأدوية الموجودة في كل مكان.

وله كتاب في “الجدري والحصبة” وصف فيه الداءين وعلاجهما، وكتاب “خاط اليونان الجروح”. لكن الرازي كان أوّل من استعمل أمعاء الحيوان في خياطة الجروح البطنية، وكان من أمهر الجرّاحين.

كان الرازي أوّل من قال: “إن بعض الأمراض ينتقل بالوراثة. وقد سماه ابن أبي أُصَيْبِعَة  “جالينوس العرب”.

وجاء في وفيات الأعيان لابن خلكان: ((أبو بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب المشهور؛ ذكر ابن جلجل في “تاريخ الأطباء” أنه دبر مارستان الري ثم مارستان بغداد -في أيام المكتفي. ومن أخباره أنه كان يضرب بالعود ويغني، فلما التحى وجهه قال: نجاة ل غناء يخرج من بين شارب ولحية لا يستظرف، فنزع عن ذلك وأقبل على دراسة كتب الطب والفلسفة، فقرأها قراءة رجل متعقب على مؤلفيها، فبلغ من معرفة غوائرها الغاية، واعتقد الصحيح منها وعلل السقيم، وألف في الطب كتباً كثيرة.

وقال غيره: كان إمام وقته في علم الطب والمشار إليه في ذلك العصر، وكان متقناً لهذه الصناعة حاذقاً فيها عارفاً بأوضاعها وقوانينها، تشد إليه الرحال في أخذها عنه، وصنف فيها الكتب النافعة، فمن ذلك كتاب “الحاوي” وهو من الكتب الكبار، يدخل في مقدار ثلثين مجلداً، وهو عمدة الأطباء في التنقل منه والرجوع إليه عند الاختلاف. ومنها كتاب “الجامع”، وهو أيضاً من الكتب الكبار النافعة. وكتاب “الأعصاب” وهو أيضاً كبير، وله أيضاً كتاب “المنصوري” المختصر المشهور، وهو – عل صغر حجه – من الكتب المختارة، جمع فيه بين العمل والعلم ويحتاج إليه كل أحد، وكان قد صنفه لأبي صالح منصور بن نوح بن نصر بن إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان، أحد الملوك السامانية، فنسب الكتاب إليه، وله غير ذلك تصانيف كثيرة وكلها يحتاج إليها.

ومن كلامه: مهما قدرت أن تعالج بالأغذية فلا تعالج بالأدوية، مهما قدرت أن تعالج بدواء مفرد فلا تعالج بدواء مركب؛ من كلامه: إذا كان الطبيب عالماً والمريض مطيعاً فما أقل لبث العلة؛ ومن كلامه: عالج في أول العلة بما لا تسقط به القوة.

وذكر القاضي التنوخي في كتاب “الفرج بعد الشدة” في باب من اشتد بلاؤه بمرض عافاه الله بأيسر سبب وأقاله: أن غلاماً من بغداد قدم الري وكان ينفث الدم، وكان لحقه ذلك في طريقه، فاستدعى أبا بكر الرازي الطبيب المشهور بالحذق، صاحب الكتب المصنفة، فأراه ما ينفث ووصف له ما يجد، فأخذ الرازي مجسه، ورأى قارورته واستوصف حاله منذ ابتداء ذلك به، فلم يقم له دليل على سل ولا قرحة، ولم يعرف العلة، واستنظر الرجل لينظر في الأمر، فقامت على العليل القيامة وقال: هذا أيأس لي من الحياة لحذق الطبيب وجهله بالعلة، فازداد ما به من الألم، فولد الفكر للرزاي أن عاد إليه فسأله عن المياه التي شربها في طريقه، فأخبر أنه شرب من مستنقعات وصهاريج، فقام في نفس الرازي بحدة الخاطر وجودة الذكاء أن علقة كانت في الماء وقد حصلت في معدته وأن ذلك الدم من فعلها وقال له: إذا كان في غد جئتك فعالجتك ولم أنصرف حتى تبرأ، ولكن بشرط أن تأمر غلمانك أن يطيعوني فبك لم آمرهم، فقال: نعم؛ فانصرف الرازي فجمع ملء مركنين كبيرين من طحلب فأحضرهما في غد معه فأراه إياهما وقال له: ابلع، فقال: لا أستطيع، فقال للغلمان: خذوه فأنيموه، ففعلوا به ذلك، وطرحوه على قفاه وفتحوا فاه وأقبل الرازي يدس الطحلب في حلقه ويكبسه شديداً ويسأله ببلعه ويهدده بأن يضرب، إلى أن أبلعه كارهاً أحد المركنين بأسره، والرجل يستغيث فلا ينفعه مع الرازي شيء، إلى أن قال العليل: الساعة أقذف، فزاد الرازي في ما يكبسه في حلقه، فذرعه القيء فقذف، فتأمل الرازي قذفة فإذا فيه علقة، وإذا هي لما وصل إليها الطحلب قربت إليه بالطبع وتركت موضعها والتفت على الطحلب ونهض العليل معافى.

