أَطَلَّت من الشُبّاك وَاللَيلُ نَيِّرُ

الياس أبو شبكة

أَطَلَّت من الشُبّاك وَاللَيلُ نَيِّرُ

فَأَبصَرت الأَوراقَ تُطوى وَتُنشَرُ

يَغيبُ ضِياءُ البَدر عَنها فَتَختَفي

وَيَظهَرُ مِن بَينِ السَحابِ فَتَظهَرُ

فَقالَت أَفي البُستانِ ريحٌ لَطيفَةٌ

تبرِّدُ في نَفسي لظىً يَتسعَّرُ

أَفيهِ خَيالاتٌ أَحَنُّ من الوَرى

تُبَدِّدُ عَنّي بَعضَ ما أَتَذَكَّرا

وَخَفَّت اِلَيهِ وَاِرتِعاشَةُ جِسمِها

يُلَوِّنُها البَدرُ الحييُّ المصوِّرُ

فَصادَفَ جَفناها الكَسيرانِ جَدوَلاً

تَخَلَّلَ مَجراهُ سُرادِقُ أَخضَرُ

وَقد طَفَت الأَزهارُ فَوقَ مِياهِهِ

كَحُلمٍ نَقِيِّ اللَونِ يَأتي وَيَعبُرُ

وَفي حينِ كانَت ترسل الفكرَ في الد

جى وَفي نَفسِها ماضٍ يَمُدُّ وَيجزرُ

تَراءَت لِعَينَيها طُيوفٌ مُخيفَةٌ

تَمَجُّ كَأَفواهِ الاِفاعي وَتصفرُ

وَعادَت لِمَأواها لَدُن عادَ رُشدُها

اليها وَفي الأَجفان يَاسٌ وادمُعُ

وَأَلقَت بِأَيدي النَومَ مَخمورَ رَأسِها

فَجاوَرَ عَينَيها كَرىً مُتَقَطِّعُ

تَمُرُّ بِهِ الأَحلامُ خاوِيَةَ الحَشا

جِياعٌ تُزَجّيها طَوائِفُ جُوَّعُ

جِياعٌ يُؤَدّيها الخَواءُ اِلى الكَرى

فَتَأكلُ أَفلاذَ العُيونِ وَتَشبَعُ

رُموزُ هَوىً يَستَرفِدُ القَلبَ بُلغَةً

إِذا جاعَ أَو يُهوي عَلَيه فَيَبضَعُ

وَلَمّا طَوى اللَيلُ النَجِيُّ وشاحَهُ

وَجاءَ سَفيرٌ لِلصَّباحِ يُشَيِّعُ

أَفاقَت وَقد لاثى لَهيبَ شُجونِها

سَماعُ طُيورٍ في الحَديقَةِ تَسجَعُ

كَمجمَرةٍ أَفنَت مَدى اللَيلِ نارَها

فَما حَشوُها إِلّا رَمادٌ مُجَمَّعُ

وَرَنَّ صَدى الأَجراسُ في كَبَدِ الضُحى

يُهيبُ بِأَرواحِ التُقاةِ فَتُسرِعُ

فَقالَت لَعَلَّ اللَهَ يَقبَلُ توبَتي

فَما لِيَ في الدُنيا سِوى اللَهِ مَرجِعُ