قلبتُ أمريَ في بدءٍ وفي عقبِ

أبو تمام

قلبتُ أمريَ في بدءٍ وفي عقبِ

ورضت حاليَّ في جورٍ ومقتصدِ

فما فَتحتُ فمي إلاَّ كعَمتُ فمِي

ولا مددتُ يدي إلا رددتُ يدي !

لا ذَنْبَ لي غيرَ ما سَيَّرتُ مِنْ غُرَر

شرقاً وغرباً وما أحكمتُ من عقدي

نشرٌ يسيرُ به شعرُ يهذبُه

فكرٌ يجولُ مجالَ الروحِ في الجسدِ

ساعاتُ شُكْر غَذاهُنَّ البَقَاءُ بهِ

فهنَّ أطول أعماراً منَ الأبدِ !

إذا دُجاها أحاطَتْ بي أحطتُ بها

قلباً متى أسرِ في مصباحهِ يقدِ

حَضْرمتُ دَهرِي وأشكالي لكم وبكمْ

حتَّى بَقِيتُ كأني لَسْتُ مِنْ أُدَدِ

ثمّ أطرحتمْ قراباتي وآصرتي

حتى توهَّمتُ أني من بني أسدِ !

ثمّ انصرفتُ إلى نفسي لأظأرَها

على سواكم فلم تهششْ إلى أحدِ

ومدحُ منْ ليسَ أهلِ المدحِ أحسبُه

عضواً تفضلَ من قلبي ومن كبدي

قومٌ إذا أعينُ الآمال جثنهمُ

رجعنَ مكتحلاتٍ عائرَ الرمدِ !

فطلعة ُ الشعرِ أقلى في عيونهمِ

وفي صُدُرِهِمِ مِنْ طَلْعة ِ الأَسَدِ

ما إنْ ترى غيرَ منشورٍ على قدمٍ

في الناطِقينَ وَمَطْويٍّ على حسَدِ

قُلْ قَولة ً فَيْصَلاً تَمضِي حُكومتُها

في المنعِ إنْ عنَّ لي منعٌ أو الصفدِ

يحصنْ بها سندي أو يمتنعْ عضدي

أو يدنُ لي أمدي أوْ يعتدلْ أودي

أو التي طالما أفضتْ وعورتُها

مِنَ الأمورِإلى مِنهاجِها الجَددِ

إنْ كُنتَ في المَطْل ذا صَبْر وذا جَلَدٍ

فلَسْتُ في الذَّمِ ذا صَبْرٍ وذا جَلَدِ!

فَقُلْ وَرَاءكِ في سُحقٍ وفي بُعُدٍ

فإنَّني فيكَ أهلُ السُّحق والبُعُدِ