أراك بشكوى الهجر تهذوا وتطنب

ابن مشرف

أراك بشكوى الهجر تهذوا وتطنب

وتبكي على أطلال سلمى وتندب

وتستوقف الركب المجدين في السرى

على دارس الأطلال والدمع يسكب

تذكرت لما أن أهاج لك الأسى

ديارا تعفيها جنوب وهيدب

فأضحت رسوما باليات كأنها

من الدرس خط في الصحائف يكتب

محا رسمها ذارى الرياح وهامع

من المزن سحا ودقه يتحلب

فلم يبق إلا موقد النار للقرى

وموضع أطناب الخبا حين يضرب

كأن لم يكن فيها أنيس ولم تكن

بها الكاعب الحسناء للذيل تسحب

ولم تسرح الأنعام بين مروجها

ولم يلتق الحيان بكر وتغلب

تسائل عن ألف نأى كل راكب

وما صاحب الأشجان إلا معذب

لريح الصبا تصبو وتعروك هزة

إذا ذكرت سعدى لديك وزينب

وتعجب مني إن عذلتك في الهوى

وعشقك بعد الشيب في النفس أعجب

لئن كنت في دار عن الألف نازحا

غريبا فدين الله في الأرض أعزب

وإن ذوي الإيمان والعلم والنهى

هم الغربا طوبى لهم ما تغربوا

أناس قليل صالحون بأمة

كثيرين لكن بالضلالة أشربوا

وقيل هم النزاع في كل قربة

على حربهم أهل الضلال تحزبوا

ولكن لهم فيها الظهور على العدا

وإن كثرت أعداؤهم وتألبوا

وكم أصلحوا ما أفسد الناس بالهوى

من السنة الغرا فطابوا وطيبوا

وقد حذر المختار عن كل بدعة

وقام بذا فوق المنابر يخطب

فقال عليكم باتباعي وسنتي

فعضوا عليها بالنواجذ وارغبوا

وإياكم والإبتداع فإنه

ضلال وفي نار الجحيم يكبكب

فدوموا على منهاج سنة أحمد

لكي تردوا حوض الرسول وتشربوا

فإن له حوضا هنيئا شرابه

من الدر أنقى في البياض وأعذب

له يرد السنى من حزب أحمد

وعنه ينحى محدث ومكذب

وكم حدثت بعد الرسول حوادث

يكاد لها نور الشريعة يسلب

وكم بدعة شنعاء دان بها الورى

وكم سنة مهجورة تتجنب

لذا أصبح المعروف في الأرض منكرا

وذو النكر معروف إليهم محبب

وما ذاك إلا لاندراس معالم

من العلم إذ مات الهداة وغيبوا

وليس اغتراب الدين إلا كما ترى

فسل عنه ينبيك الخبير المجرب

وقد صح أن العلم تعفو رسومه

ويفشو الزنا والجهل والخمر يشرب

وتلك امارات يدل ظهورها

على أن أهوال القيامة أقرب

فسل فاعل التذكير عند أذانه

أهذا هدى أم أنت بالدين تلعب

وهل سن هذا المصطفى في زمانه

أو الخلفا أو بعض من كان يصحب

وهل سنة من كان للصحب تابعا

إذا قام للتأذين يوما يثوب

وهل قال النعمان أو قال مالك

به أو رواه الشافعي وأشهب

وهل قاله سفيان أو كان أحمد

إليه إذا نادى المؤذن يذهب

أقيموا لنا فيه الدليل فإننا

نميل إلى الإنصاف والحق نطلب

فخير الأمور السالفات على الهدى

وشر الأمور المحدثات فجنبوا

وما العلم إلا من كتاب وسنة

وغيرهما صريح مركب

فخذ بهما والعلم فاطلبه منهما

ودع عنك جهالا عن الحق أضربوا

خفافيش أعشاها النهار بضوئه

فوافقها من ظلمة الليل غيهب

فظلت تحاكي الطير في ظلمة الدجا

وإن لاح ضوء الصبح للعش تهرب

فخذ إن طلبت العلم عن كل عالم

تراه بآداب الهدى يتأدب

لأهل السرى تهدى النجوم علومه

وترمى العدا من شهبها حين تثقب

فلازمه واستصبح بمصباح علمه

لتخلص من جسر على النار يضرب

وقاتل بسيف الوحي كل معاند

فليس له من نبوة حين تضرب

وإياك والدنيا الدنية أنها

لغرارة تعطى القليل وتسلب

فذو الجهل مغرور بزور جمالها

وذو العلم فيها خائف يترقب

فدعها وسل النفس عنها بجنة

بها كل ما تهوى النفوس وتطلب

مساكنها صافي اللجين وعسجد

وتربتها من اذفر المسك أطيب

وكم كاعب حسناء في الخلد نعمت

يزوجها من كان للأجر يكسب

فسارع لما يرضى الإله بفعله

ودع كل شيء كان لله يغضب

وما المرء بعد الموت إلا منعم

بروح وريحان وإلا معذب

ودونك من در القريض قصيدة

تكاد لها الحذاق بالتبر تكتب

أتتك من الإحساء ترفل في الحلى

وتختال في برد الشباب وتعجب

بها ينشط الساري إذا جد في السرى

ويصبو لها الصب المعنى ويطرب

بدت من بصير بالقوافي يصوغها

وينظم منها درها حين يثقب

تغطى بأثواب الخمول عن الورى

إلى أن يرى كفوا له الدر يجلب

وختم نظامي بالصلاة مسلما

مدى الدهر ما دامت معد ويعرب

على خاتم الرسل الكرام محمد

به طاب ختم الأنبياء وطيبوا

كذا الآل والصحب الأولى بجهادهم

أضاء بدين الله شرق ومغرب