الشعر مفتقر مني لمبتكر

معروف الرصافي

الشعر مفتقر مني لمبتكر

ولست للشعر في حال بمفتقرِ

دعوت غُرَّ القوافي وهي شاردة

فأقبلت وهي تمشي مشي معتدل

وسَلمتني عن طوع مقادتها

فرحت فيهنَّ أجري جرى َ مقتدرِ

إذا أقمت أقامت وهي من خدمي

وأينما سرت سارت تقتفي أثري

صرَّفت فيهن أقلامي ورحت بها

أعرف الناس سحر السمع والبصر

ملكن من رقة رقُّ النفوس هوَى

من حيث أظربنا حتى قاسى الحجر

سقيتهن المعاني فارتوين بها

وكنَّ فيها مكان الماء في الثمر

كم تشرئب لها الأسماع مصغية

إذا تنوشدن بين البدو والحضر

طابقَت لفظي بالمعنى فطابقه

خلوا من الحشو مملوءاً من العبر

إني لأنتزع المعنى الصحيح على

عرى فأكسوه لفظاً قد من درر

سل المنازل عني إذ نزلت بها

ما بين بغداد والشهباء في سفري

ما جئت منزلة إلا بنيت بها

بيتاً من الشعر لا بيتاً من الشعر

وأجود الشعر مما يكسوه قائله

بوشي ذا العصر لا الخالي من العصر

لا يحسن الشعر إلا وهو مبتكر

وأي حسن بشعر غير مبتكر

ومن يكن قائل شعراً عن مفاخرة

فلست والله في شعر بمفتخر

وإنما هي أنفاس مُصعَدة

ترمي بها حسراتي طائر الشرر

وهن إن شئت مني أدمع غزر

أبكى بهن على أيامنا الغُرر

أبكى على أمة دار الزمان لها

قَبْلاً ودار عليها بعدُ بالغير

كم خلد الدهر من أيامهم خبراً

زان الطروس وليس الخُبر كالخَبر

ولست أدكر الماضين مفتخر

لكن أقيم بهم ذكرى بمدكر

وكيف يفتخر الباقون في عمه

بدارس من هدى الماضين مندثر

لهفي على العُرب أمست من جمودهم

حتى الجمادات تشكوا وهي في ضَجر

أين الجحاحد ممن ينتمون إلى

ذوابة الشرف الوضاح من مضر

قوم هم الشمس كانوا والورى قمر

ولا كرامة لولا الشمس للقمر

راحوا وقد أعقبوا من بعدهم عقباً

ناموا عن الأمر تفويضاً إلى القدر

أقول والبرق يسري في مراقدهم

«يا ساهر البرق أيقظ راقد السمرِ»

يا أيها العرب هبوا من رقادكم

فقد بدا الصبح وانجابت دُجى الخطر

كيف النجاح وأنتم لا اتفاق لكم

والعود ليس له صوت بلا وتر

مالي أراكم أقلّ الناس مقدرة

يا أكثر الناس عدًّا غير منحصر