المسافر

محمد الماغوط

بلا أمل ..

وبقلبي الذي يخفقُ كوردةٍ حمراءَ صغيره

سأودِّع أشيائي الحزينةَ في ليلةٍ ما ..

بقع الحبر

وآثار الخمرة الباردة على المشمّع اللزج

وصمت الشهور الطويله

والناموس الذي يمصُّ دمي

هي أشيائي الحزينه

سأرحلُ عنها بعيداً .. بعيداً

وراء المدينة الغارقةِ في مجاري السلّ والدخان

بعيداً عن المرأة العاهره

التي تغسل ثيابي بماء النهر

وآلاف العيون في الظلمه

تحدق في ساقيها الهزيلين ،

وسعالها البارد ، يأتي ذليلاً يائساً

عبر النافذةِ المحطَّمه

والزقاقُ المتلوي كحبلٍ من جثث العبيد

سأرحلُ عنهم جميعاً بلا رأفه

وفي أعماقي أحمل لك ثورةً طاغيةً يا أبي

فيها شعبٌ يناضل بالتراب ، والحجارة والظمأ

وعدة مرايا كئيبه

تعكس ليلاً طويلاً ، وشفاهاً قارسةً عمياء

تأكل الحصى والتبن والموت

منذ مدة طويلة لم أرَ نجمةً تضيء

ولا يمامةً تصدحُ شقراء في الوادي

لم أعدْ أشربُ الشاي قرب المعصره

وعصافيرُ الجبال العذراء ،

ترنو إلى حبيبتي ليلى

وتشتهي ثغرها العميقَ كالبحر

لم أعد أجلس القرفصاء في الأزقه

حيث التسكع

والغرامُ اليائس أمام العتبات .

فأرسل لي قرميدةً حمراء من سطوحنا

وخصلةَ شعرٍ من أمي

التي تطبخ لك الحساء في ضوء القمر

حيث الصهيلُ الحزين

وأعراسُ الفجر في ليالي الحصاد

بعْ أقراط أختي الصغيره

وأرسل لي نقوداً يا أبي

لأشتري محبره

وفتاه ألهث في حضنها كالطفل

لأحدثك عن الهجير والتثاؤب وأفخاذ النساء

عن المياهِ الراكدةِ كالبول وراء الجدران

والنهود التي يؤكل شهدُها في الظلام

فأنا أسهرُ كثيراً يا أبي

أنا لا أنام ..

حياتي ، سوادٌ وعبوديةٌ وانتظار .

فأعطني طفولتي ..

وضحكاتي القديمة على شجرةِ الكرز

وصندلي المعلَّقَ في عريشة العنب ،

لأعطيك دموعي وحبيبتي وأشعاري

لأسافرَ يا أبي .