ولم يزل رئيس هذا الشان، وكان اشتغاله به على كبر، يقال إنه لما شرع فيه كان قد جاوز أربعين سنة من العمر، وطال عكره فعمي في آخر مدته، وتوفي سنة إحدى عشرة وثلثمائة، رحمه الله تعالى.

وكان اشتغاله بالطب على الحكيم أبي الحسن علي بن ربن الطبري صاحب التصانيف المشهورة، منها “فردوس الحكمة” وغيره. وكان مسيحياً ثم أسلم. وقد تقدم الكلام على الرازي.

وأما الملوك السامانية فكانوا سلاطين ما وراء النهر وخراسان، وكانوا أحسن الملوك سيرة، ومن ولي منهم كان يقال له سلطان السلاطين، لا ينعت إلا به، وصار كالعلم لهم، وكان يغلب عليهم العدل والدين والعلم، وملك من بينهم جماعة، ولم تنقرض دولتهم إلا بدولة السلطان محمود بن سبكتكين – الآتي ذكره إن شاء الله تعالى – وكانت مدة ولايتهم مائة سنة وسنتين وستة أشهر وعشرة أيام.

وكانت وفاة أبي صالح منصور المذكور في شوال سنة خمس وستين وثلثمائة وكان قد صنف له الرازي المذكور الكتاب المذكور في حال صغره، ليشتغل به.

ثم رأيت نسخة كتاب “المنصوري”، وعلى ظهره: أن المنصور الذي وسم الرازي هذا الكتاب باسمه هو المنصور بن إسحاق بن أحمد بن نوح من ولد بهرام كوس صاحب كرمان وخراسان، وكنيته أبو صالح، والله أعلم بالصواب.

وحكى ابن حلجل – المقدم ذكره – في تاريخه أيضاً: أن الرازي المذكور صنف لمنصور المذكور كتاباً في إثبات صناعة الكيمياء، وقصد به من بغداد فدفع له الكتاب، فأعجبه وشكره عليه وحباه بألف دينار وقال له: أريد أن تخرج هذا الذي ذكرت في هذا الكتاب إلى الفعل، فقال له الرازي: إن ذلك مما يتمون له المؤن، ويحاج إلى آلات وعقاقير صحيحة، وإلى إحكام صنعة ذلك كله، وكل ذلك كلفة، فقال له منصور: كل ما احتجت إليه من الآلات، ومما يليق بالصناعة أحضره لك كاملاً حتى تخرج عما ضمنته كتابك إلى العمل. فلما حقق عليه كع عن مباشرة ذلك وعجز عن عمله. فقال له منصور: ما اعتقدت أن حكيماً يرضى بتحليل الكذب في كتب ينسبها إلى الحكمة، يشغل بها قلوب الناس ويتعبهم فيما لا يعود عليهم من ذلك منفعة.

ثم قال له: قد كافأتك على قصدك وتعبك بما صار إليك من الألف دينار، ولا بد من معاقبتك على تخليد الكذب، فحمل السوط على رأسه، ثم أمر أن يضرب بالكتاب على رأسه حتى يتقطع، ثم جهزه وسير به إلى بغداد، فكان ذلك الضرب سبب نزول الماء إلى عينيه، ولم يسمح بقدحهما وقال: قد رأيت الدنيا.

وكانت وفاة والده أبي محمد نوح بن نصر في شعر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة.

وكانت وفاة جده أبي الحسن نصر بن إسماعيل في رجب سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة.

وكانت وفاة جد أبيه أبي إبراهيم إسماعيل بن احمد في صفر ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت منه، سنة خمس وتسعين ومائتين ببخاري؛ ومولده سنة أربع وثلاثين ومائتين بفرغانة، وكن يكتب الحديث ويكرم العلماء.

وكانت وفاة أحمد بن أسد بن سامان سنة خمسين ومائتين بفرغانة، رحمهم الله تعالى.

وسامان: بفتح السين المهملة والميم وبينهما ألف وبعد الألف الثانية نون – وهذا وإن كان خارجاً عن المقصور، لكن مساق الكلام جره، وفيه فائدة لا يستغنى عنها، والله أعلم بالصواب)).

المرجع:وفيات الأعيان لابن خلكان
الحاوي في الطب